إجتماعيات

وليـد ولــي ناشط وداعية صيدلي و(طبيب)!! للدكتور محمد علي ضناوي

صغيرٌ لم يتجاوز العاشرةَ من عمره، نشأ على طاعةِ الله في أسْرَةٍ متدينة، وهو التاسعُ بين إخوته، وثالثُ أخويه: المهندس «عصام» الذي شغل منصبَ رئاسةِ الدائرة الصحية في بلدية طرابلس إلى أنْ تقاعدَ، و«سمير» رحمه الله الذي تخصص في الكيمياء وبرع فيها، كانا، رحمهما الله، قد انخرطا باكراً في العمل الدعوي في طرابلس مع بداية تأسيس جماعة (عباد الرحمن)، بقيادة مؤسسها الأول في بيروت ‍‏محمد عمر الداعوق، رحمه الله، بديلاً عن اسم (الإخوان المسلمين) وهم الذين قاتلوا بشراسة في حرب فلسطين، دفاعاً عن الأرض والشعب والأمة، كما خاضوا الحرب الفدائية ضد الإنكليز المسيطرين على قناة السويس والإسماعلية في مصر زمن حكم الملك فاروق.
بدأ (وليد) باكراً مسيرته بفهم منهج الإسلام عقيدةً ومبدأً في الحياة، يجابه به من يعارضُه من رفاقه في كلية التربية والتعليم الاسلامية في طرابلس، حاملاً دعوته التي أحب وبها التزم، ثم قصد مصر، طالباً في كلية الصيدلة في جامعة القاهرة، فسكن مع فريق من أهل طرابلس إخوانه، وفيهم شقيقه «سمير» (رحمه الله) والدكتور «عبد المجيد قطمة» الطبيب المقيم اليوم في لندن أحسن الله إليه، وآخرون أحبهم وأحبوه فكانوا معاً في وحدة الهدف والوسيلة، إلى أنْ أكمل علوم الصيدلة متخرجاً متفوقاً.

  • *
    عاد “الصيدلي وليد” إلى مدينته التي أحب طرابلس الشام/فيحاء لبنان والعرب، وهي المدينة التي شكلتْ لديه حجرَ الزاوية في حياته، فهو فيها ليس صاحبَ صيدلية فقط، وإنما هو أيضاً داعية “طبيبٌ” يعطي المرضى المحتاجين، مع نصح رشيد وبيان واضح باللجوء إلى الله سبحانه والتماس الشفاء منه وحده، فالدواء وسيلة لِيُذْهِب الدواء الداء بإذن الله، فاشتهر بذلك، ومات على سنته الأثيرة تلك.
    كان في بعض الأحيان، عندما يأتيه فقير، يعرفُه بمسكنته وفقره، محتاجاً إلى دواء أعطاه إياه مع الدعاء له بالشفاء. وإذ يسأله المريض عن ثمنه يقول له: (لا.. ليس عليك شيء، فقد سدَّد اللهُ عنك. شفاك الله وأعانك). وإنْ علمَ حقيقةَ واقعِ أسرة المريض لا يكتفي بإعطائه الدواء دون ثمن، وإنما أيضاً يعطي زبونه “المريض” بعض المال ليقوم الغذاءُ أيضاً بدوره الأكيد مع الدواء، إنما كان يطلب منه الدعاء!!.
  • *
    لم يكن (وليد) صيدلياً فحسب إنما كان أيضاً، قائداً في العمل الدعوي، خاصةً في بابه الصحي. فقد كان في عامي 1974 – 1975 في التجمع الاسلامي في الشمال رئيسا للجنة الصحية ومع بداية تشكل (الإنقاذ الإسلامية) في 1981 كان عضواً فاعلاً عمل مع إخوانه على اطلاق العون الصحي لآلاف المرضى المحتاجين، وتقديم الطبابة والدواء لهم، محققاً حلمه في خدمة الناس، مع نخبة من الأطباء والمهتمين راحوا يخططون وينفذون مساعدات لافتة للمرضى المحتاجين خلال الظروف القاهرة في الحروب العديدة التي مرت على طرابلس والشمال ومحطاتها العسكرية والأمنية والسياسية المختلفة.
    أوصل هذا العملُ الصحي التطوعي اللافت (وليدنا) إلى فكرة بناءة أدت إلى إيجاد (الجمعية الطبية الإسلامية) جمعيةً متخصصة بالعون الصحي، ليس في أيام المحن والظروف الصعبة فحسب، وإنما في كل الأوقات. فشجَّعتُه على تحقيق هذا المشروع اللافت، وقمتُ شخصياً بتأمين رخصة (الجمعية الطبية الإسلامية)، فكانت، والحمد لله، مؤسسةً نوعيةً فاعلةً تجاوزت فتح المستوصفات “الشعبية” إلى أبعاد لافتة. فقد قررتْ إيجادَ مستشفى كبيراً في شرق منطقة أبي سمراء فكانت (دار الشفاء) من أهم مستشفيات طرابلس ولا تزال، وقد جاءت بعد انطلاق مستشفى الحنان واستمرارها ناجحةٌ، ولله الحمد.
  • *
    لعل من أهم أعمال (وليد) رحمه الله، طَرحُه على لجنة الأيتام في بيت الزكاة والخيرات فكرة تحويل كفالة اليتيم “الصحية” لتشمل كل عائلته في آن معاً، ضمن خمس دولارات شهرياً، تُقْتَطَع من كفالته العامة التي لم تكن تتجاوز /30/ دولارا اميركياً شهرياً وقد تصل الى 25 أو 20، أي إن الكفالة الصحية كانت عام 1986 (ما قيمته سبع ليرات لبنانية ونصف فقط) فكان الرأي السديد تخصيص جزء من كفالة اليتيم الشهرية لمساعدة الأسرة في أيام المرض ومنهم اليتيم، فقامت اللجنة بدراسة المشروع ووضع آلياته وهكذا غدت كفالة اليتيم تشمل اليتيم وعائلته صحياً.
    كان هذا الطرح جدياً وجديداً، لكنه أخذ حيزاً كبيراً في النقاش فكان الجميع بمن فيهم مندوبو الهئيات الخيرية الكافلة مختلفين مع (وليد) فالـ (5$) قد لا تكفي اليتيم صحياً فكيف بأسرته كاملةً أيضا؟ إلا إن (وليد) تمكن من البيان وفصَّل بالأرقام والإحصاء أنّ ذلك ممكن باعتبار أنّ بند التكفل الصحي هو جماعيّ وليس فردياً، فيقضي أن يكفل الفردُ الجميعَ والجميعُ الفردَ وبذلك تتحقق (الخيرية الصحية)،فتم إقرار الخطة التكافلية الصحية بعد إدخال بعض الأطر والتطوير إلى الأحسن والأفضل, ولله الحمد، فتحقق نجاحُ الكفالة الصحية وغدتْ مطبقةً ليس في بيت الزكاة لبنان وحسب، وإنما في أكثر بيوت الزكاة ومؤسسات الخير في العالم.وهكذا أصبح لمن وضع قواعدَها وعمِلَ بها أجرها إلى يوم القيامة بإذن الله تعالى.
  • *
    لم يترددْ، رحمه الله، في خدمة بلده إذ اشتد حصارُها أيام حرب السنتين 1975 ـــ 1976 وما بعدها من حروب الغير على أراضيها. فقد شهدت طرابلس صراعاً حربياً بين الفضائل الفلسطينية وأيضاً مع القوات السورية. فكانت أحياءُ طرابلس هدفاً لتساقط عشرات الآلاف من القنابل والصواريخ .. لم يتردد فقيدنا (وليد) وقد تزايدت الحاجة إلى توليد فكرة سامية تتلخصُ بوجوب استيراد الأدوية والأدوات الطبية والصحية من الخارج من تركيا حصراً، فطرح “المشروع” على التجمع الوطني، فكان اعتمادَه . ثم تتالى الدعم الصحي والطبي عبر العديد من المؤسسات وجمعيات طرابلس اللافتة. وهكذا كان مشروع (وليد) متنفساً لأهل طرابلس سدَّتْ به حاجَتها من الدواء والمستلزمات الطبية المختلفة. فالأدويةُ في تركيا تُصَنَّع بإشراف رسمي طبي دقيق، فضلاً عن كونها رخيصة الثمن. وهكذا كان جلبُ الدواء من استنبول والعديد من المدن التركية أمراً طيباً، به تمتْ تلبيةُ حاجات مرضى طرابلس والشمال، محققاً به (وليدنا) مصلحة الناس بأقل الخسائر وأرفع النتائج. وبقي دوماً على الطريق التي وصفها بقول الله تعالى  وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون  مطلقاً شعاراً جامعاً بعبارته (الدواء خدمة لا سلعة) رفعه لافتة يقرؤها كلُّ داخل إلى الصيدلية. وهكذا كانت أعماله حتى التجارية، خدمة لبلده ودعوته وأرومة عائلته وتطبيقاً حياً لمبدئه في الحياة.. ولله الحمد والفضل.
  • *
    قُلنا انَّ (وليد) تجاوز طموحه في العمل الصحي والاجتماعي فاتجه مع لفيف من اخوانه برئاسة الداعية الشيخ فيصل مولوي رحمه الله والحاج عبد الله درويش والحاج حسن ضناوي وعدد كبير من الإخوة الأفذاذ في جمعية التربية الاسلامية فتبنوا مشروع مدارس الإيمان النموذجية وعملوا بصدق ونشاط فكانت مدرسة الإيمان بفروعها المتعددة خارج طرابلس أيضاً في منطقتي عكار والضنية ثم في بيروت وكان الـ (وليد) في مجلس ادارة الجمعية المشرفة على مدارس الإيمان، وكان فيها ــ كعادته ــ فارساً في اجتماعاتها مهتماً بتحقيق نجاحات جديدة بفتح فروع لها وفي تخريج أجيال وأجيال يشكلون دعامة للعمل الإسلامي بأنواعه الدعوي والتربوي والاجتماعي والصحي والخيري . نعم.. ولكن!!!
  • *
    شاء الله سبحانه، أنْ يصابَ الـ (وليد) بجائحة الكورونا (covid 19) وهو ميكروب لا يرى بالعين المجردة، منتشراً في أصقاع العالم بأسره، وقد نصحَ فقيدُنا الناسَ بأخذ الحيطة منه. لكنَّ الحذرَ لا يمنعُ القدر، فلقاء ربه قد اقترب، فوافته المنية، بعد أن أمضى 40 يوماً يصارع المرض، عشاءَ يوم 30/6/1442 = 12/2/2021 وهو تاريخ لي فيه شخصياً ذكريات مؤلمة، منها اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا 1949 ووفاة والدتي التي قضت شهيدةً بصدم سيارة مجنونة لها وهي تسير على الرصيف عام 1958 رحمهم الله جميعاً.
  • *
    بكلمات، وليد خير الدين الولي شخصيةٌ متميزة فقدناها، وفقدتْها طرابلس ومؤسساتها التربوية والخيرية والصحية المختلفة، إلا إنّ الخير الأكبر الذي تركه سِجِلٌّ ناصعٌ وأولادٌ بررة لهُ، رحمه الله، ولعائلتهم آل الولي ولأهل المدينة الشرفاء.
  • *
    سلام عليك في أخراك، ندعو لك مخلصين: أنْ ينير الله قبرك ويرفع درجاتك ويجمعنا بك في جنات النعيم. ولا نزكي على الله أحدا والحمد لله رب العالمين. وإنا لله وإنا اليه راجعون.
    6 رجب الخير 1442 = 18/2/2021
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق