الفلسفة والمجتمع

بقلم الدكتورة:عزيزة عبد المنعم صبحى أستاذ الفلسفة المساعد بجامعة الاسكندرية
“إللى يفكر يتعكر” هذا المثل الشعبى الذى سمعته لأول مرة على لسان المفكر الكبير الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام، رحمه الله، والذى يلخص بحرفية شديدة موقف المجتمع الساخر وربما العدائى من الفكر بصفة عامة، والفكر الفلسفى بصفة خاصة. فالفلسفة إما لغو أو سفسطة أو أفكار ميتافيزيقية لا تمت إلى الواقع المعيش بصلة، والفلاسفة إما ملاحدة أو مجانين أو مغتربين عن حياتهم ويعيشون فى أبراجهم العاجية، ولا يعيرون أية أهمية لمشكلاتهم ولمتطلباتهم الحياتية. والحقيقة أن تلك النظرة الساخرة كانت قائمة عبر كل العصور ، بداية من ذلك المشهد الذى يصور أول فلاسفة اليونان ،الذى كان منهمكاً فى البحث عن أصل الوجود والنظر فى السماء ، ورغم ذلك تتعثر قداماه التى تطأ أرض الواقع، ولقد بلغت السخرية هذه حد القتل والنفى والتشريد والتعذيب، مثلما حدث مع بعض فلاسفة اليونان والرومان والإسلام.
الحقيقة أن هذه الأسباب المتوهمة والمزعومة ليست هى السبب الحقيقى وراء تلك النظرة، فالواقع نفسه يدحضها وبقوة. إن الفلسفة ليست بلغو أو سفسطة لكنها جدل عقلى مستند إلى حجج منطقية، وليست كل أفكار الفلسفة ميتافيزيقية بل كثير من مباحثها يهتم بالواقع ، والفلسفة فى مجملها تنطلق من الواقع لتفسره وتحلله وتعقلنه ثم ترتد إليه مرة أخرى لتعرفه حق المعرفة، وربما تغيره،فالأفكار الفلسفية سواء فى الغرب أو فى الشرق كان لها الأثر الأكبر فى تغيير حياة الشعوب، وقيام الثورات الكبرى التى تهدف إرساء قيم العدالة والمساواة. كذلك فالفسفة ليست إلحاداً وإنما إعمالاً للعقل، ذلك العقل الذى يميزالإنسان دون سواه من الكائنات، وهى فى هذا لا تتعارض مع مبادئ الشريعة، فالقرآن الكريم يبدأ أولى آياته بكلمة “إقرأ” ، وبطبيعة الحال لا تعنى القراءة هنا النطق بالأبجدية، خاصة وأنه فى تلك الحظة التاريخية كان هذا الخطاب موجهاً لمجتمع جاهلى أمى، أما المقصود من القراءة هنا هو التعقل. كذلك فالفيلسوف ليس بمجنون لكنه من انهمك بالتأمل والتفكيرلا من أجل نفسه وإنما لصالح النوع البشرى بأكمله، ومن أجل الحقيقة فقط لا من أجل إحراز شهرة أو نفوذ أو سلطة كما هى الحال لدى عامة البشر.
ويبقى التساؤل قائماً لماذا لا نقدر الفكر الفلسفى فى مجتمعنا الشرقى، خاصة وأن المجتمعات الغربية قد تجاوزت تلك النظرة الساخرة عن الفلسفة ، بل واعتبرتها مدخلاً هاماً ولازماً لدراسة أى علم حتى وإن كان علماً عملياً. لم ظلت هذه النظرة قائمة فى مجتمعنا؟ هل يرجع هذا إلى درجة التجريد العالية التى يتمتع بها الفكر الفلسفى، ونحن البشر الذين لم نعتاد فى حياتنا سوى المادى المحسوس.أم يرجع هذا لأن الفلسفة تُثَور العقل وتختبر قدراته وتراجع أفكاره ومكتساباته وتفندها وتدحضها فى كثير من الأحيان، تلك الأفكار التى قدسها العقل لأزمنة طويلة؟ ولربما يكون هذا نتاجاً للأوضاع الاقتصادية التى تجعل الإنسان فى سعى دؤوب وراء رزقه فحسب ولا يعنيه غير ذلك؟ أم لأن العقل العربى غالباً ما يفضل تلك المنطقة الفكرية الآمنة التى اعتاد أن يعيش بداخلها ، ولا يقوى على خوض غمار التساؤلات الجديدة التى من شأنها أن تفسد هذا الأمان الفكرى أو أن تطيح به؟ ربما يرجع هذا أيضاً إلى المنهج الذى يتبناه المجتمع أحياناً، منهج الطاعة، بوصفها محمدة أخلاقية ، والوقوف حائل أمام كل جدل ومناقشة تثمر عن اختلاف .؟ ربما كان السبب هو أحد هذه المبررات وربما كانت جميعها معاً. لكن التساؤل الأكثر أهمية؛ هو أنه إذا كان للمجتمع أن يتبنى موقفاً فى الحكم على الفلسفة، كان لزاماً عليه أولاً أن يتعلم بعض الشئ عنها، حتى يتسنى له الحكم الموضوعى عليها، وأرى أن هذا الأمر يجب أن يضطلع به المتخصصون حيث يجب أن يحرروا الفلسفة التى ظلت حبيسة لأزمنة طويلة فى قاعات الدرس، ويلقون الضوء على الموضوعات الفلسفية بصورة مبسطة وواضحة تخدم الإنسان فى الواقع المعيش




Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development