الأخبار اللبنانية

حديث العماد ميشال عون أمام وفد من طلاب الجامعة اليسوعية في لبنان

أهلاً وسهلاً بكم في هذه الصبحية وأهلاً بشبابنا، مستقبل لبنان.

نحن اليوم  في مطلع السنة الجامعية وأنتم لديكم عملان:
أولاً التحصيل العلمي والجامعي وتحضرون أنفسكم من خلالهما.
والثاني التحضير والتهيؤ للحياة العامة والحياة السياسية الوطنية، فهذا جزء من حياة كل طالب.
فالإنسان لا يستطيع أن يعيش ضمن المجتمع ويبقى هامشيًا فيه. ولا يجوز أن يعتبر نفسه غير معني بما يدور في مجتمعه ويقول إن هذا لا يعنيه “أنا لست موجودًا”. الحياد لا يجوز.
الحياد هوالهرب من تحمّل المسؤولية واتخاذ الخيار، أو الإنتظار كالمأجور لمن يأتي و يدفع ثمنه.
إذا لم تتدخلوا أنتم في السياسة فالسياسة ستتدخل فيكم.  يجب على الإنسان أن يحضّر نفسه، ويجب أن يكون لديه خيار، وهذا جزء من الإنسان، أنا لا أقول لكم كيف ومن تختارون، أقول لكم فقط عليكم أن تختاروا، لأن الخيار واجب. أما أن يكون معي أو ضدي، فليس هذا هو المهم.
يجب أن تأخذوا موقفًا لتكون الحياة واضحة وليعرف من يريد التعاون معكم كيف تفكّرون. المسؤول على مستوى الوطن يجب أن يعرف رأي شعبه.
نعود لمواضيع الشباب حيث لديكم هموم جامعية وانتخابات.
أنتم خاضعون للإعلام اللبناني والتشويش الإعلامي والتعليقات  التافهة. أصبحنا نعيش في فوضى الرأي والتحليل، فوضى الكذب والرشوة والفساد الإعلامي، وهذا يؤثر في الرأي العام.
انتقدوا زيارتي لإيران وقالوا إن ايران ليست دولة عربية، فلماذا ذهب اليها؟ وهنا أسأل: “هل باريس والولايات المتحدة دولة عربية؟”
أنا أعتبر أن أيّ دولة سيادية في الشرق الأوسط أقرب لنا من أي دولة أخرى.
ما هو هذا التقليد؟ نحن في جامعة الدول العربية وننتسب اليها وندافع عنها، ونحن أيضًا في الأمم المتحدة. صداقة الشعوب والدول تتخطى الحدود الإقليمية.
أريد أن أتحدّث عن طريقة القيادة السياسية التي أمارسها: هناك انسان ينتظر استطلاعات الرأي ليمشي مع الرأي الذي يرغب به الناس، ولا يهمه إذا أخذهم الى جهنّم أو الى مكان آخر، ويقول لهم في النهاية “أنتم هكذا اردتم وأنا قمت بما تريدون”.
ولكن هذا ليس رجل دولة ولا هو قيادي، بالنسبة لنا الرأي العام مهم جدًا ولكن يجب أن ننوّره؛ فمن يعمل في الزراعة أو من يعمل في الطب والهندسة لا يتابع تمامًا وبدقة ماذا يحصل في السياسة، هناك أشخاص مسؤولون يتابعون الأمور، ومع الوقت تظهر جدارة المسؤول، وما إذا  كان لديه رؤية يستشرف من خلالها المستقبل ويختار الأفضل لبلده أو لا.
الحدث السياسي هو نوع من تقاطع أحداث عدة؛ هناك أشخاص لديهم قوة ويستطيعون أن يصلوا الى الخيار الصائب، وهناك من لا يملكها.
رؤيتي السياسية لا تنبع من منطلق عاطفي، ففي المواضيع الكبرى ليس هناك من عاطفة. المهم هو أن نجعل هذه الدولة تحبنا وتصادقنا في قراراتنا، لحل مشاكلنا. في الأمم المتحدة هناك قرارات نصوّت عليها في جامعة الدول العربية، هناك تصويت وقرارات يجب أن تأتي بأكبر قدر من الدعم.
المتغيرات السياسة مثل القطار، يجب أن تكون بانتظاره مسبقاً في المحطة، وتصعد اليه عندما يقف، وإلاّ عليك اللحاق به بعد فوات الآوان.
المتغيرات السياسية يجب أن نراها عن بعد لنتحضّر لها.
في العام 2006، وبسبب التفاهمات التي أقدمنا عليها، ارتجفت “ركاب” كثيرة واهتزت عندما أخذنا مواقف اعتبرها كثيرون مفاجئة، بينما عدد قليل استطاع تحمّلها. ولكن اليوم بدأت الأمور تتوضح، خصوصًا بعد انتصار المقاومة في حرب تموز ضد اسرائيل، اسرائيل الدولة التي لا تقهر ولا تهزم ولا تغرق، فانكسرت في لبنان ومعها انكسرت خطة كبيرة.
لماذا ذهبنا الى ايران؟ لأن هنالك تحولاً سياسيًا، وايران دولة اقليمية قوية، وهي مهمة جدًا، وهي أعطتنا الصداقة قبل حرب تموز وأثناءها وبعدها، وساهمت في إعمار لبنان ورفع الضرر الحاصل عنه، وهي ساعدت اللبنانيين والمقاومة ضدّ أعداء لبنان.
نحن نريد أن نخرج عن التوصيف السياسي الحاصل، نحن لسنا بقايا في لبنان، جذورنا هنا في كل الشرق، وقضايا المنطقة تتشابه وقضايانا، بصرف النظر عن معتقداتنا الدينية التي هي علاقة عامودية مع الله، تنطلق من أسس ومعايير أخلاقية .
إذا كنا مسيحيين أو مسلمين، فنحن مشرقيّون في كلا الحالتين، ولا يمكن لنا أن نهرب من هذا البلد. وهذا الموضوع ذكّرني بكلام قلته في العام 1989 إنه في لبنان ليس هناك مواطنون بل سكّان، وهناك فرق كبير بين من يسكن البلد ومن هو مواطن فيه.
إذا اكتسبنا ثقافة صحيحة فمعظم مشاكلنا تحل. نحن اليوم نحارب قضية الوجود التي تحدد في الخيار الانتخابي، وهناك من يبيع نفسه مقابل 100$ .
نحن على أبواب لعبة مصيرية للوطن، هل سيبقى أو سنبيعه؟
نحن أمام ثماني عشرة سنة من الأداء الفاشل، الديون تتراكم وهناك أزمة مالية خانقة تتجه نحو ال”depression وليس الrecession كما يقولون لكم.
ليس كل ما هو جديد، أمر جيد، فقد روّجوا للعولمة وانظروا ماذا حصل.
في لبنان، ولأننا بلد صغير، نشعر أحياناً وكأننا أقل مستوى من الدول الكبرى ومن تسمّى بالعظمى، وكأنهم يفهمون أكثر منا!! ولكن كلّما صغر البلد كلما اضطر الأمر لأن يكون العمل أكثر دقة واحترافًا.
فإذا أخطأت الدول الكبرى فلديها قوة استرداد، أما الدول الصغرى فتسحق إذا أخطأت.
لدينا فكر سياسي خفيف جدًا يعرّضنا للمشاكل في حين أننا نفتقد الى الاستقرار بصورة دائمة.
أتنمى لو “نستلحق” قانون الانتخاب لنعدّل سن الاقتراع كي تساهموا فيه وتكون خياراتكم باتجاه المستقبل وليس الماضي.
فالخيارات الراقية ستحدد مستقبل لبنان. لا يجب أن نقبل بالخط الانحداري في الاقتصاد والعودة الى الماضي. إذا لم نستفد من تجربة ال40 سنة الماضية لنصلح المستقبل، فهذا يعني أننا مصابون بمرض غير قابل للمعالجة.
اليوم لا أعرف لماذا بعضهم ما زال متعلقًا بهذا الخط السياسي الذي أوصل الديون الى 45 مليار دولار وسنصل الى 50 مليار، اي ما يوازي ضعف الدخل القومي.
والأمن ليس على ما يرام، والقضاء كذلك، الاقتصاد على الأرض، ونحن نقوم بجهد مضاعف لنعيش.
لنفترض أنهم في الانتخابات رشوا الشخص بمعاش شهر واحد، ومن ثم على مدى أربع سنوات كيف سيعيش؟
النائب لا يحصل على أكثر من 400 ألف دولار وهذا راتبه. من أين سيدفع 4 ملايين في الانتخابات؟ إذا طرحنا السؤال على أنفسنا، فنقول هذه أموالكم وحقوقكم تطير في أساليب ملتوية.
في كل بلدان العالم، هناك من يقوم ب “Audit” الا في لبنان. عندما نتحدث عن السرقة يقولون “ما هذا المستوى المتدني في الكلام والحديث غير اللائق”.
الرد يجب أن يكون: “تعالوا لنكتشف أين هي السرقات؟” وإذا كان معهم الحق فسنرفع الحصانة عنا ونعتذر ونحاكم في القضاء، لأننا اتهمنا زوراً ومسّينا بسمعة زميل أو مسؤول.
لماذا اخترع المجتمع كلمة “كاذب”، يجب أن نسمي الكاذب كاذب، والسارق سارق والعميل عميل… اقترحنا عليهم أن يضعوا قاموساً لغوياً.
في الماضي قالوا إننا نتمتع بالسيادة لأننا قبلنا أن تكون هناك قوات غريبة على أرض لبنان… وهذا خطأ كبير. هناك تحديد قانوني للسيادة. السيادة مفقودة سواء كان فقدها بإرادتنا أو بالإغتصاب، وسيادتنا كانت مفقودة. الشيء يفتقد في الانسان اما بإرادته أو بالإغتصاب.
أنتم مؤهلون أكثر لتفتشوا عن الدقة في التعبير، عن المفهوم الحقيقي للكلمة لتطوّروا حسّكم النقدي، وعندما تقرأون مقالاً، يجب أن تعرفوا ما هو الخطأ وما هو الصح.
يقولون “في اجتماع سري تحدّث اثنان عن هذا الموضوع”. فإذا كان هذا الاجتماع صحيحاً وسرياً للغاية، كيف عرفوا ماذا قيل فيه؟ هذا كذب طبعًا.
يجب قراءة الصحف وفي اليد قلم، لتشطيب ما تجدونه غير مقنع.
هناك محاكمة النوايا وحرب النوايا. لقد اطلعت على كل الانتقادات التي تعرضت لها عندما زرت ايران، ولكن لم أجد أن أحداً منهم يستحق أن أرد عليه، فتابعت طريقي.
اليوم، أريد أن أتوجّه اليكم، والى التيار الوطني الحر بصورة خاصة، أريدكم أن تكونوا مثقفين سياسيين، أريدكم أن تكتشفوا بأنفسكم الحقيقة وتميزوا الصادق من الكاذب.
مشكلتنا قد تكون إعادة المعايير الأخلاقية للتعاطي بين بعضنا. يقولون إن الكذب في السياسة حلال، وهذا غير صحيح، لأن الكذب في السياسة يزوّر نتائج الانتخابات قبل أن تحصل.
عندما يعطي المسؤول وعداً كاذباً وينتخب على أساس هذا الوعد، فهذا يكون تزويراً للإرادة الشعبية.
نريد منكم أن تكتشفوا بأنفسكم الحقيقة، ومن خلالها الكاذب.
ولا تقبلوا بالوعود الكاذبة في الانتخابات.
أنتم معرّضون للتضليل اليوم خصوصًا وأنكم ما زلتم شبابًا في قمة تمسّككم بالمبادئ، لذا يجب أن تتمتعوا بحسّ نقدي لئلا تقعوا في الخيار الخاطئ.
يجب أن تنتبهوا أيضًا من المعتقدات المسبقة، لا تقعوا بها، حاوروا وتحدثوا الى الآخر وافهموا وجهة نظره.
يجب كسر كل “تابو” في الداخل والمحيط والخارج بالتفاهم والانفتاح على الآخر، عندها تستريحون وتأخذون خياراتكم برويّة و بكل حرية واقتناع.
اليوم ترون التقلّب في المواقف السياسية، فلماذا برأيكم؟
السبب هو التشرد الفكري غير الثابت، فحتى الأشخاص الى جانبه يدوخون من كثرة تقلبات مواقفه.
وهنالك أيضا الأنبياء الذين لا يتوقّفون عن التنبؤ بأحداث، لا يصحّ أي منها.
وهنا أذكر قول الأديب الفرنسي “بوالو” Boileau  إن “الغبي يجد دائمًا من هو أشدّ غباء منه يعجب به”.
أما بالنسبة لانتخاباتكم الجامعية وأنتم اليوم على أبوابها، فمهما كان القانون الانتخابي الجامعي الجديد الذي سيعتمدونه،  وحتى ولو عمد الى فتفتة الأصوات، أنا واثق أنكم ستتمكنون من الفوز كما سنفوز في الانتخابات النيابية المقبلة”.
“راهنوا على المستقبل لأننا سنربحه، سنربحه

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى