المقالات

تَأَمُّلَاتٌ وِجْدَانِيَّةٌ

النِّدَاءُ الّذِي يُرَافِقُنَا مِنْ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، تُرى مَاذَا يَصْنَعُ بِنَا وَفِينَا؟!
بِقَلَمِ: أ.د.غَازِي قَانْصُو

يَنْسَابُ نِدَاءٌ صَوْتِيٌ فِي طَيَّاتِ الْوِجْدَانِ كَلَمْحِ الْبَرْقِ، يَتَسَلَّلُ إِلَى أَعْمَاقِ الرُّوحِ كَوَرَقَةِ الشَّجَرِ الرَّاحِلَةِ لِتَحْكِي قِصَّةَ الْحَيَاةِ.

يَأْتِيكَ النِّدَاءُ كَصَدًى مِنْ عَوَالِمَ بَعِيدَةٍ، يَحْمِلُ عَبَقَ الزَّمَانِ وَرَحَابَةَ الْفَضَاءِ. تَبَاغَتُهُ لَحْظَةُ الِاشْتِبَاهِ فِي أَنَّهُ يَهْمِسُ فِي أُذُنِكَ، لِتَجِدَ نَفْسَكَ تَغُوصُ فِي بَحْرٍ لَا قُيُودَ لَهُ، يَنْسَابُ بَيْنَ الْأُفُقِ الْأَدْنَى وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى.

فَتَتَأَمَّلُ الْأُفُقَ وَتَلْمَحُ أَشِعَّةَ الشَّمْسِ تُدَاعِبُ أَلْوَانَ الْغُرُوبِ، وَفَجْأَةً تَتَفَاجَأُ بِأَنَّ هَذَا الصَّوْتَ يَنْطَلِقُ مِنْ الدَّاخِلِ الْوِجْدَانِيِّ نَحْوَ الْبَعِيدِ. يَحْمِلُ مَعَهُ لُغَةَ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةَ الَّتِي تُرَافِقُنَا فِي هَذَه الأرض. وَمَعَ كُلِّ هَبَةِ رِيحٍ وَهَمْسِ الْمَطَرِ الْحَالِيُّ، يَنْسِجُ النداءُ قِصَّةً طَيِّبَةً مَعَ الْعَنَاصِرِ الطَّبِيعِيَّةِ.

فَتَنْغَمِسُ فِي اللَّحْنِ الَّذِي يَتَرَدَّدُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، كَصَوْتِكَ الْخَاصِّ الَّذِي يَتَرَدَّدُ دَاخِلُكَ، أَنْتَ تُرِيدُ شَيْئًا وَأَشْيَاءً، “رَاحَةُ الْبَالِ”، وَالنَّاسُ تُرِيدُ لَكَ أَشْيَاءَ اخْرَى لَيْسَتْ فِي بَالِكَ، كَأَنْ يَسْأَلَكَ سَائِلٌ عَنْ لَوْنِ سَيَّارَتِكَ، اوْ نَوْعِهَا، وَلِمَاذَا لَا تُغَيِّرُهَا، وَعَنْ رَبْطَةِ الْعُنُقِ، وَعَنْ طَعَامِكَ، وَعَنْ شَرَابِكَ، يَعْزِفُونَ عَلَى أَوْتَارٍ لَا تَمُتْ الَى الْحَيَاةِ السَّلِيمَةِ بِصِلَةٍ، لَا عِلْمٌ يَنْتَفِعُ.ُ بِهِ، وَلَا عَمَلٌ يَقِيلُنَا مِنْ مُشْكِلَةِ مَا، وَلَا أَمْرٌ بِصَدَقَةٍ، ولا صدقٌ في نجوى، وَلَا تَوَجُّهٌ بِصَلَاةٍ وَدُعَاءٍ، انْهُ الضَّجِيجُ بِعَيْنِهِ…

يَطُوفُ بِكَ النِّدَاءُ الصَّوْتِيُّ الدَّاخِلِيَّ، وَيَشُدُّكُ إِلَى الْعَالَمِ الْخَفِيِّ حَيْثُ تَرْتَسِمُ أَحْلَامُكَ بِأَلْوَانِ الْفَجْرِ، ثُمَّ تَنْتَهِي مَعَ انْتِهَاءِ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ النَّهَارِ وَظُهُورِ الْوَاقِعِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، بِجَمَالِهِ وَقُبْحِهِ، بِمَشَاكِلِهِ وَحُلُولِهِ، بِتَفَاهَاتِهِ وَفَوَائِدِهِ، يَكُونُ هَذَا الصَّوْتُ مَلَاذًا يُطِلُّ مِنْ شِبَاكِ الْوِجْدَانِ، يَتَسَلَّلُ إِلَيْكَ كَحِكَايَةٍ تَقْشَعِرُ لَهَا الْأَبْدَانُ وَالْجِنَانُ، وَلَا يَدَعُ لَكَ الْآخَرُونَ مَجَالًا الَا انْ تُفَكَّرُ فِي لُعْبَةِ الْقِطَطِ وَالْفِئْرَانِ.

وَهَكَذَا، يَتَنَاغَمُ هَذَا النِّدَاءُ الصَّوْتِيُّ الدَّاخِلِيُّ مَعَ بَعْضِ قَضَايَا دَوَاخِلِكَ، يَأْخُذُكَ فِي رِحْلَةِ الَى نِهَايَةِ الْعُمْرِ الَّتِي تَنْتَظِرُكَ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ.

أَظُنُّ انّ هَذَا النِّدَاءَ لَيْسَ هُوَ الًّا صَدًى حَقِيقِيًّا لِصَوْتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فِي أَنْفُسِنَا فِي آنٍ، فَهُمَا يَكُونَانِ هَذَا الْوُجُودَ الَّذِي نَحْيَاهُ الَى حِينٍ، ويُجيدانِ صِياغةِ التّعبيرِ وإرسالِ ما يَلْزَم.

مَعَ تَحِيَاتِي،
أ.د.غَازِي قَانْصُو
الْأَرْبِعَاءُ فِي ٢٤-١-٢٠٢٤

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى