قصص وعبر

الثائر : حجة جنوا ونطوا ، جنوا ونطوا كتبت: رندة منقارة

لم تكن تعلم أم جهاد أن رحلتها إلى البحر مع أبنائها ،وعشرة من أحفادها،ستكون مغامرة صعبة إلى هذا الحد!
فالسيدة الخمسينية حجرت نفسها منذ شهور كورونا السبعة ، ولم تعد تغادر المنزل ؛ خصوصا أنها تعاني أصلا من ضيق الصدر والربو وقد قامت بعملتين في ركبتيها لتحسين المشي ..
باختصار : وصلت السيارتين إلى البداوي، لتعلقا ضمن رتل طويل جدا من السيارات المشوية أصحابها تحت شمس الصيف اللاهبة ، بانتظار أن تفتح الطريق …السبب بسيط: محطة وقود في الجوار …
مضت ساعتان ثم فرجت ! وراحت السيارات تمر خلف بعضها ، و الرحلة في أوجها، والأمور تسير في اتجاهها الصحيح …حتى!
عادت السيارات وتوقفت فجأة!
ماذا حصل ؟؟ تناقل الجميع خبر شباب صغار يقطعون الطريق على الناس العزل ، عند مفرق دير عمار، احتجاجا على شركة الكهرباء التي تسببت بوفاة طفلتين بسبب قلة الكهرباء ؛ كما أن الجيش سحب منهم ثلاثة شبان وهم يطالبون باخراجهم ،عن طريق حجز الناس في ظهيرة الصيف ،انتقاما أو لتصل الرسالة للجيش ،سمها ما تشاء …المهم أن الناس دخلت في أرتال السيارات المعاقبة في تلك الساعات وحتى المغرب بلا أي ذنب مباشر أو اختيار !!
أم جهاد ألهبها الحر …وأيقظها الضيق الصدري وعبقة الجو وتلوث السيارات…فراحت تمشي حتى وصلت إلى (المراهقين ) وسألتهم بكل أدب:
-على من تقطعون الطريق يا ماما؟ لسنا روؤساء ولا وزراء ولا نواب …نحن وأنت يا بني أولاد البلد افلواحد وما يحدث عليك يزعلني ،ويحدث علي أيضا…البنتان اللتان ماتتا هما من بناتنا ، انظر إلى الأطفال في ااسيارات ،ستموت من القيظ أيضا …فجاء رد الثائر الفهيم الشاب:
إذا اذهبوا للجيش وأخرجوا لنا الشباب حتى نفتح الطريق، إما أن نعيش كلنا أو نموت كلنا ، وبالنسبة للأطفال فليموتوا كما ماتت الصغيرتان …
لم تتمالك أم جهاد نفسها ،وأزالت دولابين ضخمين من أمامها، سمح بعبور عدة سيارات، فأحضر الثوار الأشاوس برميل نفايات ليريها قوته الجبارة !!
عندئذ تجرأ أحد الشباب الأذكياء قائلا لها:
حجة…جنوا ونطوا جنوا ونطوا!!
ام جهاد لم تسكت ،رغم أنني رأيت دموعها أمامي وقهرها ،بل جاوبته:
يا عيب الشؤم عليك! أنا بمنزلة أمك تقول لي هذا الكلام ! واتخذت مكانا بعيدا عن السيارات وجلست على التراب وفوقها قوام خشبة احتمت بها من نار الظهيرة ، وراحت تطلب أحفادها واحدا واحدا ليجلسوا قربها…والناس حولها هجرت سياراتها،منهم الجنود الذين بدؤوا يمشون المسافة ليقطعوا مكان الحاجز ويجدوا السيارات إلى بيروت ، ومنهن النساء والأولاد الذين حذوا حذوهم وصاروا يبتعدون عن سيارات الأجرة التي تقلهم ، ودورة طويلة للرجوع من حيث أتوا أو إلى حيث يكملون السير !
السيارات ممنوعة من العودة ومن لا يقدر على المشي ضربته الشمس ومنهم أم جهاد ،حتى اتصلت ابنتها بزوجها وأقلها على دراجة نارية صارت تضرب ام جهاد رجليها بالسيارات المتوقفة وبالناس ،وراح حذاؤها يقع تارة وطورا يعيده لها المارون …
وصلت الى الملولة فاستأجر لها صهرها سيارة اجرة إلى بيتها وبقيت لساعة تهدئ من روعها وقد مرضت فعلا وما وصلت للبحر وبقيت كل الليل تحك جسمها الذي امتلأ بعوضا وبرغوتا من حيث جلست على التراب !
ثم نقل الصهر الصغار والنساء حتى لم يبق إلا صاحبا السيارتين ليعودا ليلا وقظ خاب أمل العائلة وكل الناس الذين مروا بتلك التجربة ،وهم يحسبون أنهم باتجاه قضاء يوم صيفي ممتع !
خلاصة القصة: قررت ام جهاد عدم الذهاب لأي مكان قبل تشكيل حكومة ! فحتى لما نزلت لشراء بطيخة من باب التبانة ، لفت حول الكرة الأرضية حتى ترجع للبيت وقد امتلأ
صدرها من روائح الدواليب المحروقة حولها!
بوركت ثورة الشباب الضجرانة التي تنفس غضبها في المواطنين المتعبين أمثالنا !
إن كنتم ثوارا فكونوا أحرارا شرفاء !!! الثورة تضحية للناس وليست تضحية بهم!!
قال صلى الله عليه وسلم:
هل تنصرون وترحمون إلا بضعفائكم ؟؟؟
فهل أنتم ستنصرون ؟؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق