الأخبار اللبنانية

كلمة العماد ميشال عون في ذكرى 13 تشرين الأول

كلمة العماد ميشال عون في ذكرى 13 تشرين الأول
قصر المؤتمرات- الضبية

نلتقي اليوم في الذكرى الثامنة عشرة للثالث عشر من تشرين، وقد زالت النتائج العسكرية والقانونية التي

ترتَّبَت على أحداث ذلك النهار المشؤوم من تاريخنا. لكنّ المؤسف والمؤلم معاً أننا لم نبرأ بعد من المفاعيل النفسية التي أصابتنا في الصميم. كما وتفاقمت المفاعيل الاقتصادية، فأقعدتنا معنوياً ومادياً، بحيث احترفنا التسول، نتعاطاه كأنّه من عاداتنا وتقاليدنا، ونتناقل ببغائياً شائعات تسمم أفكارنا، مهملين الإصغاء إلى الحقيقة التي تعزز الثقة في ما بيننا، وتقوي منعتنا في مواجهة التضليل الذي أصبح عِلماً وسلاحاً يهدم حصون أقوى المؤسسات.
منذ ثمانية عشر عاماً ولبنان يعيش مساراً انحدارياً في مختلف قطاعات الحياة العامة. ومن الصعب أن نسجّل نقاطاً ايجابية للحكومات المتعاقبة. وما يبدو لنا أحياناً أنّه إنجازات، لا يتعدّى كونه بضعة مشاريع باهظة الكلفة، شكّلت مصدر إثراء غير مشروع لأصحابها؛ فما زلنا نعيش مفتقرين إلى الماء والكهرباء والدواء، والى النقاوة في الهواء الذي تلوثه مكبّات النفايات. وكذلك إلى الأمن والطمأنينة على مختلف الأراضي اللبنانية. ومع هذه القلّة المتزايدة في تأمين حاجاتنا الحياتية، تكثر ديوننا ويزداد جوعنا ويتبخّر أمننا مع حملات الوافدين إلينا من كل حدبٍ وصوب، وكأننا دخلنا في عصر غزوات جديد.
في أواخر نيسان من العام 2005 ظن اللبنانيون بأن السيادة قد عادت إلى لبنان في ظل الانتفاضة الشعبية التي تلت اغتيال الرئيس الحريري، وأن عهد الوصاية قد انتهى بانسحاب القوات السورية من لبنان. غير أن الواقع بدا مختلفاً، فاتفاق الطائف كان قد وضع لبنان في ظل كوندومنيوم سوري ـ سعودي تحت رعاية أمريكية. وما حدث في العام 2005 لم يكن سوى انسحاب البعد الأمني من المعادلة وبقاء التبعية السياسية للمملكة العربية السعودية والإدارة الأمريكية؛ فكان الخلل الكبير الذي قوض استقرار لبنان مجدداً. 
وكان التفاهم الرباعي الذي تفجّر مطلع العام 2006 بسبب نقض الوعود التي أعطيت لحزب الله خلال الانتخابات، والتي تقضي بالمحافظة على سلاحه ودعمه في عدم تنفيذ القرار 1559.
وبالرغم من تأكيد الحكومة في بيانها الوزاري على ” الحق الوطني للشعب اللبناني في تحرير أرضه والدفاع عن كرامته في مواجهة الاعتداءات والتهديدات والأطماع الإسرائيلية والعمل على استكمال تحرير الأرض اللبنانية…” ، حاولت قوى 14 شباط استمالتنا لتشكيل جبهة ضد حزب الله لعزله ومن ثم مواجهته. لكنّنا، وتقديراً منا لخطورة هذا الموقف، وما يمكن أن يترتب عليه من حالة صدامية مشابهة لما حدث مع حزب الكتائب في العام 1975، رفضنا الانضمام لهذه الجبهة واقترحنا تصور حلٍ يحفظ حقوق لبنان والمقاومة، ويشكل مخرجاً مشرّفاً لجميع الأفرقاء. وفي ضوء قبول هذا الحل أو رفضه من قبل حزب الله يُتّخذ الموقف المناسب. 
وقد تكشّف لنا بعد هذا العرض بأن ما كان مرسوماً لدى قوى الغالبية يختلف تماماً عمّا قدّمناه، لا بل يتناقض معه، فافترقنا.
ولما كانت جميع الأطراف المعنية، المحلية والدولية، تفتقر إلى إطار لتطبيق القرار 1559، ما سيؤدي إلى وضع لبنان في مواجهة مع المجتمع الدولي- وقد عبّرنا عن ذلك مراراً وتكراراً منذ صدور هذا القرار؛ وإدراكاًً منا لخطورة الموقف، وبالرغم من الإنذارات المتكررة التي وُجِّهت إلينا من أهم المراجع الخارجية، والتي تحذّرنا من التلاقي مع حزب الله، قرّرنا السير بمشروع التفاهم… التفاهم  الذي أعلنّاه  في 6 شباط من العام 2006 ، والذي رفضه فريق البريستول مع القوى الخارجية التي دعمت، في ما بعد، حرب تموز.
وبالرغم من المواقف المعادية لهذا التفاهم من بعض الداخل ومن الواقع الدولي، فإنّه أعاد الثقة بين شرائح كبرى من اللبنانيين، فزادت طمأنينتهم، وسقطت الحواجز النفسية الموروثة والمتراكمة منذ عقود مليئة بالأحداث الدامية، وترسخ التسامح بين مكونات المجتمع اللبناني.
وأعاد التفاهم أيضاً التوازن السياسي والشعبي الذي كان العامل الأول في احتواء التفجيرات الأمنية ومنع تحويلها إلى حروب أهلية، وقد شكّلت فقراته العشر منطلقاً للحوار اللبناني – اللبناني، الذي أدى إلى إنجاز قانون الانتخاب، وإقرار تصورٍ للتعامل مع السلاح الفلسطيني، وللعلاقات مع سوريا بما فيها معالجة قضية المفقودين والموقوفين، وصولاً إلى اعتماد مبدأ الإستراتيجية الدفاعية عن لبنان.    
وفي ما يتعلق بحرب تموز، فقد كان لهذا التفاهم الدور الأبرز في إعداد وتحضير الرأي العام اللبناني بصورة عامة، والمسيحي بصورة خاصة، لقبول ودعم المواقف الوطنية، متخطياً السياسات التقليدية القائمة على التناقضات الموروثة منذ قرون، ونقل الصراع في لبنان من صراع طائفي إلى صراع سياسي، وتأسيس فكرة الدولة القائمة على الخِيارات الوطنية والسياسية، لا على الانتماء المذهبي. وقد خطونا الخطوة الأولى باتجاه الدولة المدنية التي تقوم على مفهوم المواطنة.   
كم كان يؤخذ علينا نضالنا ضد الوجود السوري في لبنان، وكم كنّا نُتَّهم بالعدائية لسوريا بالرغم من تأكيدنا مراراً وتكراراً، وفي أحلك الظروف، أننا نريد أن نبني معها أفضل العلاقات، ولكن بعد خروجها من لبنان، وضمن إطار احترام سيادة البلدين. وها نحن اليوم في وضعٍٍ بات يؤخذُ علينا شرفُ المحافظة على الالتزام بالكلمةِ- الموقف، واحترام الصدقية في التعاطي مع القضايا المصيرية التي تحتم علينا علاقات طيبة مع الدول الشقيقة والصديقة. حتى أننا أصبحنا نُتَّهم بالتبعية لسوريا، وكأن احترام علاقات حسن الجوار والشرائع الدولية أصبح مذلّةً في لبنان، وأصبحت قواعد التعاطي مع الآخرين تلزمنا الخروج عن المعايير الأخلاقية والقانونية بدل الإلتزام بها.
وما لبثت الأحداث أن انتقلت من السجال حول العلاقات مع سوريا الى حرب ضارية شنتها إسرائيل على لبنان في تموز من العام 2006، وقد تركت هذه الحرب أثارها وتسببت بانقسامات سياسية حادّة في مجلس الوزراء. هذا بالإضافة إلى الخسائر التي تعرّض لها لبنان بسبب العدوان الإسرائيلي على بنيته التحتية والمصانع والمنازل، وما ألحقه بنا أيضاً من خسائر جسيمة في الأرواح وتدميرٍ هائلٍ في الممتلكات العامة والخاصة؛ وإدراكاً منا بضرورة ضبط الخطاب السياسي على مستوى مسؤول، ووضع التعويض عن الخسائر في سلم أولويات عادل، دعونا إلى قيام حكومة وحدة وطنية تعالج هذه المواضيع بمسؤولية، تجمع بين مختلف الأفرقاء اللبنانيين. لكن، وللأسف، جوبهنا برفض قاطع، وبخطاب بعيد كل البعد عن روح المسؤولية، وسط جهل تام لمفاعيل الأزمة التي تكوّنت أثناء الحرب. وصار الكلام اللامسؤول الذي أدلى به نواب القوى الحاكمة يدل على مدى هذا الجهل في إدراك تطور الوضع نحو الأسوأ. وبنتيجة عدم التقدير، تصاعدت الأزمة واستقال الوزراء الشيعة من الحكومة، فضلاً عن وزير البيئة، ففقدت ميثاقيتها وأصبحت مخالفة للدستور… فكانت المظاهرات الضخمة والاعتصام التاريخي اللذان لم يعرف لهما لبنان مثيلاً.
وتذكرون كيف رفض رئيس الحكومة الاستقالة، مفضلاً حماية الشريط الشائك والبقاء في السراي على تعديل حكومته أو استقالتها. وطالت الأزمة وتجاوزت السنة ونصف السنة وتعطلت انتخابات الرئاسة. وكلّ هذا في سبيل الاستئثار بالسلطة، وعدم إشراك الآخرين فيها. وهكذا، أطاحت القوى الحاكمة بجميع المواثيق الدستورية والتقاليد السياسية للديمقراطية التوافقية المعتمدة في لبنان.   
واستمرت استفزازات السلطة للمعارضة بتحرشات في أماكن مختلفة من الأراضي اللبنانية بغية استدراجها إلى صدامات مسلحة، ولكن المعارضة برهنت عن طول أناة وحكمة، مفضلة استيعاب الأحداث والخسائر محافظة على الديمقراطية بدل الدخول في معادلة قوة تحسم الموقف من خلالها لمصلحتها.
وخلال هذه المدة عززت القوى الحاكمة قوتها السياسية بميليشيات مسلّحة ظناً بأنها قادرة على خلق معادلة قوة لمصلحتها، مشيعة بين أزلامها ومحبّذيها أنّ الدعم سيأتيها من الخارج، وما عليها إلا أن تصمد لمدة قصيرة في أي نزاع مسلح قد يطرأ. وما أن ظنّت أنّ ساعدها قد اشتدّ، حتى اتّخذت قرارات استفزازية بحق المقاومة، فكان السابع من أيار وما تلاه.
ثمّ كان مؤتمر الدوحة الذي عدنا فيه إلى مطلبنا الأول بعد نهاية حرب تموز، أي إلى ضرورة تشكيل حكومة الوَحدة الوطنية، وإقرار قانون جديد للانتخابات، وإجراء انتخابات رئاسية. ولو كانت القوى الحاكمة قد اقتنعت منذ البداية بمكوّنات الحل، لكنّا وفّرنا على أنفسنا وعلى الوطن سنتين من المتاعب والخسائر المادية والمعنوية والأرواح البريئة. وأهم من ذلك أنّنا كنا وفّرنا على مجتمعنا هذا الفرز المذهبي الذي لم يعرف له لبنان من قبلُ مثيلاً، حتى في أحلك أيام تاريخنا. وكلّ ذلك بفضل حفنة من الطارئين على السياسة الوطنية والجاهلين للتاريخ، الذين دأبوا على تحويل الوطن إلى شركة والمواطنين إلى زبائن.  
وبعد مؤتمر الدوحة، دخل لبنان مرحلةً جديدة، وتألفت حكومة ائتلافية شارك فيها التيار الوطني الحر وتكتل التغيير والإصلاح. وإذا كان حجم مشاركة المعارضة في الحكومة لا يمكّنها من إصلاح ما يجب إصلاحه، فإنّه يوفّر لها إمكانية منع حصول شطط في بعض المواضيع الأساسية التي تحتاج لإقرارها إلى ثلثي مجلس الوزراء كما ينصّ الدستور. أمّا ما يقدّمه التيار اليوم من خلال مشاركته في الحكم، فهو أسلوب شفاف وفعّال، يأخذ على عاتقه المشاكل العامة ويضع لها الحلول المناسبة محترماً المعايير الأخلاقية والقانونية؛ فعمله في هذه المرحلة يبقى محصوراً في نطاق الوزارات التي يشغلها، حيث يبذل ممثلوه في الحكومة جهداً متواصلاً يعطي عملهم فارقاً نوعياً بدأت تظهر تباشيره للرأي العام.
إن تجربتنا في الحكومة أعطتنا فكرة واضحة عن المستنقع الذي تعيش فيه الإدارة، فهي مشلولة الإرادة والمبادرة وتعيش حالات انتظار وركود وكأنها مصابة بكسل مزمن لأن السلطة التنفيذية المسؤولة عن تحريكها ودفعها تسير بها على نمط مصالحها الخاصة وليس على نمط حاجات المجتمع. 
وتجربتنا مع مجلس النواب أعطتنا اليقين بأنه لا إصلاح ممكناً من دون أكثرية واعية لمسؤولياتها، تحترم الدستور وتنقّي القوانين من الثغرات التي تفسح المجال للفساد والإفساد، كما تحاسب الحكومة على تجاوزاتها للقوانين المرعية الإجراء؛ فما نلمسه كل يوم هو ذلك التواطؤ القائم بين الحكومة والأكثرية التي تغطي مخالفاتها.
وهنا علينا أن نميّز بين ما هو خاضع لنا في ممارسة الحكم وبين ما هو خاضع لإرادة الحكومة ككل، وما نتوخاه اليوم من مشاركتنا هو نموذج سليم في الأداء أكثر مما هو إصلاح في بنية الدولة التي نخرها الفساد على المستويات كافة، ليطال رأس الحكومة الذي يجيد الهروب من الإجابة على الأسئلة المحددة بأسلوبه الشعري، يغطيه تواطؤ مزمن مع أكثرية المجلس. ومن هذه الحقيقة التي نعيشها كل يوم، تكوّنت لدينا قناعات بأن لا مجال للإصلاح إلا من خلال مجلس نواب قادرٍ على تكوين سلطة تحترم المواثيق والدستور والقوانين، وعلى محاسبتها على تجاوزاتها وأخطائها.
من المفروض في الأنظمة البرلمانية الديمقراطية أن تنبثق السلطة التنفيذية من مجلس نواب منتخب وفقاً لقانون يسمح بالتمثيل الصحيح للشعب. لكن، في لبنان، وخلال العقدين الماضيين كان مجلس النواب ينبثق من السلطة التنفيذية من خلال قانون انتخابات يسمح بتزوير الإرادة الشعبية عبر تحديد دوائر انتخابية تسمح بالتلاعب بأرجحيات أصوات الطوائف.
من هذا المنطلق، كان صراعنا مع القوى الحاكمة لاستصدار قانون جديد للانتخابات يسمح، ولو جزئياً، بتحسين الوضع التمثيلي للشعب اللبناني، ويعطيه أملاً بالتغيير. وهذا ما يتيح لنا في الانتخابات القادمة فرصة انتخاب أكثرية مؤيدة للإصلاح، لأنّنا من غير ذلك، عبثاً نحاول محاربة الفساد المتجذّر في بنية الدولة، والذي أصبح مستساغاً لدى شريحة كبرى من اللبنانيين. وقد بدأ هؤلاء اليوم بإفساد العملية الانتخابية من خلال “جودهم” المقنّع بمساعدة المحتاجين.
لقد سرقوا حقوقنا فجعلونا فقراء معوزين، و”تحننوا” علينا بنزر يسير من مالنا فحولونا  متسوّلين بعد أن كنا أصحاب حقوق، وهكذا صار السارق محسناً وصاحب الحق متسولاً، وصح قول الشاعر: ” جَوْعانُ يأكُلُ مِنْ زادي وَيُمسِكني     حتَّى يُقالَ عَظيمُ القَدرِ مَقْصُودُ”

 

فلنتذكّر، منذ ستة عشر عاماً من بدأ بتحميل الخزينة ديوناً أصبحت اليوم خمسين ملياراً وما زالت تتصاعد؟ 
من زاد البطالة وأفقر الناس فباعوا أرزاقهم وهاجروا؟
من قصّر في ضبط الأمن فزادت الجريمة؟
من تدخّل في استقلالية القضاء ولطّخ سمعته؟
من دمّر القطاع الزراعي وهجّر المزارعين؟
من أهمل الصناعة الوطنية لإلحاقها بالزراعة؟
إن اللائحة تطول لتشمل جميع قطاعات الإنتاج ولا من يسأل ولا من يجيب ولا من يحاسب.
إن مفهوم الدولة قد انهار بضوابطه الأخلاقية والقانونية والإنسانية، ولا يمكن أن يتم إصلاحٌ جزئيٌّ في بنيتها المهترئة، ولذلك يجب أن تكون نظرتنا إلى الإصلاح شاملة تغطي القطاعات كافة. أما كيف سيكون الإصلاح ومتى؟ فلنا معكم إليه عودة مفصلة، ولكنه بالتأكيد يمر بالانتخابات النيابية.
وأخيراً، نجد من أول واجباتنا أن نذكّر المجتمع اللبناني عامة والمسيحي خاصّة أنه معرّض لأكبر محاولة إغراء في تاريخه؛ فالبترودولار متوافر بكثرة، والحاجة أكثر، والتحدي كبير وكذلك المسؤولية.
ومن أهم ما جاء في الإنجيل ألا نسقط في الإغراء ونعبد ربين ألله والمال
فشراء الضمير سلّم المسيح للصلب مرّة، ولكنه غلب الموت وقام؛ فلا تدعوا ضمائركم تصلب لبنان، ففي هذه المرة لن تكون قيامة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى