المقالات

في سياسة ما بعد بعد التوحش وسبل مواجهتها

كتب الدكتور طلال الخواجة في جريدة النهار مقالة تحت عنوان” في سياسة ما بعد بعد التوحش وسبل مواجهتها”
في خطوة تمتاز بنسبة كبيرة من الشفافية نشر حاكم مصرف لبنان بالوكالة د.وسيم منصوري بيانا بموجودات البنك المركزي بالعملات الاجنبية، و ما عليه من مدفوعات ايضا، مظهرا ان ما سيتبقى حقيقة من الاحتياط الإلزامي حوالي ٧.٦ مليار دولار. واذ اشاد كثر بخطوة الحاكم الجديد، الا ان قلة منهم ركزت على الفارق بين الرقم الذي كانت اوساط رياض سلامة تتداوله والذي كان يقدر بأكثر من ٩ مليار دولار ونصف وبين الرقم المنشور. فقد تجاور الفارق حوالي ملياري دولار. كما ان كثير من المحللين والاعلاميين و الاقتصاديين الذين يدورون بفلك السلطات، بما فيها دائرة الحاكم سلامة قد بلعوا السنتهم بعد ان روجوا طويلا للقدرة السحرية التي يمتلكها رياض سلامة على تأمين فروقات صيرفة عن طريق التشاطر في الاسواق السوداء والرمادية و عن طريق شركات تحويل الاموال التي فرخت لتتناسب مع التحول المفجع نحو الدولرة و الاقتصاد النقدي، علما ان بعض هؤلاء استدار ٣٦٠ درجة للاشادة بالحاكم بالنيابة و بمقارباته الجديدة. وكنا فد تحدينا في مقال سابق بعنوان في التصدي للادارة المتوحشة…هؤلاء المنظرين ان يثبتوا صحة معادلاتهم المثيرة للسخرية السوداء لدرجة الاستفزاز. فالثرثرات الجوفاء هدفت في الواقع للدفاع عن المنصة التي كانت تدر ارباحا فاحشة لجماعة البنوك والتجار الفجار ومافيات الاقتصاد والمال واصحاب النفوذ والمهربين عبر الحدود، فضلا عن انها تريح القوى المتحكمة بالسلطة ودوائرها المستفيدة. اما موظفو القطاع العام فكانوا يتلققون القليل من فتات صيرفة التي لا تسمن ولا تغني عن جوع، علما ان معظم البنكرجية كانوا يتلاعبون بهذه الفتات لتفتيتها اكثر، بعد ان نجحوا في سحق وتنحيف معظم الودائع، خصوصا المتوسطة والصغيرة، وملاحقتها حتى آخر بارة باساليب ملتوية ورخيصة اعادتنا الى ايام الدكنجي وطبعا دون حسيب او رقيب. ومنظرو السلطة و بعض “اختصاصيي السياسة والاقتصاد” لم يتوانوا عن التنظير للانتعاش الوهمي والتشجيع للتكيف حتى أصبح رقم ٨٠ ٪؜ تكيف يتكرر على كل شفة ولسان. وهو ما كان يعادل عمليا الدعوة للخضوع للحالة الراهنة للسلطة اللاوطنية بجناحيها الميليشيوي والمافيوزي. علما ان التنظير للانتعاش ارتكز على بعض مظاهر ومؤشرات الحراك الاقتصادي الذي استند معظمه على ما يمكن تسميته بالهجرة السياحية العكسية المؤقتة للمغتربين نحو الوطن، والتي وان لم تخلو من النوستالجيا، فقد زاد من جاذبيتها أنماط من مظاهر الحيوية الترفيهية والفنية التي يتقنها كثير من اللبنانيين بحسناتها وسلبياتها. ومن اهم سلبياتها ان حفنة من المحميين ما زالت تسد بالباطون المسلح معظم واجهات و مداخل شواطئنا الجميلة، حيث اقامت ما يسمى بالمنتجعات خلافا للقانون وللطبيعة والبيئة، حارمة المواطن العادي( اكثر من ٨٠٪؜) من التمتع بهذه الشواطئ والثغور التي تعتبر احدى ميزات البلد الصغير وتدغدغ جزءا من ذاكرته التاريخية، اذ شكلت تاريخيا منطلقا لنقل الحرف و نشر الثقافات والبضائع والعمران في حوض المتوسط وما بعد المتوسط، بينما يحاول كثر الان التكوم في مراكب بائسة والقفز في المجهول، علهم يجدون ملاذا في بلدان الحوض المتقدمة. وللمفارقة فإن البعض من متغطرسي السلطة يعمل على شيطنة هذه البلدان، فيقيم على سبيل المثال لا الحصر الدنيا ولا يقعدها من اجل فيلم باربي لحرف الانظار عن الازمات والانهيارات الناشئة من التسلط والهيمنة والاحتلال المقنع، عبر استنفار الغرائز والعصبيات وا ابتداع ابعادا ثقافية ودينية واجتماعية. علما ان هذه البلدان تتيح الوصول الحر والمجاني الى شواطئها للمواطنين وللمقيمين وللزائرين معا، ما عدا ربما بعض الاستثناءات القليلة جدا والتي يدفع مستثمروها للدولة رسوما كبيرة لقاء إشغالها. ففي هذه البلدان المشيطنة تدفع النخب المالية والاقتصادية والاجتماعية ثمن امتيازاتها غاليا، فضلا عن ان خزائن هذه الدول وموازناتها تستند اولا واساسا على الضريبة التصاعدية، وبعضها أدخل ضريبة اضافية على الثروة أيضا، كما يعتبر التهرب الضريبي فيها جريمة لا تغتفر. واذ لا أهدف لاستجرار نقاش في طبيعة النظم السياسية والاقتصادية والحقوقية والاجتماعية السائدة في زوايا عالمنا المعاصر، واعطاء علامات حسن سلوك غير مؤهل لها، لا اختصاصا ولا احترافا ولا رغبة، الا انني اهدف الى ابراز حجم التوحش الذي وصلت البه الطبقة السياسية الفاسدة والخاضعة لفائض القوة الفئوية والمرتهنة. فمعظم مكونات هذه الطبقة ساهمت و ما تزال تساهم، البعض جبنا وخوفا، والبعض تواطؤ، والبعض عجزا، بتدمير قطاعات ومرافق ومميزات البلد الذي لطالما شكل بتنوعه وتعدده وطبيعته وانماطه الاجتماعية جاذبا للكثيرين وخصوصا لاهله واخوانه في العروبة، بمن فيهم شعرائه الكبار الذين كتبوا فيه اجمل قصائدهم. الم يخلد احمد شوقي زحلة البردوني ب يا جارة الوادي طربت وعادني؟ و الم يصف نزار قباني الفيحاء الطرابلسية بقارورة الطيب حين زارها قبل اكثر من نصف قرن من ارسال قادة النظام السوري الحالي سياراتهم المفخخة الى هذه المدينة الصابرة والتي تدفع أثمان توحش الطبقة السياسية والميليشيات الفئوية في البلدين الشقيقين مضاعفة؟ علما ان نزار ما زال ينادي، وإن عبر حنجرة ماجدة الرومي الذهبية، ست الدنيا بيروت بان تقوم هي واهلها الطيبين، من تحت الردم الذي غمر حبيبته بلقيس ذات يوم، علهم يكنسون الردم و يكنسون معه هذه الطبقة السياسية التي تفضل الحكم في الجحيم عن الخدمة في الجنة. أما انظمة الجرائم التي ساهمت بتكوين هذا الردم عندنا وفي البلاد التي تحكمها أو تحتلها، بما فيها الردم العمراني
والاجتماعي والنفسي والتي تتبع جهارا سياسة “resolved to rule, or to ruin the state ” فسيعود الربيع ويكنسها طال الزمن أم قصر. الم يعلن شبيحة النظام السوري الذي يتباهى حزبنا المدجج بانقاذه، اكراما لراعيه الايراني، الاسد او نحرق البلد؟ وبالنظر لما تعرض له اللبنانيون من قبل السلطة المتحكمة بمفاصل البلد المفككة ومؤسساته المهترئة وقطاعاته المتداعية، فضلا عن رهنه لمصالح خارجية وجعله ساحة للمواجهات. وبالنظر للامعان بمزيد من افقار المواطنين وتدمير ما تبقى من طبقة وسطى بعد السطو على ودائع الناس ومدخراتهم وشقى عمرهم ونهبها واهدارها بشتى الطرق، بالتواطؤ بين مافيات السلطة و جماعة المركزي وارباب البنوك. وبالنظر لتدمير شبه كامل للقضاء على ما ظهر بطريقة التعاطي الفاضح مع جريمة المرفأ المروعة وكثير من الجرائم السياسية، خصوصا جريمة تفجير موكب الرئيس الحريري ورفاقه، اذ تحول القتلة المدانين بالمحكمة الدولية الخاصة الى قديسين لا يتجرأ أحد على المطالبة باعتقالهم. بالنظر لكل ذلك فأننا قد اصبحنا امام سياسة ما بعد بعد التوحش. لقد ذكرنا بعض الغيارى بانتقادنا لموضوع الدعم منذ الانتفاضة التشرينية وانفجار الازمة، متسائلا لماذا نواجه رفع الدعم عن الطاقة والاتصالات. وبالفعل فقد حذرنا منذ البداية من المبالغة بتسعير استهلاك الطاقة وبتحميل الناس المسحوقين كلفة تأهيل وعداد غير قانونية ومن تشطير غير عادل، ومن جباية منقوصة ومن الاستمرار باستهلاك السلف المالية دون خطط اصلاحية جدية تقوم به هيئة اشراف وتطوير محترفة ومستقلة. كما كررنا نفس التحذير في موضوع الاتصالات، بما فيها مؤسسة اوجيرو التي رفعت مؤخرا اسعارها اضعافا وتراجعت خدماتها أضعافا. وبالنظر للثقة المفقودة بالمؤسستين ادارة ووزراء، يبدو وكاننا نمول الفساد الاداري والوظيفي من جيوبنا المثقوبة. وكما نزعت فئات واسعة اشتراكها عن الكهرباء، ستنزع فئات كثيرة اشتراكها عن الانترنت حين تتحسس الفواتير الجديدة دون تحسن مواز في الخدمة البائسة. لن ادخل في تحليل موازنات ٢٠٢٣ و ٢٠٢٤ وما تحويه من ارقام عجائبية في ابتداع الرسوم والضرائب، بعضها مدولر. فقد بدأ بتشريحها اختصاصيون وناشطون محترفون، يفلون الشعرة من العجينة. ما اريد الاشارة اليه، هو ان هذه السلطة الفاسدة والخاضعة والتي لا تواجه التهريب (بما فيه تهريب البشر والمخدرات) ولا تتصدى للتهرب والفلتان الجمركي والضريبي وللاقتصاد الموازي ولاحتلال الشواطئ وغيره من التعديات المحمية وتتفرج على انفلات الاسعار المدولرة، لا تقوى الا على المواطنين المسالمين. فبعد تبديد اموال الخزينة والسطو على الودائع وهدرها بالدعم الكاذب، ها هي تبتدع اساليب تشليح المواطنين ما تبقى في بيوتهم وجيوبهم وصولا لفلس الارملة. وكما استطاعت منوعات السلطة المستقوية بفائض القوة النجاة بافعالها الجرمية دون مواجهة فعلية بعد تراجع وانكفاء الغضبين التشريني والاذاري تحت مطرقة الغزو والتكسير والاغتيالات، ها هي مستمرة، بسياسة ما بعد بعد التوحش، مما يضع النقابات والجمعيات والمجتمع المدني عموما، وبالطبع جميع المعارضات، خصوصا التغييرية امام مهمات ميدانية وعملية وبرامجية لمواجهة هذه السياسة المتوحشة. اذ لا يكفي الصراخ وترداد المواقف المبدئية في القضايا السيادية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، بينما تنهش قطعان السلطة في اجساد المواطنين الذين لم يتسنى لهم الهروب من الجحيم. بالعودة الى الحاكم بالنيابة، نؤكد ان لا احد يتوقع منه ومن رفاقة حلولا جذرية للازمة النقدية والمالية في ظل الانهيار السيادي والسياسي والقضائي والاداري، خصوصا مع استفحال الواقع الطائفي والمذهبي والفئوي عموما. ما هو مأمول منه هو متابعة اشاراته الايجابية التي لاقت الاستحسان بعد فرعنة طويلة لرياض سلامة، ربما: بالتأكيد العلني والواضح ان المليارات القليلة المتبقية في خزانة المصرف هي أمانة للمودعين حصرا. والمأمول ايضا مراجعة سريعة للتعاميم الاستنسابية التي اصدرها سلامة والتي استباح من خلالها الدستور والقوانين والاعراف فاخترع فكرة اللولار وقسم الودائع بين مؤهلة وغير مؤهلة خلافا للدستور( بينما يجب تقسيمها بين مشروعة وغير مشروعة)، وحمى تهريب اموال peps المشبوهة بما فيها اموال جماعته، واستنسب حرمان فئات واسعة من المودعين من التعميم ١٥٨ بما فيها فئات كثيرة كانت عندها ودائع دولارية قبل ٣١/١٠/٢٠١٩ لمجرد انها حركت ودائعها ضمن نفس المصرف او لمصرف آخر ، كما اخضع المودعين، بواسطة التعميم ١٥١ لهيركات مجرم اذاب معظم الودائع الصغيرة، وسكت عن او شجع استيفاء القروض الدولارية بالشيكات او على ١٥٠٠، معوضا على البنوك بقروض من اموال المودعين الذين اصبحوا وما زالوا الحلقة الأضعف، وسكت عن فجور ووقاحة معظم البنوك التي اخترعت اساليب سرقة رخيصة للمودعين تحت عناوين ادارة وتشغيل الودائع فأصبح المودع يدفع عمليا “فائدة” للبنك عن وديعة لا يستطيع استردادها. هل يوجد اذل من ان يدفع المودعون رسوما واحيانا بالفريش ثمن احتجاز ودائعهم؟ على الحاكم بالنيابة ولجنة الرقابة على المصارف وقف هذا العبث الذي رعاه وحماه رياض سلامة والسلطة الفاجرة فورا، فاذا كان هناك خوف من التصخم، فلماذا لا يعطى المودع شهريا نفس المبلغ بالليرة ولكن بسعر السوق؟ وعلى النقابات والهيئات ونواب التغيير والمعارضات عموما ان تتواضع وتنزل على الارض لمواجهة جميع انواع التوحش والاذلال الذي يتعرض له اللبنانيون وعدم الاكتفاء بالمواقف المبدئية. اما قضايا الاصلاح الاقتصادي والنقدي والمالي والاداري والقضائي فهي تندرج في إطار المواجهة السيادية والسياسية والاقتصادية الكبيرة والمتدرجة لجميع اللبنانيين، والتي لن تكون ناجعة الا اذا تمتعت بالموقف السياسي السليم والموحد وبالنفس الطويل والمستند على الدستور والقرارات العربية والدولية و على اقناع اللبنانيين، بان هناك احساس حقيقي بحالاتهم وبآلامهم وقلقهم على الحياة اليومية والمستقبلية لعيالهم وهو ما لا يبدو واضحا حتى الان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى