الأخبار اللبنانية

كلمة معن بشور في حفل الإفطار السنوي الذي أقامه مكتب المؤسسات الاجتماعية في التجمع

في هذا الافطار العائلي الحميم، وفي هذا الشهر المبارك، شهر رمضان الفضيل، شهر الهدى والمغفرة والرحمة،

نستذكر ابرز المعاني والقيم التي تنطوي عليها فريضة الصوم، وهي فريضة واجبة في كل الاديان السماوية، فنجدها تتجسد بشكل خاص بروح المشاركة، كما بامتحان الإرادة.
فالصوم فريضة تحث على التذكر والمشاركة، أن يتذكر الغنيُّ الفقيرَ، والمليءُ المحتاجَ، والمتخمُ الجائعَ، والميسورُ من كان على عسر، لتصبح المشاركة بينهما قرباً من الله سبحانه وتعالى، واقتراباً من القيم الإنسانية والأخلاقية التي لا تقوم بدونها المجتمعات والأوطان، بل لا تقوم الحضارات والرسالات.
والصوم الذي هو ركن من أركان الدين، امتحان للإرادة البشرية، المعزّزة بالايمان، والمحصّنة للذات، والمحفّزة لسيطرة النفس على اهوائها والشهوات، فالانسان هو  ارادة فإذا لم يكنها لم يكن، وكذلك المجتمعات والشعوب والاوطان والامم… التي نرى اليوم محاولات حثيثة لاحتلال ارادتها بعد احتلال ارضها وخيراتها وانتهاك حقوق اهلها والدوس على كرامتهم، فالارض المحتلة تتحرر ولو بعد حين،  والخيرات المسلوبة تسترد ولو بعد زمن،  والحقوق تستعاد ولو مرت عليها العقود، والكرامات تصان ولو طالت الايام، إذا توفرت الارادة … اما إذا هزمت الارادة وزلزلت اركانها وتزعزعت دعائمها فيسهل حينها كل احتلال اخر ويستمر كل ظلم او استعباد او استبداد.
واذا كان لبنان اليوم يعج بافطارات كريمة يتشارك فيها اللبنانيون من كل بيئاتهم ومشاربهم، ويعبرون من خلالها عن ارادة العيش المشترك فيما بينهم، فان لافطارنا العائلي اليوم معان خاصة تتصل بمكانه وزمانه والرجل الذي نلتقي حول تكريمه.
فتكريم سماحة المفتي الشيخ مالك الشعار اليوم ليس فقط تكريماً لشخصه المعروف باتزانه ورصانته وقدرته على التواصل مع الجميع ، ولا لموقعه المرجعي في هذه المدينة والمنطقة ، وهو موقع خرج منه قادة كبار وزعماء على مستوى الوطن والامة فحسب، ولا لعلمه الوافر الذي طالما اثرى به المجالس والمنتديات، بل ايضاً لدور تاريخي  قام به في الاسابيع الماضية حيث نجح مع قادة ومسوؤلون  في اخراج طرابلس  – ولو مؤقتاً – من جحيم الفتنة الى نعيم المصالحة، من ظلمة الاحتراب الاهلي الى نور التلاقي العائلي، من حمى القلق الى رحاب الطمأنينة، فنعم اهل هذا الثغر المرابط من ثغور الوطن والامة مع اطلالة هذا الشهر الفضيل بما يستحقونه من أمن وسلم اهلي، وهو امن وسلم نأمل بفضل وعي الناس وسهر القوى الامنية، وعلى رأسها جيشنا الباسل ، أن يصبحا دائمين وثابتين لأن طرابلس تستحقهما اولاً  ولأنه حين تهتز هذه المدينة يهتز معها الشمال كله والوطن، وحين تعتز يعتز بها الوطن كله والامة..
اما المكان الذي نجتمع فيه اليوم ، فهو طرابلس الفيحاء، قلعة العروبة والايمان، طرابلس، الثغر المرابط دفاعاً عن الهوية والرسالة والحضارة منذ قرون، طرابلس، المدينة التي نجحت في أن تنسج مع محيطها الشمالي الاوسع الممتد من عكار والمنية شمالاً الى الكورة والبترون جنوباً الى زغرتا والزاوية وبشري والضنية  جبلاً، واحة تواصلت فيها بيئات، وتكاملت معها رؤى، وتراكمت عبرها تجارب وخبرات، فبات الشمال، طيلة سنوات الحرب اللعينة، حصناً للوحدة في وجه التقسيم والتقسيميين، ومنارة للانفتاح في وجه الانغلاق والمنغلقين، ومعقلاً للسلم الاهلي في وجه الاحتراب والمتحاربين.
ولعل هذه المزايا التي تمتع بها الشمال عموماً، وعاصمته خصوصاً، هي التي تسببت في الكثير من القهر والمحن والعذابات الذي عاشته طرابلس ومعها كل الشمال، بل كل الوطن… وهي عذابات لم تفرق بين مواطن ومواطن، بين حي وحي، بين طائفة وطائفة، بين مذهب ومذهب، بين منطقة ومنطقة.
واسمحوا لي أن أخالف البعض قولهم أن طرابلس خصوصاً، والشمال عموماً، يعانيان من مجرد حرمان او اهمال او اقصاء عن دورة الانتاج  وابعاد عن عجلة الادارة ، لا بل أن ما تعانيه طرابلس ومعها كل الشمال هو نتاج  خطة مدروسة مقصودة هدفها معاقبة مدينة اخلصت لقيم روحية ، ومبادئ قومية، وثوابت وطنية ، وغايتها الاطباق على منطقة بقيت عصية على مخططات ومشاريع ارادت تفتيت هذا البلد وتهميش هذه الامة.
وحتى حين كان يتاح لأحد زعماء هذه المدينة او  المنطقة أن يصل في الدولة الى موقع  مؤثر، كان هذا الزعيم او الرئيس يُحاصر بشتى العراقيل والذرائع للحيلولة دون خدمته لمدينته او منطقته، بل وصل الامر الى حد الاغتيال حين فشلت كل محاولات التطويق او الاستيعاب الاخرى، وكلنا يذكر جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رشيد كرامي عام 1987، وجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رينيه معوض عام 1989، وقبلهما في عام 1978 جريمة اغتيال الوزير الشهيد طوني سليمان فرنجية وعائلته ورفاقه، في اليوم ذاته التي كان فيها العدو الاسرائيلي يعلن قيام دويلته الانفصالية في الشريط الحدودي وهي الدويلة التي  سقطت على يد المقاومة يوم التحرير المجيد في ايار 2000.
ونحن اذ نتذكر هذه المجازر والجرائم لا لننكأ جراحاً ترفّع عن نكئها ذوو الشهداء انفسهم، بل لنأخذ منها العبرة والدروس لكي  لا تتكرر، وخصوصاً أن في بعض الكلام هذه الايام، رغم اجواء المصالحات المتنقلة، ما يشي الى استمرار الذهنية التي كلفت بلدنا الكثير في السابق.
إلا  أن اشد انواع العقاب قسوة وإيلاماً يبقى في  أن ينجح المتربصون بنا في دفعنا الى معاقبة انفسنا بأنفسنا، والى  أن نخرّب مدينتنا ووطننا بايدينا ، والى أن نغرق  في عصبيات جاهلية قاتلة قال عنها يوماً كبير من هذه المنطقة، وعالم من هذه الامة، ابن القلمون ، الامام الشيخ رشيد رضا: القليل من العصبية يعّمر والكثير منها يدمّر.
ايها الاخوات والاخوة
منذ الزلزال الذي عشناه جميعاً إثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والخواطر  المقلقة تفتك بجسم الوطن كله، بل بجسم كل مكوّن من مكوناته، فلكل جماعة مخاوفها، ولكل جهة هواجسها، ولكل فريق مواجعه وجراحه حتى سيطر علينا جميعاً احساس خانق وهو أن مصير وطننا كله ، بل مصير كل واحد منّا، في مهب الريح، وان الخطر الذي يحاصرنا، هو كعدونا تماما،ً خطر وجودي بكل معانيه، تماماً كما عدونا الصهيوني هو عدو وجودي لا حدودي كما تقول التسويات السياسية على انواعها.
واذا كان المجال لا يتسع اليوم لتحليل الظروف والاسباب وتحديد المسؤوليات والتبعات، فان ما يمكن قوله باختصار هو أن لبنان – رغم كل شيء – مقبل على انفراجات ولو محدودة، في الامن والسياسة والاقتصاد، انفراجات لا تخلو من مطبات او انتكاسات  ينبغي أن تتضافر كل الجهود محلياً وعربياً لتجنيب لبنان مرارة كؤوسها، بل ينبغي مواجهتها بالحوار الجامع الشامل الذي لا يستثني الاّ من يستثني نفسه، وبالمشاركة المتوازنة التي لا تقوم دولة قوية عادلة  بدونها.
ويمكن القول ايضاً، وباختصار كذلك، أن المنطقة والعالم من حولنا يشهدان تراجعاً ملموساً في مشاريع اعدائنا دون أن يصل هذا التراجع الى مستوى الهزيمة، كما يشهدان تقدماً ملموساً في وضع قوى المقاومة  والاستقلال والاعتراض والممانعة دون أن يصل هذا التقدم الى مستوى النصر الحاسم، اننا في مرحلة انتقالية تتحدد وجهتها في ضوء ما نقوم به، ونسعى اليه، ونعمل من اجله.
وطريق الامان في مرحلة الانتقال هذه يبدأ بأن نستعيد الاولويات التي طالما اجتمعنا حولها، وان نسترجع الرؤى التي طالما توحدنا في ظلالها، وان نتمسك بالاهداف والثوابت التي نشأنا جميعاً على الايمان بها، وأولها دون شك تحديد عدونا الرئيسي الذي ينبغي أن نخضع كل تناقضاتنا الاخرى من اجل مقاومته، وثانيهما تحديد مصدر قوتنا الرئيسي وهو وحدة وطننا وامتنا التي بدونها لن يكون وطن ولن تقوم امة، بل لن يصان امن، ولن تنجح تنمية، وثالثها تحديد آليات عملنا ونهوضنا القائمة على تواصل بين مكونات الوطن والامة، وتكامل بين اقطار الامة واجيالها والافكار، وتراكم في الخبرات والتجارب.
طريق الامان في مرحلة الانتقال هذه أن ندرك أن امتنا وهي تحرر نفسها انما تحرر العالم ايضاً، وعندما تدافع عن حقوقها انما تدافع عن حقوق الانسانية جمعاء، وعندما تقهر اعداءها فانما تقهر اعداء البشرية كلها، فنستعيد الثقة بأنفسنا، ونسترجع دوراً تاريخياً لنا كأمة حملت الى العالم رسالة،  بل رسالات ، ونشرت فيه حضارة بل حضارات، وبالمقابل نحاصر مكامن الخلل والضعف في داخلنا، لان ما من احد قادر على هزيمتنا إلا إذا قررنا أن نهزم  أنفسنا  بأنفسنا.
أليس هذا درس العراق، رغم محنته وأوجاعه، وقد بلغت التداعيات  العسكرية والإستراتيجية والاقتصادية والأخلاقية التي أطلقتها مقاومته الباسلة داخل الولايات المتحدة الامريكية نفسها  أوسع مدى، أليس هذا درس فلسطين وقد بات العدو، رغم كل جبروته، ورغم كل الانقسامات الداخلية الدموية المؤلمة، ورغم الحصار الدولي والعربي، عاجزاً أمام صمود شعبها ومقاومته التي حولت الاجساد الطاهرة والجرافات والسيارات الى اسلحة فاعلة ، أليس هذا هو درس لبنان الذي قال العدو مرة أن احتلاله لن يكون أكثر من نزهة، فإذا بجيشه يتمرغ في وحول الهزيمة في أحياء بيروت وربوع الجبل والبقاع، ليندحر مراراً فوق تلال الجنوب وروابيه خصوصاً يوم التحرير كما في مواجهة العدوان قبل عامين، بل أليس هذا درس الصومال الذي يهزم الاحتلال الأمريكي بالواجهة الأثيوبية، ودرس  أفغانستان، ومعها باكستان، اللتين ترتعد فرائص الأطلسيين على أرضهما ، ويرتبك أمامهما طغيان إدارة بوش ومحافظيها الجدد تماماً كما ارتبك هذا الطغيان قبل أسابيع في جورجيا أمام عالم جديد بدأ يولد من مخاض آلام امتنا العربية والإسلامية بالدرجة الأولى، مؤكداً قوله في كتابه العزيز “يمدهم في طغيانهم يعمهون”
وكل عام وارواح شهدائنا مطمئنة الى أن هناك من يتابع المسيرة.
وكل عام وعشرات الالاف من اسرانا في سجون الاحتلال الصهيوني والامريكي مشاعل لنا حتى تعود لهم.
وكل عام وامتنا تواصل مقاومتها لقوى الشر مهما اختلفت اسماؤها وتعددت عناوينها.
وكل عام ولبنان العربي الديمقراطي الموحد يستعيد عافيته، ويصارح واشقاءه فينتصر بوحدته الوطنية وبعروبته الحضارية الديمقراطية.
وكل عام   وانتم وطرابلس والشمال بخير..

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى