المقالات

تَأَمُّلَاتٌ وِجْدَانِيَّةٌ التَّشَافِي النَّفْسِيُّ وَالْبَدَنِيُّ؛ حَيَاةٌ، بِعَزْمٍ وَإِرَادَةٍ.بِقَلَمِ: أ.د.غَازِي قَانْصُو

التَّشَافِي هُوَ عَمَلِيَّةُ شِفَاءٍ أَوْ تَحَسُّنٍ فِي الْحَالَةِ الصِّحِّيَّةِ على انواعها لدى شخصٍ ما. حَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَعِيدَ الشَّخْصُ الْقُوَّةَ وَالْعَافِيَةَ.
وَبَعْدَ التَّشَافِي، يُمْكِنُ لِلْفَرْدِ الْعَوْدَةً إِلَى حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ وَاسْتِئْنَافِ نَشَاطَاتِهِ بِثِقَةٍ.
مَفْهُومُ التَّشَافِي يَعْكِسُ الْعَمَلِيَّةَ الْإِيجَابِيَّةَ لِلشِّفَاءِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعَادَةِ الْحَيَاةِ الطَّبِيعِيَّةِ بَعْدَ التَّغَلُّبِ عَلَى التَّحَدِّيَاتِ الشَّخْصِيَّةِ؛ الصِّحِّيَّةِ، الِاجْتِمَاعِيَّةِ، النَّفْسِيَّةِ، العَصَبِيّةِ، السُّلُوكِيَّةِ، الْفِكْرِيَّةِ، الِايْمَانِيَّةِ.

فِي أَعْمَاقِ أَنْفُسِنَا تَسْتَوْطِنُ لَحَظَاتُ الْأَلَمِ الِاجْتِمَاعِيِّ الَّتِي تَحْصُلُ مَعَنَا فِي حَيَاتِنَا، خِلَالَ أَعْمَارِنَا، تِلْكَ اللَّحَظَاتُ الَّتِي تَظَلُّ تَعْصِفُ بِقُلُوبِنَا كَالْعَوَاصِفِ الْجَارِفَةِ، فَتُؤَثِّرُ عَلَى سُلُوكِنَا الشَّخْصِيِّ؛ مَعَ أَنْفُسِنَا، وَمَعَ عَوَائِلِنَا، وَمَعَ مُحِيطِنَا كُلِّهِ.

وَلِأَنَّهَا حَيَاتُنَا، مِنْ غَيْرِ السَّلِيمِ أَنْ نَسْتَمِرَّ بِالْعَيْشِ بَيْنَ أَوْجَاعِ الزَّمَنِ، لِذَلِكَ مِنْ اللَّازِمِ عَلَيْنَا أَنْ يَنْبَعِثُ فِينَا عَزْمُ التَّشَافِي، فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ شِفَاءٍ جَسَدِيٍّ، أَوْ اجْتِمَاعِيٍّ، بَلْ هُوَ شِفَاءٌ لِلرُّوحِ الْجَرِيحَةِ، شِفَاءٌ لِلنَّفْسِ الَّتِي أَصَابَتْهَا الْجِرَاحَاتُ نَتِيجَةَ الصَّدَمَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ.

فِي طَرِيقِ التَّشَافِي، يَسْتَلْهِمُ الْإِنْسَانُ مِنْ كُلِّ تَجْرِبَةٍ مُوجِعَةٍ، يُحَوِّلُ أَلَمَهُ إِلَى دَرْسٍ يَدْرُسُهُ بِعِنَايَةٍ، يَسْتَفِيدُ مِنْهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ. وَبِهَذَا يَكُونُ التَّشَافِي هُوَ مَسِيرَةً دَاخِلِيَّةً نَحْوَ تَحَوُّلٍ إِيجَابِيٍّ. يَنْمُو فِيهِ الْإِنْسَانُ كَشَجَرَةٍ تَسْقِي جُذُورَهَا بِدُمُوعِ الْمَاضِي وَتَتَغَذَّى عَلَى أَشِعَّةِ الْأَمَلِ لِلْغَدِ الْآتِي.

مِنْ هُنَا، فَإِنَّ أوِلَ مَا يَتَطَلَّبُ التَّشَافِيَ هُوَ الْعَزْمُ، أَيْ تَأْكِيدُ النِّيَّةِ عَلَى الشِّفَاءِ، وَالتَّوَجُّهُ إِلَى رَبِّنَا اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِصِدْقِ الصَّادِقِينَ، وَبِعَمَلِ الْمُحْسِنِينَ، وَتَوْبَةِ التَّائِبِينَ، وَبِصَلَاحِ الْمُصْلِحِينَ، وَبِثَبَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ الْقِيَامُ بِشَكْلٍ سَلِيمٍ بِكُلِّ مَا يُعَزِّزُ حَالَى التَّشَافِي عِنْدَ الْإِنْسَانِ.

يَتَفَتَّحُ التَّشَافِي فِي قَلْبٍ يَسْعَى لِلنُّمُوِّ الشَّخْصِيِّ النَّفْسِيِّ- الِانْسَانِيِّ، فَيَتَعَلَّمُ الْمَرْءُ كَيْفَ يَنْطَلِقُ فِي الْحَيَاةِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ الْجُرُوحِ، وَمِنْ الصَّحِيحِ الْمُنَاسِبِ أَنْ نَعْمِدَ الَى الِاسْتِنَادِ إِلَى مَنْ نَثِقُ بِهِ، مِن مُختصِّين، فَنَسِيرُ بِثِقَةٍ بَعِيدًا عَنْ ضَلَالِ الْمَاضِي، بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ.

إِنَّهَا رِحْلَةُ التّشَافِي التي يمْتَزِجُ فِيهَا الْأَلَمُ بِالْأَمَلِ، وَتَتَحَوَّلُ الْجِرَاحَاتُ، بِالْعَمَلِ الصَّحِيحِ عَلَى مُعَالَجَتِهَا، إِلَى أَشْرِعَةِ النَّجَاةِ الَّتِي تَحَمِلُنَا نَحْوَ شَوَاطِئِ الْأَمَانِ وَالسَّلَامِ الدَّاخِلِيَّيْنِ.

مَعَ تَحِيَاتِي،
أ.د.غَازِي قَانْصُو
السَّبْتَ فِي ٣٠-١٢-٢٠٢٣

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى