قصص وعبر

: ” قطط الباشا والفئران” بقلم : د. إيمان محمد العابد

لطالما كانت اهتماماتنا ـ نحن الأثاريون ـ تنصب حول دراسة المظاهر والمعالم الحضارية التي هي من صنع الإنسان من أثار ومباني وغير ذلك من إرث حضاري ؛ غاضين الطرف عن دراسة ذلك الإنسان الذي كان سببا ً في وجود تلك الحضارة ؛ فلولاه ما كان لتلك الآثار والمباني الشاهقات من وجود ؛ فدائما ً وأبدا ً ما نهتم بالحجر والأثر ؛ دون النظر إلى من طوع الحجر وأنشأ الأثر ، صانع الحضارات ؛ سواء أكان فنانا ً يَكُد ويعمل .. فيبدع ؛ أو حتى راعي فن يعشق الجمال ويهواه ولا يمتلك القدرة على التعبير الإبداعي ،، فيوظف من لديه ملكة فنية يستطيع أن ينشئ ويبدع له ما يجول بخاطره من روائع الأفكار الجمالية ؛ ومع ذلك كثيرا ً ما يُعد ذاك الإنسان في مجالنا بمثابة جندي مجهول .
من هنا جاء اهتمامي بالبحث حول ذاك الإنسان من خلال عدة مقالات خصصتها للوقوف على بعض هؤلاء الجند لتسليط الضوء على جهودهم وأفضالهم التي أثروا بها المضمار الحضاري على مر العصور والأزمان ، وفي هذا المقال سنقوم بإلقاء الضوء على واحدة من الشخصيات الرائدة في تاريخ مصر الحديث ؛ وهو ” حبيب باشا السكاكيني ” ؛ الذي أحب مصر وساهم في نهضتها ـ رغم كونه غير مصري ـ ؛ وما السر وراء اقتران اسمه بالقطط والفئران !!
فمن هو ” حبيب باشا السكاكيني ” ؟؟
هو السيد ” حبيب جبرائيل أنطوان إلياس حنا ” ـ مسيحي الديانة ، كاثوليكي المذهب ، ينتمي إلى أسرة شامية من أصول لبنانية سورية ، ذات جذور عريقة تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي ، وكانت هذه الأسرة قد اشتهرت منذ القدم بصناعة السيوف والسكاكين ؛ لذا عرفت باسم عائلة “سكاكيني” .

ولد “حبيب سكاكيني” ، وتم تعميده يوم الخامس عشر من شهر نوفمبر عام1842م ؛ وعندما بلغ السادسة عشر من عمره في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي جاءت أسرته إلى مصر ؛حيث قرر والده السيد “جبرائيل” أن يصطحب معه زوجته السيدة “أغابي بيطار الشامي” لاجئين إلى مصر هربا ً من قسوة الحياة في دمشق آنذاك ، واستقرت الأسرة في شارع الفجالة ـ كامل صدقي حاليا ً ـ.
أصبح ” حبيب باشا ” من المقاولين الأثرياء في ذلك الزمان ، واشتهر بلقب (السكاكيني) ؛ حيث يقال أنه بنا ثروته قبل العمل في المقاولات من تجارة السكاكين والأسلحة.
” قطط الباشا والفئران”
ذاعت شهرته وهو في العشرين من عمره ، حينما بدء “فرديناند ديليسبس” في حفر قناة السويس ، وكان ضمن فريق العمل المشارك في حفر القناة ، إلا أنه سرعان ما توقف العمل بها نظرا ً لمهاجمة جحافل هائلة من الفئران للعمال في مواقع الحفر ، وقد اهتدى السكاكيني إلى أن يحضر عدد كبير من القطط في أقفاص على ظهر الإبل ، وقام بإطلاقها في مكان الحفر ، فتم القضاء على الفئران والتخلص منها ، وكان لهذه الحادثة الطريفة وقع الأثر في انطلاق شهرته ؛ إذ فتحت أمامه أبواب الحياة على مصراعها ، فعندما سمع الخديوي إسماعيل بهذه الحادثة قرب إليه حبيب سكاكيني ، وكلفه ببعض الأعمال والمهام المعمارية الكبرى آنذاك ؛ فشارك في بناء الأوبرا المصرية عام 1869م بالقرب من حديقة الأزبكية بالقاهرة ، وغيرها من المنشآت .
ومن أهم أعماله أيضا ً بناء مقبرة للروم الكاثوليك في مصر القديمة ، والتي دفن بها هو وجميع أفراد أسرته من بعده ، والمقبرة تتضمن تمثالا ً نصفيا ً له كان قد جيء به من فرنسا . فقد كان حبيب سكاكيني من رعايا فرنسا في مصر.

مُنح حبيب عدة ألقاب منها لقب “بك” الذي منحه إياه السلطان “عبد الحميد الثاني” عام 1880م ، كما منحه كذلك لقب “باشا” ، بالإضافة إلى لقب “كونت” الذي منحه إياه البابا “ليو الثالث عشر” عام 1885م ؛ لشرائه قصر المهندس “لينان دي باليفو” ـ أحد مهندسي محمد علي ، وقيامه بإهدائه لجمعية الروم الكاثوليك ـ شارع الفجالة.
ونظرا ً لعلاقته الجيدة بالخديوي إسماعيل ؛ أن قام الخديوي بتخصيص قطعة أرض مميزة له ؛ بنى عليها قصره الموجود حاليا في حي السكاكيني ؛ كما أن الحي كاملا ً سماه السكاكيني على اسمه ؛ففي عام 1880م امتلك حبيب سكاكيني أرض هذه البركة البالغ مساحتها ما يزيد على 16 فدانا ً وكانت أرضها فاسدة ومرتعا ً للحشرات الضارة ؛ فقام بردمها وشيد عليها القصر عام 1897م وقتها كلف معماريين ايطاليين ببناء القصر على غرار أحد القصور التي شاهدها خلال زيارته لايطاليا والقصر يعتبر نموذج لعمارة الركوكو ،. كما يتضح من اللوحة التأسيسية التي تعلو المدخل الغربي أن حبيب باشا سكاكيني أنشأ هذا القصر عام 1897م . والذي ظل مقيما ً فيه حتى وفاته.
في عام 1923 م توفى حبيب باشا السكاكيني ، وقسمت ثروته بين الورثة الذين قاموا بإعطاء القصر للحكومة ؛ حيث قام أحد أحفاد السكاكيني وكان طبيبا بالتبرع بحصته لوزارة الصحة والتي لم تكن الجهة المؤهلة لوراثة مثل هذا القصر ؛ واليوم يتبع القصر المجلس الأعلى للأثار ؛ حيث يعد مقرا ً لمنطقة تفتيش أثار وسط القاهرة .

دكتوراه في الآثار والفنون الإسلامية والقبطية ــ بوزارة السياحة والآثار المصرية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق