الأخبار اللبنانية

الرهبانية الأنطونية أحيت ذكرى تغييب الأبوين شرفان وابي خليل

أحيت الرهبانية الأنطونية المارونية ذكرى تغييب الأبوين البير شرفان وسليمان ابي خليل عن ديرهما مار يوحنا القلعة – بيت مري، إثر أحداث 13 تشرين الأول 1990، في قداس ترأسه النائب العام الأنطوني الأب أنطوان راجح يعاونه المدير العام الأب مارون بو رحال ورئيس دير مار يوسف زحلة الأب بطرس عازار، والأباتي بولس تنوري، وأمين السر الخاص الأب شربل بو عبود، والقيم العام الأب إيلي النجار ورئيس جمعية الإستقلال جورج نيسي وأهالي الآباء وحشد من المؤمنين، كما تولى خدمة القداس جوقة رعية مار الياس – أنطلياس، بقيادة السيد إدي عون، وذلك في كنيسة دير مار روكز الدكوانة، مركز الرئاسة العامة.

بعد الإنجيل ألقى الاب راجح عظة جاء فيها: ” كّنا لنتناسى  هذا اللقاء لو لم نكن مدعوّين الى الصلاة بلا ملل، والى الحريّة، فلا يجفّ ايماننا ولا يطبق علينا صمت الخوف والذلّ والانكسار الذي يراد لنا أن نتكفّن به، فتوهن عزيمتنا ويتحوّل لبناننا مقبرة للحريّات والكرامات، ولا يبقى من جبالنا وأوديتنا وأديرتنا ومرابعنا سوى حيطان مبكى على أبنائها الشهداءأو المفقودين والمغيّبين.

فلقد درجنا في مثل هذا اليوم على اللقاء للصلاة لأخوينا الابوين البير شرفان وسليمان ابي خليل، وفي الحنجرة غصّة خانقة مصحوبة بمشاعر غضب وازدراء للمولجين ولأصحاب النفوذ. الاّ انّنا لن نملّ من الصلاة. ونحن لا نفعل ذلك استغلالا لأوقات ضعف وأزمات تمرّ بها دول المنطقة وأنظمتها، ولا تحريضا على بلد نريد أن ننهض فيه مع المسؤولين كي يستعيد دوره الحضاري الريادي، ولا انتقاما من أحد، فلي الانتقام يقول الربّ “ومن انتقم يدركه الانتقام من لدن الرب” (يشوع 28، 1).

نذكرهما لنعتبر ولنجدّد تمسّكنا بوحدتنا بعضنا ببعض، فلا يقوى علينا غريب، ولايماننا بأنّ الصلاة بالنسبة الينا هي اقصاء للحزن وتدعيم للعزيمة. انّها تأكيد على ايماننا  المتين بالرابط الذي يشدّنا الى اخوينا أينما كانا، سواء في مجاهل أنظمة قاهرة ومستبدّة أم عن يمين الآب وأعداؤهما موطئ لقدميهما. وصلاتنا هذه متواصلة وليست موسميّة الاّ في الاعلان عنها سنويا. انّها مسألة شغلت بال جميع الرؤساء العامين والرهبان والاهل الاعزّاء، بل المجتمع بأكمله، سلطة وشعبا، الاّ انّها بقيت وتبقى، وللأسف الشديد،عاصية على كلّ الارادات والشرائع والمعاهدات. وقد رفضت الرهبانيّة والأهل الأحبّاء كلّ التسريبات غير المدمغة ببيّنات وقرائن تزيل كلّ ريب، ولو أتت من مسؤولين كبار.

لن ننوح عليهما ان كانا في عداد ابناء الكنيسة المنتصرة، لانّهما يكونا قد شربا كأس المسيح نفسها التي شربها وهو في نضارة شبابه، ونحن واعون انّنا وايّاهمامنذورون للفداء.

وان كانا على قيد الحياة، أيّ حياة، فيكون الواحد قد أدرك السنة الخامسة والسبعين من العمر والثاني السادسة والسبعين، ونحن وهما انّما نعتمد الصليب وسيلة خلاص وعبور، انّه غرسة الحياة، ولو كان ذلك جهالة للأمم، ونؤمن تماما “انّ آلام هذا العالم مهما فظعت لا تقاس بالنسبة الى المجد المزمع أن يتألّق فينا”.

الاّ انّ منطق الفداء هذا لا يعني تفريطا بالحياة ولا تساهلا مع هادريها. لذا لا بدّ من اقتناص كلّ سانحة تجيز قطع التأويلات، فالكنيسة اذ تقبل على التأمّل في الانسان، كلّ انسان، كما الرهبانيّة بتعاطيها مع الراهب، أيّ راهب، فانّها تتأمّله “بعيني المسيح بالذات”، أي انّها تعي أكثر فأكثر انّها قيّمة على كنـز ثمين لا يحقّ لها أن تبدّده.

من جهة ثانية انّ ايماننا هذا لا يبدّل في المسلّمات المدنيّة لاستقامة العيش الكريم. فلا تستقيم ديمقراطيّة لا تقوم على حريّة “الحصول على المعلومات ونقلها” ولا تستقيم ديمقراطيّة تتبرقع بنقاب التعمية والتستّر والتضليل. والأقسى ذاك الشعور بحاجتنا الى ايجاد السبل لانقاذ حقوق الانسان من عبث المنادين بها أنفسهم. فلقد أقرّت تقريبا جميع الدول اليوم بحرف هذا التعهّد، ولكنّها لم تقرّ بروحه ولا بانتهاجه في كلّ مكان.

في  رسالة “فادي الانسان” يقول الطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني (17 ص 57-58) ما يلي:

“ما كان اعلان حقوق الانسان وانشاء منظّمة الامم المتحّدة يهدف الى منع الجرائم النكراء التي ارتكبت ابّان الحرب الكونيّة الأخيرة وحسب، بل الى ارساء أساس صالح لاعادة النظر باستمرار في المفاهيم والأنظمة وأساليب الحكم لدى الدول، وهذا ما يجب القيام به انطلاقا من قاعدة واحدة أساسيّة تسمّى خير الانسان وهو عنصر أساسيّ للخير العام. واذا لم يتمّ ذلك فانّ الحياة البشريّة تخضع، ولو في زمن السلم، لمختلف أنواع المحن والمصائب التي يتفاقم معها التسلّط والاستبداد والاستعمار الجديد، والرغبة الجامحة في اخضاع الشعوب. هذا يعمل على افساد العلاقات بين الأمم لا سبيل، وهذا غالبا ما تثبته التواريخ”.

في كلّ الاحوال انّ مأساة أخوينا وسائر الشهداء والمفقودين تستصرخنا جميعا لنتمسّك برسالتنا في هذا الوطن على الرغم من المشقّات، لنتمسّك بترابه وأرضه ورسالته. لا نستطيع بعد اليوم أن نهجر أرضا حوت دم أحبّاء غيّبوا لنبقى..لا نقدر أن نتخلّى من أجل مجرّد لقمة عيش عن رسالة عهدت الينا..لا يمكن أن نجيّر وطننا لأحد، ولا يمكننا الاّ أن نتكاتف في الذود عنه.

وعليه، يشترك معنا في الصلاة قدس أبينا العام الاباتي داود رعيدي الموجود خارج البلاد، كما يشترك الانطونيّون الحاضرون والمصلّون في سائر الاديار والمراكز. معهم ومعكم  أسأل الله أن ينهي هذه الجلجلة الطويلة وألاّ يسمح بتكرارها أو بالوقوع في فخّ التمهيد لمثيلاتها أو في استجرار زلاّت ماضينا، بل أن نهتدي ونتّعظ من كلّ مآسينا المتكرّرة، والأهمّ أن يجد المسيح فينا على الدوام ايمانا حقا وثباتا في محبّته”.

وفي ختام القداس أطلق القائد نيسي مسابقة فكرية بين أفواج الجمعية لتخليد ذكرى  الأب شرفان المرشد العام، والأب بو خليل مرشد منطقة الشمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى