المقالات

المجتمعات هي المسؤولة عن ظاهرة علماء السلطان : محمد أسوم

لا يمكننا أن نتخلص من الاستبداد السياسي حتى نرفع يد السياسيين عن العلماء أو حتى نمنع العلماء من التزلف للحكام المستبدين أو الفاسدين باسم الدين …

الحاكم المستبد لا يترك العلماء أحرارا أبدا ..
فإما أن يكونوا مطبلين مزمرين له ..
وإما أن يكونوا في السجون والمنافي والمقابر ..
ولا مجال عنده للحياد أو الصمت ، فالحياد او الصمت معناه معارضة الحاكم …

■■ والعلماء في العلاقة مع الحكام المستبدين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :

1- قسم يأبى الخضوع ، ويصر على قول كلمة الحق فيدفعون ثمن موقفهم حريتهم او حياتهم
فهؤلاء يقومون بأعظم الجهاد ، وإذا استشهدوا كانوا أسياد الشهداء
قال تعالى : (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا)

ولقد روي (أنَّ رجلا سألَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وقد وضعَ رجلَه في الغْرزِ: أيُّ الجهادِ أفضلُ؟ قال: “كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائرٍ”). أخرجه أحمد بإسناد صحيح

وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (سيِّدُ الشُّهداءِ حمزةُ بنُ عبدِ المطَّلبِ ، ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه فقتله) رواه الحاكم وابن حبان

٢- قسم يأبى الخضوع ، لكنه يخرج مهاجرا ، ليتمكن من قول الحق ..
وهؤلاء امتثلوا لأمر الله تعالى ، ففروا بدينهم خوفا من الفتنة
قال تعالى :
(إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا)

٣- قسم يطبل ويزمر ويمدح ، ويسخر نصوص القرآن والسنة ليخدر الأمة ..ويشن حربا على العلماء الأحرار ويصفهم بأبشع الأوصاف ويشيطنهم في نظر العامة ..
وهؤلاء علماء النفاق ، او علماء السلاطين …

■■ وما نراه اليوم من تطبيل وتزمير للحاكم ليس جديدا ..بل هو متوارث منذ خلافة بني أمية
حيث كان الخطباء يتطاولون على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويلعنونه والعياذ بالله ، حتى قام الخليفة عمر بن عبد العزيز بإيقاف ذلك ..

ثم انتقل مدح الخطيب والدعاء للحاكم إلى العصر العباسي ، ثم العثماني ، وصولا إلى أيامنا هذه ..
وهذا المديح او الدعاء في الغالب لا يكون بحق ، بل يكون خوفا أو طمعا ..

هذا الصنف من العلماء هم سبب البلاء ..
وهم أشد الناس خطرا على الأمة ..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان.)) رواه أحمد، وصححه الألباني

  • يلهثون خلف المال والمناصب
  • يتنافسون مع أمثالهم على نيل رضى الحاكم ، ويوشون ببعضهم البعض امامه ، ويحرضونه على بعضهم البعض ..
  • يخافون من الحاكم اكثر من خوفهم من الله
  • يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ، فيخضعون نصوص القرآن والسنة لأهوائهم ومصالحهم

وهم اكبر مبرر للعلمانيين لتحريض الناس على دينهم ، والمطالبة بإبعاد الدين عن الحياة ….
كلما زاد عددهم ، زادت دعوة العلمانية قوة وتمكينا …
مع العلم أن العلمانيين يعتمدون عليهم لاحقا في تكريس علمانيتهم وترسيخها في بلادنا …
فهم المبرر للعلمنة ، وهم الذراع لها بنفس الوقت ..

■■ كيف نحد من ظاهرة علماء السلطان ؟؟

السؤال هو كيف نحد منها وليس كيف ننهيها ، لأنها لن تنتهي …
فهي ظاهرة متعلقة بمرضى القلوب من المعممين ..

بصراحة :
هذه مسؤولية الأمة …
فالله تعالى جعلها خير أمة أخرجت للناس لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)..

الأمة هي التي تحد من ظاهرة علماء السلطان عندما تأخذ موقفا منهم..فتندد بمواقفهم ، وتفضح نفاقهم ، وتهجر الصلاة خلفهم ، ولا تقبل منهم فتوى ولا علم …

هكذا تتحول المجتمعات إلى سيف مسلط على عمائم النفاق والهوان ..فلا يجدون أمامهم وخلفهم إلا من يشبههم في نفاقهم ..

لكن للأسف ، ما يحصل هو العكس تماما ..

المشكلة اليوم هي في المجتمعات، شئنا أم أبينا ..
فهذه المجتمعات ترى المعمم عليم الناس ينافق ويداهن ، ومع ذلك تتعامل معه على أنه عالم ومرجع يأخذون عنه دينهم ..

والأصل أن تعاقب المجتمعات المقصرين …
هكذا علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم ، حين أمر المجتمع النبوي أن يقاطع الثلاثة الذين تخلفوا عمدا عن الجهاد دون أي عذر ..
((وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ))

من هنا كان نداء الله للمؤمنين ، أن يلتزموا الصادقين ويهجروا المنافقين …فإذا لم يفعلوا ، فقدوا خيريتهم بين الأمم
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)

■■ إجراءات احترازية واجبة

المطلوب إبعاد رجال السياسة عن رجال الدين ، وليس العكس

١- على المسلمين ان يرفضوا أية وصاية سياسية على المؤسسات والمرجعيات الدينية

٢- اختيار المرجع الديني يجب أن يكون من الجسم الديني وليس من الجسم السياسي ، بشروط تضمن وصول الأتقى والأقوى والمستقل ليكون على مسافة واحدة من الجميع

٣- كفاية العلماء ماليا ، حتى لا يضطر العالم إلى مداهنة الحاكم لتأمين سبل العيش

٤- الاهتمام بشكل كبير بقسم التزكية في كليات الشريعة حتى يتخرج منها العلماء الربانيون ..
فربنا لم يذكر التعليم إلا وذكر معه التزكية
(يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم )
(يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة )

هذه الأمور تساهم بشكل كبير جدا في الحد من علماء السلاطين …..

اللهم علمنا ولا تفتنا ، ولا تجعلنا فتنة للذين آمنوا ، إنك سميع مجيب

يتبع
محمد أسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى