إجتماعيات

ظاهرة التحريض الديني باسم حرية التعبير واستهداف مسيحيي المشرق

ما أسهل أن يتكلم الناس عن التحديات العصرية في مشرقنا وهم يقطنون ويعيشون في بلاد بعيدة! هؤلاء يذكرونني بأباطرة الثورات الفاشلة والمتآمرة على من يحافظ على التعايش المسيحي الإسلامي. هؤلاء الذين يعيشون في فنادق خمسة نجوم ومآكل شهية يخططون لخراب أوطانهم من خلال التكفيريين المتطرفين من كل الفئات بدعم معادي لبلادنا في سوريا وفلسطين ولبنان وسائر مشرقنا الحبيب. هناك من اختبر جانبا سلبيا في بلادنا وسُلِبَت منهم ثقتهم الطبيعية في محبة أوطاننا وخصوصا في مشرقنا مع الأخذ بعين الإعتبار أن الدول التي هاجروا إليها تزيدهم عداوة لبلادهم التي نشأوا فيها, والتعايش الذي عرفوه قبل المؤامرات والحروب التي عصفت بمشرقهم. بمعنى آخر, المهجرون والمهاجرون هم ضحية عالمَيْن مختلفين وثقافتين مختلفتين لا يجمع بينهما سوى المسيح المُوَحِّد بين الجميع بالمحبة لا بالإكراه. علينا سماع صرخات أبنائنا وأصواتهم العالية لمعالجتها بحكمة ورويّة كما فعل الأنبياء والرسل والآباء وبعدهم الأساقفة الشرعيين المستقيمي الرأي في عالمنا. لا شك بأن لدى الكثيرين الغيرة على الإيمان, وهذه الغيرة تولّد العاطفة التي للأسف, وفي معظم الأوقات, تتحول إلى غيرة من دون معرفة بليغة (رومية 10:2) وتؤدي إلى دينونة الآخرين (رسالة يهوذا 9). قد يَنْكَبّون على العلوم الوافرة, ولكنهم يبقون بلا معرفة بسبب نقص الحكمة والتمييز. وهكذا, تصبح هذه المعرفة غير بليغة وناقصة. وقد يتجرّأ البعض على انتقاد رؤساء الكهنة جاهلين بالوقت عينه موقف بولس الرسول, عندما أهان الرسول رئيس الكهنة حنانيا (الذي حكم على يسوع), غير عالمٍ بمقامه, ومسرعا في تراجعه قائلاً: “رئيس شعبك لا تقل فيه سوءاً” (أعمال الرسل 5:23) و (خروج 27:22). لهذا السبب, هؤلاء الذين ينتقدون الكنيسة مستعملين الكتاب المقدس عليهم أن يدركوا أن الكتاب المقدس وصل إليهم من الكنيسة في القرن الثالث الميلادي. إن كلمة الله أبعد من أي تفسير حرفي يفتقد الصورة التاريخية الكاملة. أليس هذا ما فعله آريوس الذي تعلّم من مدرسة لوقيانوس الحرفية غير مميز بين المسيح الأزلي كحكمة والحكمة المخلوقة قبل كل الدهور في أمثال سليمان الحكيم الفصل الثامن والآية الثالثة والعشرين؟ هذا الخطأ في التمييز قاده إلى جعل الرب يسوع أدنى من أبيه (كما يفعل اليوم شهود يهوه). الله وحده العارف بكل شيء وهو وحده الذي يدين. كثيرون يأخذون دور المسيح في دينونة الآخرين غير عالمين أنهم جعلوا من أنفسهم آلهة, بينما هناك آخرون يحبون إلى درجة الفناء فيتألهون ويضيئون كالكواكب. إبليس جعل من نفسه إلها فسقط, بينما المسيح أخلى ذاته آخذا صورة عبدٍ فارتفع إلهاً متجسداً.
كم ينقصنا من المعرفة والعلوم لنعرف غوامض الحكمة ومكنوناتها (مزمور 8:51 ماسوراتية و8:50 سبعينية)! أليست هذه من صفات الذي يسلّم نفسه إلى التأمل في شريعة العليّ (سيراخ 34:38)؟ يفكّر في مغزى الأقوال السائرة, ويرى كيف يفكّ الألغاز (سيراخ 3:39), ويتأمل في أسرار الله (سيراخ 7:39). كم من الأسرار نجهلها وهذا ما يذكرنا به الكتاب المقدس وبالتحديد الإنجيلي يوحنا الحبيب الذي حلّق بنا كالنسر إلى مرتفعات اللاهوت السامية ليذكرنا بالأمور الصوفية المحجوبة والتي لا تُكْشَف لنا إلا بالتنقية من الأهواء والإستنارة والتأله. أليس هذا ما حدث للنبي موسى على جبل حوريب وللتلاميذ الثلاثة يعقوب وبطرس ويوحنا على جبل ثابور وقت التجلي؟ يقول الرسول يوحنا بأن يسوع صنع أمام تلاميذه آياتٍ أخرى غير مدوّنة في هذا الكتاب (يوحنا 30:20). في مكان آخر, يتحدث عن أمور كثيرة عملها يسوع, لو كتبها أحد بالتفصيل, لضاق العالم كله, بالكتب التي تحتويها (يوحنا 25:21). هناك حوالي ثلاثة وثلاثين كتابا ضائعا مذكورون في العهد القديم ككتاب حروب الرب (العدد 14:21) وكتاب ياشر أو البار (يشوع 13:10). نحن عالمون بجهلنا لتواريخ كثيرة, ولكن هناك من يجهل التاريخ ويريد أن يفرض علينا تعاليم ناقصة, وليس كل تاريخ صحيح إنما يحتاج لبحث ودراسة عميقة وواسعة الأطراف. لم يكن الكتاب المقدس كتابا علميا ولا كتابا تاريخيا, إنما هو كتاب تدخّل الله في حياة وتاريخ البشرية لخلاصها. هو كتاب لاهوتي بامتياز مع أمثال وألغاز وقصص من تاريخ البشر والكون. لهذا, علينا أن نبحث بين السطور والحروف عن المعاني والأحداث المخفية عن فهمنا العميق للأمور التي حدثت لكي لا نبقى أسرى الحرف الذي يقتل بل أبناء الروح الذي يُحْيي. نحن بحاجة إلى تبيان بعض الحقائق لكي نوضح المغالطات التي تنال من كنائسنا وأساقفتنا وكهنتنا وأديرتنا والمسؤولين. من ينتقدنا يفتقد المحبة لأن المنتقد يحتد ويتكلم بقباحة واستعلاء. وأكثر من ذلك, يسيئون الظن بالنوايا الحسنة كنوايا أساقفتنا الذين عملوا مبادرات محبة تجاه إخوتنا المسلمين. هؤلاء المنتقدين المغرضين لا يصبرون على فهم نوايا أساقفتنا وكهنتنا عندما يتعاطون مع أمور حسّاسة للغاية, بل يحرّضون ويدينون وينتقدون كأنهم علماء وهم بالحقيقة بعيدون عن العلم الصحيح. أليس هذا ما حصل في روسيا عندما هوجمت من اليهودية الإشتراكية بإسم الثورة البولشفية؟ وقعت الكنيسة في أيدي المجرمين والملحدين وكثر السلاخون في الداخل والخارج. يقول القديس الروسي لوقا الطبيب الذي كان أسقفاً, أن روسيا عاشت في مرحلة لم يوجد بها سوى أربعة أساقفة. لم يفقدوا الأمل ولم يتركهم الرب يتامى. عندما هاجم هتلر روسيا, أرسل المثلث الرحمات المتروبوليت إيليا كرم مطران جبل لبنان الأنطاكي رسالة إلى ستالين الشيوعي الروسي يطلب منه مباركة الجيش الروسي بأيقونة سيدة قازان التي نجّت روسيا من هجمات الأعداء. هناك من سينتقدنا على قولنا بأن أيقونة سيدة قازان نجّت روسيا, ونحن بدورنا سنقول بأن والدة الإله تشفعت لإبنها يسوع لكي يخلص روسيا واستجاب الرب دعاءها كما استجاب لها في عرس قانا الجليل في فلسطين وليس في لبنان. طلبة البار تقتدر كثيرا لدى السيد (يعقوب 16:5). كان ستالين إكليريكيا في الكنيسة, ولربما صوت المتروبوليت الأنطاكي كان له صدى عميق في ذاكرته التي حتى ولو ترك ستالين الرب في فترة زمنية إلا أن الرب لم يتركه. وبالحقيقة, انتصرت روسيا على هتلر والنازية. كان غبطة البطريرك القديس, المثلث الرحمات غريغوريوس الرابع الحداد الأنطاكي, الذي عاش إبان العهد العثماني, محبوبا من المسلمين كثيرا ولم يعمّد مسلما واحداً. كان يشجعهم على محبة المسيح دون ترك الإسلام لكي لا يعرّض أحداً للقتل أو الإضطهاد ولكي يتفادى هدر الدماء. راعي النفوس مسؤول أمام الله عن كل نفس ولهذا السبب, يلبس رئيس الكهنة الأموفوريون ليردّ كل خروف بعيد إلى الكنيسة. عندما حدثت المجاعة سنة 1914, فرّق البطريرك القديس المساعدات على الفقراء المسلمين والمسيحيين, وعندما مات, خمسون ألف مسلم مشوا في جنازته ولم يقبل المسلمون بهذا فقط بل أدخلوه الجامع الأموي قبل تشييعه في الكاتدرائية المريمية. هذه أنطاكية وهذه هي الأرثوذكسية وهذه هي المحبة التي تؤله.
للأسف, لدينا الكثير من الذين يؤمنون بحرفية الكتاب المقدس دون التأمل برسالة وروحية الكتاب لنا. يقول لنا مجدداً الرسول يوحنا بأن الآيات المدونة [في هذا الكتاب], هي لتؤمنوا بأن يسوع هو المسيح ابن الله (يوحنا 31:20). يقول لنا النبي موسى في تثنية الإشتراع “الخفايا للرب إلهنا, والمعلن في الشريعة هو لنا ولأبنائنا لنعمل به (بالمُعْلَن) إلى الأبد” (تثنية 28:29). يُذكّرنا يشوع بن سيراخ مجدداً بأهمية التواضع أمام الله ويقول “لا تطلب ما يصعب عليك فهمه, وعما يتجاوز قدرتك لا تبحث, تأمل في ما أمرك الرب فتستغني عن الأمور الخفية. لا تهتم بما فوق طاقتك, فما تعرفه يفوق إدراك البشر. كثيرون أضلّهم بُطلان آرائهم, وعلى عقولهم سيطر الوهم” (سيراخ 21:3). بعض المخطوطات اليونانية تضيف “من دون عينين لا نرى النور, ومن دون عقل لا نحاول الإقناع”. ولكن إن أمعنّا النظر في كلام الله, وتخطينا العقلانية لفهم الكتاب المقدس, ودخلنا إلى جامعة الروح القدس في قلوبنا, فسوف نتعلم ونفهم أموراً كما يريدنا الروح القدس أن نفهمها (يوحنا 26:14). الروح القدس يدعونا للصبر وطول الأناة. في التأني السلامة وفي العجلة الندامة. كلمة الله هي محور تأمل وعبادة المؤمنين. في العهد الجديد, يقول لنا الرب يسوع “طوبى للذين آمنوا ولم يروا” (يوحنا 29:20). قَلَبَ الأمور رأسا على عقب. كانت أمه, العذراء مريم, تحفظ هذه الأمور وتتأمل فيها بداخلها (لوقا أول ثلاثة فصول). نعم, انتقلت كلمة الله الى القلوب كما تنبأ عنها إرميا (33:31). نزل العقل إلى القلب وتحصّن بالهيكل الذي يردد “يا الله, ارحمني أنا الخاطىء”. الزانية تبررت, والسامرية قُبِلَت, واللص ربح الملكوت. لماذا لا نذهب إلى الذين هم بحاجة للخلاص؟ هذه هي مهمة الكنيسة الأرثوذكسية بشكل خاص وخصوصاً في المشرق. نحن أمام ميلاد جديد وبشارة جديدة. نحن لسنا بصدد سرقة المسلمين ولكننا نريد أن نقول لهم فقط “نحبكم لأن الله أحبنا وأوصانا أن نعيش معكم وبجانبكم بسلام”. هذا ما علّمنا إياه الملك سليمان الحكيم قائلاً “لا تتآمر بالشر على جارك المقيم مطمئنا إلى جوارك ولا تخاصم أحدا من غير علة طالما لم يؤذك” (أمثال 29:3). سيقول البعض: “المسلمون يقتلوننا”, ونرد قائلين: “إغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يدرون ما يفعلون”. الروح القدس يهب حيث يشاء ويهب في الأماكن التي تحتاج استنارة وخلاص. خلاص الله للبشرية عجيب وغريب لأنه يقول لنا: “إن العشّارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله” (متى 31:21).
لدينا أمثال من الكتاب المقدس عن حلول الروح القدس على غير يهود آمنوا بالرب يسوع قبل معمودية الماء (أعمال الرسل 44:10), ولكن لم يتم ذلك من دون استدعاء الله للرسول بطرس الذي عمّدهم. أدرك بطرس الرسول بأن الله لا يفضّل أحداً على أحدٍ (أعمال الرسل 34:10). بعد اضطهاد شاول للكنيسة, ظهر له المسيح وأعماه (عن معرفته القديمة) وأناره بنوره الشافي (المعرفة الجديدة) داعيا إياه إلى دمشق لينال الروح القدس على يد الرسول اللاوي حنانيا, أسقف دمشق الأول, ويتعمّد في نهر بردى. كان الرسول حنانيا ينتمي إلى جماعة تائبي إسرائيل التي كانت مشابهة للآسينيين في قمران إلا أنها كانت تؤمن بالرب يسوع. وكان أيضا من الرسل السبعين. وهكذا, كما كان الرسول حنانيا الأسقف الأول على دمشق, كذلك الأمر, بعد استشهاد الرسول بطرس, رعى الأسقف إغناطيوس الأنطاكي (تلميذ بطرس) كنيسة أنطاكية وعلّم بأن الأسقف يمثّل الرب يسوع في العشاء السري وأن الكهنة يمثّلون الرسل. حيث الأسقف هناك تكون الكنيسة. قد يشعر الأسقف بعدم استحقاقه, وهنا يكمن السر الإلهي باستعمال هذا الفخار (الأسقف) جسراً للنعمة الإلهية كما استعمل الرب يسوع بطرس الذي أنكره ثلاث مرّات باصطياد الكثيرين بعد نيل الروح القدس. اختار الله ما هو ضعيف في العالم ليخزي الأقوياء (كورنثوس الأولى 27:1).
إن كنيسة أنطاكية هي بنت كنيسة أورشليم الأم, وكنيسة أنطاكية هي أم الكنيسة القبرصية وأم الكنيسة الجورجية ومن داعمي الكنيسة الروسية منذ نشأتها المباركة. كنيسة أنطاكية عالت أمها في أورشليم لعقود وسنوات إلى أن استطاعت كنيسة القدس في القرن الخامس أن تقف مجدداً على أقدامها لتستعيد مكانتها كأم للكنائس جميعا وأصغرهم. امتدّت الكنيسة الأنطاكية إلى بلاد الصين عندما ذهب الرسل والمبشرون إلى الشرق الأقصى ناقلين بشارة الخلاص. في القرن الرابع, استقلّت كنيسة جورجيا عن أمها أنطاكية. في القرن الخامس, استقلّت كنيسة قبرص عن أمها أنطاكية, وانشقّت كنيسة المشرق عن أمها. لم تُحارَب كنيسة ككنيسة أنطاكية في كل التاريخ. مع أن الدفاع عن الإيمان القويم كان ضرورياً, إلا أن الجدل البيزنطي المشهور لم ينقذ الكنيسة من التشرذم. حتى المسلمين, فإن نشأتهم لم تكن غريبة عن الكنيسة لأنهم كانوا ردّة فعل على الفتن والحروب التي نشأت بين الكنائس. استغل الظرف اليهود وساهموا بخلق منافس للمسيحية. المثلث الرحمات المطران استفانوس الحداد, في كتاب تاريخ كنيسة أنطاكية الذي عرّبه عن العلامة خريسوستوموس بابادوبولوس, يتكلم عن العدد الهائل من المسيحيين الذين قبلوا الإسلام ودخلوا به. إذا, نحن مسيحيو الشرق, قدسيون وأنطاكيون, لا يسعنا سوى الإعتراف بالحقيقة وهي أن عدداً كبيراً من المسلمين هم أبناءنا في الماضي البعيد وليس لنا رغبة في معاداتهم لأن المسيح علمنا محبة الذين يضطهدوننا والصلاة لأجلهم كما فعل هو على الصليب. أليس هذا ما فعله استفانوس الشهيد ويعقوب الرسول أخو الرب وأسقف أورشليم الأول؟ الكل يعلم بوجود الإبيونيين في الجزيرة العربية, والإبيونية هي جماعة يهودية مسيحية آمنت بالمسيح كنبي وليس كإبن الله. كانوا منتشرين في ناحية مكة المكرمة (بكة قديما) والمدينة المنورة (يثرب قديما) زمن نبي المسلمين ابي القاسم محمد بن عبدالله. كان النبي محمد يزور دير القديسة كاترينا في سيناء وهناك رسالة مختومة بيده توصي بحماية الأديرة والرهبان. كان النبي من زوار الأديرة والرهبان وقد تأثربهم كثيراً وهم أحبوه. عندما دخل المسلمون إلى مدينة القدس, تسلّم الخليفة عمر مفتاح المدينة ووقّعوا الوثيقة العمرية التي تنص على عدم التعرّض للمسيحيين. عندما حان وقت الصلاة, لم يشأ الخليفة أن يصلي في الكنيسة خوفا من أن يأتي المسلمون ويبنوا جامعا مكان الكنيسة. بالحقيقة, أتى المسلمون وبنوا مسجداً صغيرا بجانب كنيسة القيامة. ما حدث في الإسلام هو نفسه ما حدث في المسيحية عندما انطلقت. إبان إعلان الملك قسطنطين معاهدة ميلان سنة 313م, دخل إلى الكنيسة ناس لا لأجل الإيمان بل لكي يحفظوا أرواحهم, ويكونوا مع المنتصر, ويحققوا أرباحاً وغنائم أرضية. هذا التصرّف شجّع انطلاقة الحركة الرهبانية التي رفضت ’تبييض الوجوه’ و’المحسوبيات الخاصة’. من هذه التصرفات تجلّى أكثر فأكثر دور المتبالهين لأجل المسيح والمعروفين في الحبشة بإسم ’الباهيطاوي’. رفض الرهبان التعزيات الأرضية المزيّفة لأنها زائلة وركّزوا على المحبة والدروشة والملك الآتي. في الإسلام حصل نفس الشيء. الإبيونيون كانوا يعيشون ما بين البتراء وبكّة ويثرب, والقبائل اليهودية الأخرى كانت فريسية غيورية تلمودية توراتية. حصل الصراع حول السيطرة على الإسلام وتوجيهه لخدمة مصالح كلّ من الديانتين. الإسلام المقرّب من المسيحيين سلامي إلى أبعد منتهى, والإسلام المقرّب من اليهود الفريسيين الغيورين التلموديين التوراتيين دموي بامتياز. المسيحية المقرّبة من الغربيين العنصريين تشوش العلاقات الطيبة مع المسلمين وتزرع الشك بسبب كراهية الغرب للمسلمين. لهذأ, علاقتنا بالمسلمين هي فوق كل اعتبار بسبب القرابة الجغرافية والإجتماعية. مع الوقت, تلاشى الإبيونيون لأنهم كانوا معزولين من الكنيسة بسبب عقائدهم, ومنبوذين من التلموديين بسبب اعترافهم بالمسيح كنبي, ولكن التلموديين استمروا. للأسف, لدينا اليوم جهلة في أميركا (يهود مسيحانيين من أصل تلمودي فريسي) يناصرون الإبيونية القديمة لينتقموا من الكنيسة, ويتهمون الكنيسة الأرثوذكسية باضطهاد اليهود المسيحيين جاهلين أن من انتقد الإبيونيين هو المطران العبراني المنشأ والأرثوذكسي الإيمان إبيفانيوس أسقف سلاميس في قبرص. لنتذكر بأن قبرص كانت أنطاكية. هنا حصل ما لم يكن في الحسبان. دخل عدد كبيرمن اليهود إلى الإسلام ودسوا الفتن في هذه الدعوة التي ابتدأت بنوايا صادقة وشريفة. يقول المطران جورج خضر “إن النبي محمد كان رجلا كريما مستقيما صالحا وانه لم يخترع الإسلام اختراعا. وإنه قد تعرّض لظواهر شبيهة للظواهر التي حصلت للأنبياء من بني إسرائيل”. بسبب التدخل اليهودي الفتنوي, نشأت الصوفية في الإسلام هروبا من الحروب الطائفية ليركّزوا على القلب والذكر الإلهي. عندما علّمْتُ الإسلام في الجامعة, شاركت مع تلاميذي سببين منطقيين أسهما في مجيء الإسلام. السبب الأول يأتي من كتاب تثنية الإشتراع الفصل 28 الذي يتكلم عن البركات واللعنات. الطاعة لشريعة الله تؤدي إلى البركات, أما عدم الطاعة لشريعة الله فتؤدي إلى اللعنات والهزيمة أمام الأعداء. يخسر المرء كل شيء ويخضع لحكم العدو. سمح الله للآشوريين الساميين (لكي لا يظن اليهود الغير المعترفين بالمسيح بأنهم وحدهم ساميون) بتدمير مملكة إسرائيل الشمالية بسبب معاصيها. وقلة من الناس تعرف أن نبوخذنصّر البابلي السامي كان من أحفاد الملك سليمان من إمرأة سامية وغير عبرانية. السبب الثاني يأتي من كتاب أعمال الرسل الفصل 5 الذي يصف ما قاله معلم بولس الرسول غمالائيل لليهود. قال عضو مجلس المجمع الكبير, غمالائيل الفريسي ومعلّم الشريعة, ومعلم شاول بولس, لأعضاء المجمع ما يلي: “يا بني إسرائيل, إياكم وما أنتم عازمون أن تفعلوا بهؤلاء الرجال (أي رسل الرب يسوع). قام توداس قبل هذه الأيام, وادّعى أنه رجل عظيم, فتبعه نحو أربعمئة رجل. ولكنه قُتِلَ وتفرّق جميع أتباعه وزال أثرهم. ثم قام يهوذا الجليلي في زمن الإحصاء, فجرّ وراءه جماعة من الناس, فهلك أيضا وتشتّت جميع الذين أطاعوه. والآن أقول لكم: أتركوا هؤلاء الرجال وشأنهم ولا تهتموا بهم, لأن ما يبشرون به أو ما يعلمونه يزول إذا كان من عند البشر. أما إذا كان من عند الله, فلا يمكنكم أن تزيلوه لئلا تصيروا أعداء الله” (أعمال الرسل 34:5). بقي الإسلام إلى يومنا هذا. هل هم من الله؟ نعم, إنهم من الله حسب نبوءة تثنية الإشتراع والتي تقول بأننا سنخضع للذين يأتون بأمر من الرب لتأديبنا على خطيئة عدم المحبة. هل هم أعداء لنا؟ هم ليسوا أعداءً إنما نحن جعلناهم أعداء عندما حاولنا القضاء عليهم ولم ننجح. هل رأى المسلمون فينا يسوع المحبة أم يسوع الطبيعة والطبيعتين والجدل الذي لا ينتهي؟ قد يأتي بعض المشبوهين والمندسين والغيورين الذين تنقصهم الحكمة قائلين لنا حرفيا: “لماذا لا تدخلون الإسلام”؟ ولهؤلاء نرد ونقول: “نحن مسلمون قبل أن يبدأ الإسلام لأننا نؤمن بالإله الواحد الجوهر والغير المنقسم”. بعض المسيحيين القدماء وصف المسلمين بالبدعة المسيحية, وبعض اليهود وصف المسلمين بالبدعة المسيحية اليهودية, وأما نحن في أنطاكية والمشرق في زمننا هذا, فنقول بأنهم أحباب الله وأبناؤنا الذين أسلموا, ومن يمنع محبة الله لهم هو تكفيري, متعصب, كاره, عنصري وفريسي متكبر. الله يحبهم غصباً عن الذين يكرهون هؤلاء الذين أسلموا إلى الله بعدما ابتعدوا عن عالَمٍ فلسفي, معقّد, متصارع, ودموي, بعيد عن الأخوّة والرحمة والحنان. كان الظلم شديداً بين الأديان الإبراهيمية, فهرب هؤلاء إلى إبراهيم الحنيف والقديم والبسيط والمؤمن بالإله الواحد قبل أي انقسام وقتال وتعقيد. إن عبارة ’لا إله إلا الله’ و’حسبي الله ونعم الوكيل’ و’بسم الله الرحمن الرحيم’ كانت متداولة بين المسيحيين العرب في نجران والبصرى والبتراء وأماكن أخرى. قال الرسول بطرس للرب يسوع: “إلى من نذهب يا سيد, وكلام الحياة الأبدية عندك” (يوحنا 68:6)؟ أما المسلمون الذين عاينوا غضب الله على قساة الرقاب من اليهود, وشاهدوا بأم أعينهم القتال الدموي بين المسيحيين حول طبيعة المسيح, فإلى إين يذهبون؟ ذهبوا إلى إله إبراهيم الحنيف مبتعدين عن المغضوب عليهم والضالين. المسيحي الحقيقي وخصوصا الراعي يفتش عن الخراف التي ابتعدت ويذهب وراءها كما فعل بولس الرسول. يقول الرسول العلامة بولس: “أنا رجل حر عند الناس, ولكني جعلت من نفسي عبدا لجميع الناس حتى أربح أكثرهم. فصرت لليهود يهوديا لأربح اليهود, وصرت لأهل الشريعة من أهل الشريعة – وإن كنت لا أخضع للشريعة – لأربح أهل الشريعة, وصرت للذين بلا شريعة كالذي بلا شريعة لأربح الذين هم بلا شريعة, مع أن لي شريعة من الله بخضوعي لشريعة المسيح, وصرت للضعفاء ضعيفا لأربح الضعفاء, وصرت للناس كلهم كل شيء لأخلص بعضهم بكل وسيلة. أعمل هذا كله في سبيل البشارة لأشارك في خيراتها” (كورنثوس الأولى 19:9). نحن مدعوون إلى محبة إخوتنا المسلمين لأن ربنا أمرنا أن نحبهم كما أحبنا هو أولاً (يوحنا الأولى 19:4). هذه المحبة ليست محصورة بين المسيحيين فقط وإلا نصبح مثل الفريسيين والمتقوقعين والتلموديين العنصريين والتكفيريين. بعد انتصار صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين بمساعدة الأرثوذكسيين, تعهد المسلمون بحماية كنيسة القيامة وسلّموا مفاتيح الكنيسة لعائلتين مسلمتين مقدسيتين شريفتين فلسطينيتين من آل جودة وآل نسيبة لحماية الكنيسة من مسلمين متطرفين قد يأتوا لاحقاً. هاتان العائلتان تفتخران بما تفعلان, ولا يسعنا نحن المسيحيون سوى الشكر والتقدير والإمتنان لجهودهما وتضحياتهما عبر الأجيال. وجود مفاتيح القيامة مع هاتين العائلتين هو لمنع أي مسلم من معصية كبيرة لا تُغْتَفَر وهي إباحة دم مسلم من مسلم. هذا حديث نبوي عن عبدالله ابن مسعود. هذه المعلومة تأخذنا إلى ما حدث في بداية عهد الإسلام, عندما كان من المفروض أن يتسلم الخلافة حفيد النبي الإمام الحسين بن علي, ولكن يزيد ابن معاوية شنّ حملة من أربعة آلاف مقاتل على الإمام وعائلته ورفاقه الذين لم يتجاوز عددهم السبعين نفراً, وحدثت معركة كربلاء المشهورة ببسالة الإمام الحسين وشجاعة مقاتليه. النقطة الملفتة للنظر هي إباحة مسلم لحفيد النبي محمد المسلم. هنا, تتوضح فكرة إختراق اليهود للإسلام ومحاولة القضاء على إسلام لم يكن معاديا للمسيحيين. يُقال بأن الحملة استمرت بعد مقتل الإمام الحسين وطوردت ذرية أهل البيت نواحي الهند. الإسلام المتيهودون فشلوا في القضاء على الإسلام المقرَّب من المسيحيين, وها نحن اليوم نرى بأم أعيننا العداء لمسلمي أهل البيت والمسلمين الآخرين الذين ساندوا ذرية النبي. نحن المسيحيين في أنطاكية والمشرق نحترم كل مسلم سلمي يرغب بالتعايش معنا, ووجود المسلمين معنا ليس هو إلا غنى لحياتنا. نحن ملزمون من ربنا أن نحافظ على كرامة المسلمين وعرضهم وتقاليدهم. للأسف, نحن مستهدفون من صهاينة الخارج والداخل ومن العملاء المنتسبين للحركة الماسونية بفروعها اليهودية المسيحية والإسلامية. هناك من يظن, عن غباء أو جهل, بأن الفلسطينيين هم عربا فقط أو هلينيين من كريت أو كنعانيين غير ساميين (كما تكلم البعض وكأنهم علماء في علم السلالة البشرية). لهؤلاء أقول راجعوا كتاب أعمال الرسل وانظروا إلى تعددية الشعوب التي كانت وقت العنصرة وكلمة عنصرة معناها التجمع. كان هناك من العبرانيين والعرب وكل الأمم القديمة. شعب فلسطين هو شعب الأمم في هذه البقاع السامية المقدسة والموحدة بالروح القدس. من المؤكد أن هناك من سينتقدنا على هذه المعلومة التاريخية, ولكن هؤلاء سيصطدمون بحائط كبير عندما يعرفون أن رئيس وزراء العدو الصهيوني الثاني, إسحق بن صفي, العلامة في علوم السلالات اليهودية, أكد في كتابه المنفيون والمفديون أن غالبية الشعب الفلسطيني تأتي من أصول عبرانية تنصّرت (أي تعمّدت وأصبحت مسيحية من أتباع يسوع الناصري ملك اليهود) وأسلمت (بسببب الفتوحات والإنقسامات الكنسية حول طبيعة المسيح) على مر الزمان. قد يضحك البعض ولكننا نلفت النظر إلى العالم المعاصر ميسيناي صفي اليهودي الذي يؤكد تلك النظرية مدعومة بفحوص الحمض النووي. هذان العالمان نالا انتقادات كثيرة من اليهود التلموديين لأن تلك النظرية تبيِّن الشعب الأصيل من الشعب الدخيل وتدين حرب “الجدد” المُطعّمين بالخازارية على القدامى الأصيلين. إن الإسلام والعروبة حافظا وطبّعا تقاليدنا وثقافتنا ولسنا نادمون على تراثنا العريق. شعب فلسطين هو شريحة من الشعب السوري العريق بشامه وحضاراته القديمة. إنها بقاعٌ أنطاكيةٌ واسعة الأطراف بخصبها وغناها وكرمها. إنها كنيسة أنطاكية المتعددة بعائلاتها الروحية وغنى تقاليدها. كنيستنا ليست منقسمة لأن جوهرها الأصيل جامع لكل المتعطشين لمعرفة الله. وما نراه اليوم, هو ثمار تدخل المندسين ليضعفوا البشارة المسيحية المنادية بالسلام والرجاء الصالح لجميع البشر. نحن نفدي بأنفسنا لحماية إخوتنا المسلمين, ومن يمسهم بأذى يمسّنا نحن. هناك من يظن أن رعاتنا يقبضون الأموال عندما يكرّمون المسلمين المسالمين, ولكن رعاتنا يقفون خلف هؤلاء المسلمين لحمايتهم من الإسلام التكفيري. يتهموننا من أميركا, التي غذّت الإرهاب العالمي والداعشي, بالإشتراك مع المسلمين في أعيادهم ولكننا نقول نحن نذهب إلى إخوتنا المسلمين لنقول لهم بأننا نريد تغيير الماضي الدموي وتشجيع الحوار البناء ومعرفتهم عن كثب. من هو وراء النظام العالمي والديانة الواحدة؟أليست الماسونية والصهيونية وأعداء الكنيسة؟ لماذا لا تجرؤ المنتقدة على التشهير بمذابح الصهاينة وحلفائهم في دير ياسين وصبرا وشاتيلا وسوريا واليمن والعراق وكل بقعة رافضة للهيمنة الأميركية والأنظمة التكفيرية الملحدة؟ لماذا تستهدف أساقفتنا الذين يعبّرون عن بناء جسور المحبة والحوار مع جيراننا الذين يريدون أن يسكنوا معنا بسلام؟ نحن في أنطاكية وأورشليم لنا نظرة للوحدة والتعايش مختلفة عن المفهوم الغربي. حتى الشعب اليزيدي المتهم بعبادة الشيطان لم يسلم من جرائم داعش. هل يعلم البشر بأن اليزيديين تبنوا فكراً آبائيا لم تقبله الكنيسة وهو غفران الله لملاك النور لوسيفوروس في آخر الأزمنة؟ اليزيديون يؤمنون بالله ويكرمون الحلاج لأنه فسّر آيات القرآن عن امتناع إبليس للسجود لآدم بأنه امتناع عن إشراك شيء بالله حتى ولو عوقب. نحن في أنطاكية معنيون بكل إنسان يسكن في ربوعنا. نظام عالمنا يختلف عن نظام العالم الجديد المتّبع في الغرب. هناك منتقدة انتقدت رقص المسلمين في الجامع دون أن تعلم أنهم ينتمون للطريقة الصوفية العاشقة لرب الكون. متى كان الإشتراك في مسيرة إسلامية فلسطينية لرفض الوقاحة الفرنسية بالتعدي على النبي محمد والمسلمين عامة خطيئة؟ ولماذا يهتم البعض إذا حمل مسيحي راية من رايات المسلمين التي تعبر عن حب المسلمين لنبيهم؟ أليس هو نبي المسلمين الذي زار أديارنا الأرثوذكسية في سيناء وغيرها وأقسم بحماية أديرتنا؟ نعم, نحن الأرثوذكسيين في سيناء قدّمنا مبنى للمسلمين داخل الدير ليصلوا به, وحوّلنا الجرّاسية القديمة إلى مئذنة لهم. هنيئا لنا بدير سيناء العامر. هنيئا لنا برئيس أساقفة سبسطيا للروم الأرثوذكس المطران عطاالله حنا لثباته في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني عامة والمسيحيين خاصة في الأراضي المقدسة. هنيئا لنا بسيادة متروبوليت حماة للروم الأرثوذكس المطران نقولا بعلبكي الأنطاكي لانفتاحه على إخوتنا المسلمين وتكريمهم في مولد النبي محمد كتعبير عن محبة سامية لا يعرفها سوى الذي فهم مثل السامري الصالح الذي تحنن على عدوه واهتم بتطبيبه. هنيئا لنا بمتروبوليت حماة لأنه استوعب الأخوة المسلمين كونه راعيا أنطاكيا محبا للتقرب من كل إنسان أوجده الله في ربوعنا. هنيئا لنا بالأب جورج بعلبكي لأنه أكّد لنا بقراءته للفاتحة بأن المغضوب عليهم من اليهود ما زالوا يفتنون بين الشعوب وأن الضالين من المسيحيين ما زالوا إلى يومنا هذا يجادلون ويكرهون ويخاصمون ويتقوقعون ويرفضون الإعتراف بحروبهم التاريخية التي عكست صورة بشعة للمسيح. نعم, المسيحيين الضالين اليوم لايريدون السلام ولهذا السبب يرفضون أية مبادرة مودة وتوبة تجاه الإسلام والمسلمين. هنيئا لنا بمتروبوليت عكار الأنطاكي المطران باسيليوس منصور على إتباعه لنهج الآباء القديسين بتنصير وتعميد كل حكمة عالماً أن كل موهبة هي آتية من العلاء. هنيئا لنا بمتروبوليت عكار لأنه فتّش على بذار الحكمة الإلهية الموجودة في سائر الأديان وعلى المسيح النائم في هذه الأديان والذي لفت انتباه الحلاج وغيره. أليس هذا موجود على جدران الكنائس الرومانية من الخارج حيث نشاهد أيقونات الفلاسفة الإغريقيين لأنهم عاينوا نور المسيح دون أن يروه؟ طوبى للذين آمنوا ولم يروا (يوحنا 29:20). هنيئا لكل المساعي المشتركة والجهود المبذولة لترجمة الكتاب المقدس بطريقة جديدة تفتح لنا آفاقاً للتفكير والمقاربة والمقارنة مع كل من يقول ’الله’. هناك الكثيرون من الذين يثيرون ضجة كبيرة حول عبارة ’نصارى’, ولكن النصارى في الجزيرة العربية كانوا كالإبيونيين, أي يهود مسيحيين هربوا من التأثيرات الرومانية واليونانية لكي يحافظوا على تقاليدهم العبرانية التوراتية. بعض العلماء يقولون بأن لاهوتهم كان مستقيما باستثناء بعض التفاسير التي للأسف لم تصلنا. ألا نقرأ عن الخلافات التي حصلت بين اليهود الهلينيين واليهود الفلسطينيين في أعمال الرسل الفصل السادس وانتخاب الشمامسة؟ نحن اليوم, بحاجة ماسة إلى أبحاث ودراسات بدل الجدل الإعلامي العلني الذي يضلل المؤمنين. إن مصدر كل حكمة هو الله ولا إله إلا الله. هذه عبارة مسيحية عربية قديمة وعلينا استعمالها دون خوف من المتطرفين الذين ينتظرون اصطيادنا في كل لحظة. هنيئا لكنائسنا الأرثوذكسية البيزنطية والشرقية لاستعمالهم البخور في الصلوات. فإنهم قد حققوا نبوءة النبي ملاخي التي تتنبأ عن كنائس المسيح الآتية. تقول النبوءة: “من مشرق الشمس إلى مغربها اسمي عظيم في الأمم, وفي كل مكان يحرق لآسمي البخور وتقرب تقدمة طاهرة, لأن اسمي عظيم في الأمم, أنا الرب القدير” (ملاخي 11:1). نعم, ليست الذبائح فقط في أورشليم أو في جريزيم إنما في كل مكان بالروح والحق (يوحنا 23:4). هنيئا لنا بكل إنسان شريف ومحب سعى إلى بناء جسور مع المسلمين لكي نتكاتف مع بعضنا ضد المؤامرات الخارجية التي تستهدف سوريا ولبنان وفلسطين والعراق والأردن وكل بلد تعاطف معنا في المحن التي ألمّت بنا. كم هو عدد المسلمين الذين تعمدوا وأصبحوا مسيحيين وكرهوا الإسلام بعد المعمودية؟ هل يكره المسيحي؟ إذاً, كل إنسان مسلم كره أخيه المسلم إيمانه باطل, وأساقفتنا الذين يكرّمون المسلمين بإبراز المحبة, هم بحاجة ماسة لإعادة تلمذة هؤلاء ليكونوا خميرة محبة لعائلاتهم وأبناء إيمانهم السابق. هنيئا للأب الياس زحلاوي لأنه شدّد على محبة والدة الإله للمسلمين والمسيحيين. أليست هي سيدة الأنوار التي تجلّت أمام أعين الجميع في مصر سنة 1968-1969, في كنيسة الزيتون, وشاهدها الملايين من الناس؟ ماذا فعلت العذراء آنذاك؟ شفت المسلمين والمسيحيين. هنيئا للأب زحلاوي على محبته وأمانته لحارس القدس المقاوم, المثلث الرحمات المطران إيلاريون كبوجي. وهنيئا لجميع أحبائنا في سوريا الحبيبة, وللمنتج الجبار باسل الخطيب ومعه الذين تعبوا في إنتاج المسلسل الرمضاني ’حارس القدس’, مسلمين ومسيحيين. هنيئا لجميع الذين يحاولون التعبير عن محبتهم للتقارب المسيحي الإسلامي حتى ولو كانت خطواتهم عفوية وغير مقصودة الإساءة لعقائد الديانتين. هذا يدعونا للعمل الدؤوب أكثر من قبل لنتعرّف على بعضنا أكثر فأكثر. هنيئا لنا بمتروبوليت صيدا وصور ومرجعيون للروم الأرثوذكس المطران الياس كفوري لأنه رأى تشابها بين ظواهر آلام المسيح وآلام الإمام الحسين دون التشويش في فرادة كل واقعةٍ. هنيئا لنا بالمطران الياس كفوري الأنطاكي الذي برهن لنا أن السماء تكفهرّ عندما يُظلَم إنسان بريء استُهدِف من أعداء الإسلام المقرَّب منا ومن مسيحنا. ألم تكفهرّ السماء عندما ظلم الفرعون الشعب العبراني في مصر؟ هبّ الله لنجدتهم ولكنهم خانوه مرارا وتكرارا حتى قال عنهم الله الآيات التالية: “أربعين سنة مقتّ ذلك الجيل, وقلت: هم شعب ضال ولم يعرفوا سبلي. فأقسمت في غضبي: لا يدخلون راحتي” (مزمور 10:95). هنيئا لنا بالمطران الياس كفوري لأنه شعر بحزن السيدة زينب والسيدة رقية وعائلة وأصحاب الإمام الحسين. لقد شعر مطراننا الحبيب بهذه الفاجعة التي تدعو كل إنسان مؤمن إلى البكاء مهما كان انتماؤه. هنيئا لأديارنا الأرثوذكسية في صيدنايا لأنها تعلّم الأرثوذكسية قبل الكتاب المقدس لكي يكون مفهوم الكتاب رأيا مستقيما مبنياً على تفاسير ألاباء القديسين. نعم, كنيستنا الأنطاكية الأرثوذكسية هي إبنة تلك البقاع, والذين يقطنون في ربوعها أصبحوا من أهل البيت, وإكرامهم واجب مقدّس أمام الله الذي أمرنا باستضافة الزوار الكرام وَمَنْعِ أي محروم بأن يبقى محروماً وأي يتيم بأن يبقى يتيماً. هنيئا لجميع المسلمين الذين لجأوا إلى كنائسنا القديمة واستنجدوا بجدرانها, كاتبين عليها أقوالاً تندد بمقتل الإمام الحسين معبّرين عن حزنهم. أيها الأحباء المسلمون, ليست الجدران الخارجية كافية, ولكن قلوبنا مفتوحة لننوح معكم ونُضَمِدَ جراحكم لكي يقبلنا الله بإظهار رحمته من خلالنا. لقد تعلّمنا من مسيحنا أن نطعم الجياع ونسقي العطاش ونكسو العريان ونزور المرضى ونأوي الغرباء (متى 35:25). هذه هي مسيحيتنا الحقيقية وليست الحملات الصليبية ولا أية حروب صدرت عنا بقصد أو بغير قصد. أنا متأكد بأنه عندما ذهب الكاثوليكوس الجورجي الأرثوذكسي إلى تدشين الحسينية في عاصمته, سجد أمام الجميع ليقول لله: “يا ألله ارحمنا نحن الخطأة عندما خاصمنا وقتلنا بإسم الدين, وعلّمنا أن نكون خدّاما حقيقيين لإخوتنا المسلمين الذين دعونا بمحبة لنفرح معهم بالصرح الجديد”. نعم, لقد قبّل البطريرك صورة الحسين ليقول له في قلبه: “لو كنتَ موجوداً لما كان الإسلام متصهيناً دموياً”. الكاثوليكوس الجورجي هو بطريرك كنيسة إبنة لأنطاكية المُقَطّعة. أنطاكية مقطّعة لإنها أحبت المسيح بالرغم من الحروب عليها, وفدت نفسها لأبنائها الذين سيتوحّدون قريبا. أنطاكية تؤمن أن الله لن يتركها وأبواب الجحيم لن تقوى عليها (18:16). ما هي وحدة الأيام الأخيرة؟ سنرى الكثيرين من المشارق والمغارب يتّكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت السماوات (متى 11:8). هذا يعني أنهم سيتّكئون مع أب الشعوب إبراهيم الآرامي الذي كان تائهاً (تثنية الإشتراع 5:26) ودعاه الله. هناك من يذهب لجميع الأديان ولكنه لا ينجح بالوحدة لأن أساسه مبتور عن الكنيسة الأم, وأما من يذهب لجميع الملل والأديان ليجمع بذار الحكمة الإلهية ويعيدها إلى الله الواحد, فهذا هو الذي يتصدى لكل التحديات المعاصرة والتحريض الديني الطائفي, ويُعَبِّر بحرّية وبمعرفة ناضجة عن رغبته بخلاص الجميع ومعرفتهم للحق (تيموثاوس الأولى 4:2). هذا سهل علينا لأننا نقطن في ديارنا ولأننا نعرف حاجات شعوبنا أكثر من الذين ابتعدوا ولم يعودوا قادرين على فهم الحقائق بوضوح. نبحث بهدوء, وغيرتنا منضبطة بالروح القدس الذي يحُثّنا على التواضع المستمر والطاعة المستمرة لرؤساء شعوبنا وكنائسنا. نحن لسنا بصدد شق الكنيسة وافتعال الفتن. قبل مجيء المسيح بالجسد, كثر المسحاء الدجالون وكانت الأرض مُبَلْبَلة بالحركات الدينية الغيورية, ولكن الملائكة ظهروا للرعاة (والأساقفة رعاة) والنجم قاد ملوك فارس (إيران اليوم) إلى بيت لحم. وسمع الجميع الملائكة ينشدون: “المجد لله في العلاء وعلى الأرض السلام”, ونحن في عصرنا نضيف: “ونحن منارات محبة بين المسلمين”.
إهداء
أهدي مقالتي لغبطة بطريرك أنطاكية وسائر المشرق يوحنا العاشر يازجي, طالبا من الله أن يحفظه إلى سنين عديدة. وأهدي أيضا هذه المقالة للسادة المطارنة في الكرسي الأنطاكي المقدس, وخصوصا المطارنة باسيليوس منصور, نقولا بعلبكي, الياس كفوري, والأب جورج بعلبكي داعيا لهم بطول العمر والصحة. أود أن أضيف إلى لائحة المطارنة, سيادة المطران ثيوذوسيوس عطالله حنا رئيس أساقفة سبسطيا للروم الأرثوذكس من كنيسة القدس المقدسة, داعيا له بطول العمر والصحة والعافية.
الراهب أنطونيوس حنانيا إبن الكنيسة الأنطاكية والمتنصّر بجرن معموديتها في كنيسة سيدة النياح رأس بيروت على يد المثلث الرحمات, قدس الاب حنا سكاب المقدسي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق