الأخبار العربية والدولية

في الذكرى السادسة لرحيل القائد هشام أبو غوش

كتب نهاد أبو غوش

على الرغم من صلة القرابة، والعلاقة التنظيمية، لم ألتق بالرفيق هشام ( عبد الحميد) إلا بعد أن أصبحت عضوا في اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية وخروجي من السجن، كذلك لم ألتق بالشهيد الحاج سامي أبدا، سمعت بهما وعرفت أنهما من أِقاربي بعد اعتقالي عام 1979 حيث كان الجميع يسألني عنهما، الآن أحس أن عدم لقائي بالحاج سامي مثّل بالنسبة لي خسارة شخصية لا تعوّض، أما معرفتي الوثيقة بهشام فقد كانت مكسبا شخصيا صافيا على جميع المستويات.

من دروس الحياة القاسية: أنك لا تعرف قيمة الأشياء ولا الأشخاص إلا عندما تفقدهم، هكذا كان الحال مع هشام، فحين كان موجودا معك وحولك كنت تعتبر ذلك أمرا طبيعيا وتلقائيا، ولكن حين غاب… غابت معه أشياء كثيرة.

هشام هو من نوعية الناس الذين احترفوا العمل الثوري بالمعنى اللينيني، انغمس بكليته في هذا المشروع وانخرط فيه حتى لم يعد في حياته أي هامش للذاتي أو الشخصي، حياته كانت في الثورة وللثورة، للآخرين ومن أجلهم.

كذلك كانت نظرته للمسؤولية والمواقع والمناصب، فهي تعني مزيدا من التفاني والالتزام والجدية، مزيدا من التضحية وبذل كل ما يملك من وقت وجهد والاستعداد لبذل الحياة نفسها، مزيدا من الصبر والاستعداد لسماع الآخرين والاستماع لمشاكلهم ومعاناتهم وعذاباتهم، ذوبان الشخصي في العام والذاتي في الموضوعي، الامتيازات لا مكان لها على الإطلاق إلا إذا كانت وسائل لتسهيل القيام بالمهمة من قبيل امتلاك سيارة أو مكتب.

الهوية الفكرية تمثلت في الانحياز المطلق للفقراء والبسطاء، للصغار والضعفاء، لأولئك الذين لا يحسنون المناورة والمراوغة، ولا يتمكنون من إيصال صوتهم إلى حيث يجب أن يصل، فكان هشام صوتهم.

كانت مسطرته الأخلاقية والقيمية واضحة وحاسمة، فكانت العدالة والنزاهة والاستقامة هي ما يحرك جميع مواقفه. ولم أجد في حياتي من يجسد الحكمة القائلة ” الاختلاف لا يفسد للود قضية” مثلما جسدها هشام ابو غوش الذي كان يوميا يخوض نقاشات حادة، ويعلو صوته، ويتشاجر مع البعض، لكن ذلك لم يكن يخلّف أي أثر للضغينة أو البغضاء، كانت ابتسامته الدافئة والحميمة بعد ربع ساعة من “الطوشة” تمسح كل أثر لها وتشيع الحب والتضامن والمودة في الأجواء.

كان محبا عاشقا وهو في الستينات لزوجته الراحلة نهاية، وبارّا لشقيقته الوحيدة دلال (أم رائد) هو كذلك عمّ زوجتي نعمة والأقرب لها في الوطن، وبالتالي عمّ أولادي، لم يقصّر أبدا في عيد أو مناسبة، مع أني أنا شخصيا من أشد المقصرين في المناسبات الاجتماعية، فهو امتلك قدرة على التواصل مع الجميع أطفالا وشبابا وشيبا، مثقفين وبسطاء، ولا عجب أنه كان مقربا للأطفال وصديقا لهم، محبوبا من النساء والرجال، الشباب والشيوخ، الرفاق والأخوة والمستقلين والصحفيين، المسؤولين وغير المسؤولين، من جميع التنظيمات والاتجاهات. لم تكن خصاله وسجاياه فقط هي رأسماله، فقد كان موهوبا بذكاء استثنائي، وذاكرة مدهشة، وجلد لا يضاهى على المتابعة والقراءة والخوض في أدق التفاصيل، مع امتلاك الرؤية البانورامية للأحداث والتطورات، ولذلك حين تجتمع كل هذه الصفات مع طبائع إنسانية مميزة، نكون قد فقدنا رجلا استثنائيا . هشام: لك الرحمة والخلود والذكرى العطرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق