المقالات

السياسة الوطنية في ظل القطبية الجديدة – بقلم: د محمد علي الحلبي

دولاب الزمن يدور،وتتغيّر،وتتبدل مع دورانه أحوال الكون ، وأحوال البشر عليه ، فالسنّة الكونية سمتها الرئيسية عدم الثبات على حالٍ واحدة،بل إن بعض المفكرين عدّ قانون التغير والتغيير من قوانين البناء المعرفي، فأحوال الإنسان تتغير، وبتغيرها تتبدل معالم الخليقة كلها  , وصفحات التاريخ ومنذ بدء الحياة سجلت أغلب تلك الحالات من حالات الهدوء القليلة السعيدة،والكثير..الكثير من الصراعات،والحروب،والنكبات،والكوارث حيث امتلأت صفحاته بحكايا المآسي والآلام المرافقة لها،ورغم كل الدروس بقيت الصراعات البشرية تحتل حيزاً كبيراً في استمرارية الوجود، وتتابعه .
واستلهاماً من هذه المقدمة حاولتُ إلقاء نظرة موضوعية على التاريخ المعاصر، وما يعتريه من تشوهات جاهداً في تلمس بعض الحلول لتلافي ما أمكن من أخطار قد تأتي.

في مطلع القرن الماضي،وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية،والاتفاق بين الغرب (بريطانيا وأمريكا) والاتحاد السوفيتي على توزيع العالم ليكون تابعاً،وتحت ظل ما سمّي يومها بالقطبية الثنائية،فكان الحلفان  : شمال الأطلسي الذي ضم دول الغرب المعتمدة للنظام الرأسمالي منهجاً لاقتصادها،وفي مقابله حلف وارسو لدول الشرق- الاتحاد السوفيتي- واقتصادها المبني على (النظرية الشيوعية) ولم تطل فترة الهدوء بين القطبين،بل تتالت النزاعات تحت عنوان- الصراع العقائدي- وفي قدرة إبداعية ابتكر الطرفان فكرة الحروب البديلة تغطية لتطلعاتهما.
كانت حروب شرق آسيا :- الحرب الكمبودية – الحرب الفيتنامية – الحرب الكورية- وكان العدوان الثلاثي الإنكليزي،الفرنسي،والإسرائيلي عام1956على مصر،وحرب عام 1967  التي ساندت أمريكا فيها إسرائيل لاحتلال أجزاء كبيرة من الوطن العربي،ورغم مرور الزمن الطويل،ومحاولات الدجل لما سمي  بالتسوية مازال قسم كبير تحت الاحتلال المباشر،أو غير المباشر كما أن حروباً عديدة وبالوكالة نشبت في أمريكا الجنوبية،وفي إفريقيا , لكن ومع اتخاذ القطبين كل الاحتياطات اللازمة لتجنب الحرب المباشرة بينهما  , فقد كادت أن تنشب حرب عالمية ثالثة في خليج المكسيك انطلاقاً من كوبا،ففي عام 1963 وفي أعقاب عدة عمليات فاشلة للولايات المتحدة لإسقاط النظام الكوبي شرعت حكومتا كوبا والاتحاد السوفيتي في بناء قواعد سرية لعدد من الصواريخ النووية،وبعد أن تأكدت أمريكا من وجود هذه القواعد فكرت في مهاجمة كوبا لكنها لجأت في البداية للحل السياسي،فقرر يومها الرئيس الأمريكي “كيندي” عدم السماح بتسليم أسلحة هجومية لكوبا،وطالبهم بتفكيك القواعد لكن السوفييت رفضوا الطلب علناً،إنما استجابوا له سرا ،وفي نهاية العام فُككت القواعد،ونُقلت إلى روسيا بعد أن تعهدت الولايات المتحدة بعدم غزو كوبا،وتتعاقب السنون،وفي عام1991ينهار الاتحاد السوفيتي زمن حكم الرئيس”بوريس يلتسين”ويتفكك إلى15دولة مستقلة.
ذلك حول العالم الذي عانى من ثنائية القطبين،ومن الحرب الباردة بينهما،وتبعات تلك الحروب إلى القطب الأحادي الأمريكي،فأصيبت القيادة الأمريكية بالصلف والغرور،وبعد أحداث11أيلول- سبتمبر- 2001وتدمير البرجين أعلنت في10أيلول-سبتمبر-2002 عن إستراتيجيتها في تصريح لأحد مسؤوليها يقول فيه:”إن القيم الأمريكية السياسية قد باتت قيماً كونية،ولهذا يجب أن تنتقل إلى المجتمعات والأنظمة السياسية”   وتضمنت أيضاً مفهوم الحرب الاستباقية المفتوحة الزمن والمدة فارضة على العالم مفهوماً خاصاً بالإرهاب مفهوماً عالمياً ووحيداً ، فكان احتلال أفغانستان والعراق التطبيق العملي لهذه الاستراتيجية،وفي عام 2002أصدر البيت الأبيض زمن الرئيس”بوش”الابن الخطة الجامعة بين السياسات التقليدية والسياسات الجديدة ، ولمركز الدراسات (التقدم الأمريكي) دور فيما سمّي بإستراتيجية القوة المتكاملة المتعددة الجوانب الداعية إلى توحيد الأفكار،والأنشطة المتباينة،وتوحيد قوى العولمة ضد قوى التجزئة،والعمل من خلال التحالفات الدولية وليس العمل الانفرادي العسكري ، ومن أهم بنودها مبد أ”الحرب الاستباقية” وبتعبير أدق الثأر الاستباقي وفق رأي واضعيها .
ذلك مبدأ”بوش”الذي نفذه في حربه على العراق بدون أخذ موافقة مجلس الأمن الدولي،وبدون موافقة المجلس سبق ذلك  التدخل العسكري في صربيا بين عامي 1992 –  1995، وفي خطاب الاتحاد للرئيس”بوش”في20كانون الثاني2002قال:”إن حربنا على الإرهاب قد بدأت لتوها”والإرهاب كان،ومازال العنوان الرئيسي للاستراتيجيات الأمريكية،وتابع القول:”إن هدفنا الثاني هو منع الأنظمة التي ترعى الإرهاب من تهديد الولايات المتحدة الأمريكية،أو اصدقائها،أو حلفائها بأسلحة الدمار الشامل”وحدد إيران،العراق،وكوريا الشمالية”كمحور للشر”وبعد ذلك وسّع”جون بولتون”نائب وزير الخارجية الأمريكي الدائرة معتبرا  ليبيا،سوريا،وكوبا بأنها دول راعية للإرهاب تسعى،أو لديها القدرة على أن تسعى إلى الحصول على أسلحة دمار شامل،لكن وفي أيامنا المعاصرة عادت روسيا،والصين بقوة إلى ساحة الأحداث الدولية لتضع أسس قطبية ثلاثية جديدة مع سطوع ملامح قطبيات قيد التكوين-البرازيل،والهند- وأمام هذا الوضع الجديد المتجدد،ومن أجل استقراء لملامح المستقبل التي بدأت تتكون معالمها في ساحات الشرق الأوسط،إفريقيا،والشرق الأقصى آثرت تقسيم البحث إلى:
1-    استراتيجية كل دولة من الدول القطبية الثلاث.
2-    نقاط التقارب،وأحياناً التطابق بينها،وكذلك نقاط التباعد والتباين بين مكوناتها.
3-    الإمكانات الداعمة لكل منها.
4-    الكيفية التي تمكن بلدان العالم من الحدّ من أخطار قد تكون قادمة، أو متوقعة في ظل الصراع الجديد على مصادر القوة، والاحتياجات الأساسية واللازمة لبقاء هذه الحالة، واستمرارية السيطرة.
في البدء نعرّج على الاستراتيجية الأمريكية:
مع بدء العام الحالي،وبتاريخ6/1/2012أعلن الرئيس الأمريكي عن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة،والواضح فيها خلوّها وللمرة الأولى من لهجات الصلف والغرور التي اتسمت بها الاستراتيجيات السابقة،وخاصة زمن الرئيس”بوش”،والمحاور الثلاثة التي ركز الرئيس عليها:
1-    تقليص عدد القوات الأمريكية في أوروبا.
2-    خفض الإنفاق الدفاعي مع الحفاظ على التفوق النوعي.
3-    التركيز على منطقة المحيط الهادي لتفادي قوة الصين مع إيلاء أهمية لمنطقة الشرق الأوسط ,وآسيا.
وفي الإجراءات المباشرة تقرر خفض الإنفاق العسكري مبلغ487مليار دولار خلال عشر سنوات،وتقليص الإنفاق على البرامج الصحية قرابة364مليار دولار،وخلال عشر سنوات أيضاً،وتحصيل206مليارات دولار إيرادات ضريبية جديدة على أرباح الشركات الكبرى،ورغم كل هذه الإجراءات فستبقى نسبة البطالة فوق6%إلى غاية2017،وموازنة عام2013يبين المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية في الانتخابات التي ستجري الشهر المقبل قائلا :”إن المشروع يسجل للسنة الرابعة،وعلى التوالي عجزاً بأكثر من تريليون دولار”وصحيفة(كريستيان ساينس مونتيور)تعرضت لأحدث الأرقام الرسمية حول الفقر في الولايات المتحدة تشير إلى أن عدد الفقراء بلغ46,2مليون شخص،أو15%من السكان،و”مارك رانك”أستاذ الرفاه الاجتماعي في جامعة واشنطن يقول:”إن نسبة الفقراء بعد الأزمة الاقتصادية لا تزداد لأن الناس يعملون أقل،أو لا يعملون بجهد أكبر،والسبب عدم وجود وظائف ذات مرتبات كافية”ورغم أن الحكومة أنفقت700مليار دولار عام2011على برامج المساعدات لإنقاذ الناس من الفقر لكن كبير الباحثين بمؤسسة(هيرتدج)روبرت ديكنز يقول:”لم يتغير عدد الفقراء في البلاد”.
أما التفوق النوعي في الاستراتيجية الدفاعية،فلقد ركزت على الحرب الإلكترونية،والصواريخ العابرة للقارات ولمسافة4000كم إضافة إلى ما سمّي”بذخيرة الاختراق الهائل”وطول القنبلة منها ستة أمتار،ووزنها13,6طناً بينها2,3طناً من المواد المتفجرة تخرق التحصينات بعمق20متراً،وطُورت هذه القنبلة ليصبح وزنها10,3طناً بينها8,5طناً من المواد المتفجرة.

إنها الركائز الأساسية للسياسات الأمريكية على جميع المستويات الداخلية في خفض العجوز المتنامية في الموازنة الاتحادية،والميزان التجاري إذ باتت أمريكا تستورد أكثر مما تصدر،ومن الحتمي والمؤكد أن تكون سياساتها الخارجية متركزة حول ما يمكن كسبه،أو نهبه من جميع الدول موضع اهتمامها في الحيزين الاقتصادي والجيوسياسي.
أما الاستراتيجية السوفيتية،فلقد وقّع الرئيس السابق لروسيا الاتحادية”ديمتري مديفيدف”مرسومها،وفيه أسُسها المعتمدة حتى عام2020والمحددة بــ:
1-    روسيا ستنتقل إلى سياسات جديدة للدولة في مجال الأمن القومي تضمن التنمية القومية الناجحة،وذلك في ظروف عولمة عمليات التطور العالمي،والعلاقات السياسية والاقتصادية للدولة التي تشكل أخطاراً جديدة على تطور الفرد والمجتمع.
2-    تطور العالم يتم على طريق عولمة كافة مجالات الحياة الدولية،وبطلان البيئة العالمية والإقليمية الحالية المتوجهة نحو حلف شمال الأطلسي،وتسوية النزاعات على أساس إقليمي بدون مشاركة القوى غير الإقليمية يهددان أكثر فأكثر الأمن الدولي،فالانتقال من المواجهة بين الكتل إلى مبادئ دبلوماسية المتعددة الاتجاهات لابد منه , وروسيا قادرة على تكريس وضعها ضمن الدول الزعيمة في الاقتصاد العالمي،ولابد من التنبه لخطورة انتشار أسلحة الدمار الشامل،ووقوعها في أيدي الإرهابيين.
والسياسة العالمية ستتركز ولمدة طويلة على السيطرة على مواد الطاقة بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط،وبحر باينتس- شمال شرق النرويج- ومناطق القطب الشمالي،وفي حوض بحر قزوين،وآسيا الوسطى،وفي ظروف التنافس من غير المستبعد اللجوء إلى استخدام القوة بغية حلّ المشاكل الدولية،ونشر عناصر الدرع الصاروخية الأمريكية في أوروبا سيقلص إلى حد كبير إمكانات الحفاظ على الاستقرار العالمي والإقليمي،لذا ستسعى روسيا إلى إقامة العلاقات الدولية وفق مبدأ القانون الدولي “الأمن المتكافئ” وهيئة الأمم،ومجلس الأمن يعدان محورين في نظام العلاقات،كما وستعمل روسيا على تعزيز التعاون الثقافي ضمن أطر متعددة،وضمن المجموعات المنضمة لها،ومن ضمنها تعزيز القدرة السياسية لمنظمة شنغهاي مع تشجيع للخطوات العملية لتعزيز الثقة المتبادلة والشراكة في آسيا الوسطى،كما أن روسيا مستعدة لتطوير علاقاتها مع منظمة معاهدة شمال الأطلسي .
وعلى المدى البعيد ستعمل على تطوير الديمقراطية والمجتمع المدني،وزيادة قدرة الاقتصاد الوطني،واعتماد مبدأ الردع الاستراتيجي،وتطبيق تدابير سياسية،ودبلوماسية،وعسكرية،واقتصادية،ومعلوماتية،وتطوير منظومة التربية الوطنية،ومكافحة الفساد،والإرهاب الدولي والقومي،والتطرف السياسي والديني،والنزعة الانفصالية والقومية، وتعميق الأمن الغذائي وجعله عنوانا دائما ،ولضمان الأمن القومي في المستقبل المتوسط سيتم تطوير قطاعات الاقتصاد القابلة للمنافسة،وتوسيع مجال تسويق السلع الوطنية،وتطوير المؤسسات العلمية،والعناية في مجال الرعاية الصحية العامة،وتطوير الخدمات الطبية،والتركيز على جودة الأدوية،وتتكامل بنود الاستراتيجية في تفصيلات ذكرت في المرسوم الرئاسي  تدعم التوجهات الأساسية على جميع الأصعدة الداخلية والإقليمية.
أما الاستراتيجية الصينية  ، فقد بيّن وأوضح معالمها الدكتور”محمد السيد سليم”أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة،ومؤسس مركز الدراسات الآسيوية والذي شارك في المؤتمر الثالث لمنتدى شنغهاي للدراسات الصينية الذي تعقده أكاديمية شنغهاي للعلوم الاجتماعية كل عامين،وفي المؤتمر طرحت القيادة الصينية عناصر الاستراتيجية،وأسسها،وأعمدتها:
1-    سلمية الصعود الصيني،وهذا يعني أن الصعود الصيني ليس خصماً لمصالح أية قوة.
والصعود اقتصادي،وسياسي لا يتضمن استعمال الأدوات العسكرية،ولا يؤدي إلى السيطرة على الآخرين،وقد طوّر المصطلح ليصبح التطور السلمي.
العنصر الثاني يتمحور حول ما سمّي بالتحديات المشتركة الذي يتطلب جهوداً كالتنمية،والتصحر،والاحتباس الحراري،والصين تعتبر أن القضايا التنموية الداخلية هي القضايا ذات الأولوية المطلقة  تليها  قضايا الاستقرار والتكامل مع دول شرق آسيا،وتأتي باقي القضايا الأخرى في المرتبة الثالثة،وفي تغيير لسياساتها مع تايوان فقد قررت إقامة جسور للصلة معها.
العنصر الثالث ستنبع الصين سياسة خارجية مع مقدراتها لأنها تواجه معضلات داخلية كبرى لا تمكنها من الاضطلاع بدور عالمي،والصين تعلمت الدرس الروسي بألا تمدّ نفوذها خارج نطاق مقدراتها،فالصين مع سياسة عالمية توازن بين المقدرات الاقتصادية والعسكرية،والمدى الذي يمكن أن تذهب إليه،والصين ليس لديها ما تخشاه فيما يتعلق بمصالحها لدى الدول النامية،وتريد من الآخرين ألا يعرقلوا صعودها وهي لن تتدخل عالمياً إلا بقدر ما يحمي تطورها،وتعمل على تخفيض اعتمادها على النفط المستورد عبر الخطوط البحرية،وتريد الاعتماد على النفط المستورد عبر الخطوط البريّة الخاضعة لسيطرتها،وبالذات من روسيا وكازاخستان،واعتراف الصين باستقلال أبخازيا،وأوسيتا الجنوبية مسألة تقدرها مصالحها الوطنية البحتة،والتحالف الأوراسي الجديد المسمى منطقة منظمة شنغهاي بالأساس لوقف التدخل الأمريكي في شؤون أوراسيا.

بالنسبة للعالم العربي،فالصين مشغولة بملفات أكثر أهمية بالنسبة لها فليست راغبة في الانخراط في قضايا فلسطين،وأمن الخليج،ودارفور بأكثر من الحدّ اللازم،وهذا يعني  تدني القضايا العربية في سلم الأولويات خاصة إذا عرفنا أن الاستثمارات العربية الخليجية لديها لم تزدد عن 20مليار دولار،وهكذا تتكون لدينا فكرة واضحة عن الاستراتيجيات القطبية الثلاثة أمريكا- روسيا- الصين،ويبقى نجاح أي منها مرهون  بعوامل القوة وعمادها التنمية المستديمة لتسهم في نماء القوة العسكرية،والقدرات البشرية وصولا ًللسياسات المرسومة والقادرة على تحقيق مراميها ،والبحث في هذا الجانب يحتاج إلى دراسات مطولة وأبحاث خاصة به لكن نحاول أن نلقي ملامح عامة عنها،فأمريكا يحاول قادتها جهدهم لتقليل مبلغ المديونية السنوي المترتب على الموازنة الاتحادية أملا ًفي الوصول إلى الوضع الطبيعي بعدم الاستدانة،وهذا ما يحتاج إلى زمن قد يطول أمده إضافة إلى تخفيض العجز التجاري المتنامي المتنامي،وأغلب حلفاء أمريكا من دول الاتحاد الأوروبي تتصدر عناوين أخبارها اليومية الأزمات المالية المصدّعة لأركان اقتصادياتها،وصيحات الجماهير واحتجاجاتها تملأ شوارع عواصمها ومدنها،أما عن روسيا الاتحادية ففي مطلع مرسوم استراتيجية الأمن القومي،والذي ذكرناه تأكيد على أن روسيا تجاوزت في أواخر القرن العشرين عواقب الأزمة السياسية،الاجتماعية،والاقتصادية،وأوقفت تدني مستوى ونوعية معيشة المواطن الروسي،وصمدت في وجه النزعتين القومية والانفصالية،واستعادت إمكاناتها في تقوية قدرتها على المنافسة والذود عن مصالحها الوطنية،ويركز الروس حالياً على استثمار مخزون بلادهم الكبير من النفط والغاز،ومؤخراً مد خط لنقل الغاز من سيبيريا إلى ألمانيا تحت بحر البلطيق بلغت تكاليفه8,3مليارات دولار،وتستورد أوروبا نحو40%من احتياجاتها من الغاز من روسيا،وهناك مشروع لمدّ الغاز إلى بريطانيا،والرئيس الروسي”بوتين”قال العام الماضي:”إن مدّ أوروبا بالغاز سيساهم في تطوير اقتصاديات أوروبا” وبينما تعصف الأزمات المالية الأمريكية والأوروبية بأسواق هذه البلدان تسعى روسيا للتقرب من أوروبا،وتنمية العلاقات معها في شتى المجالات…فذلك يخفف من التحالف بين الشريكين التقليديين  أمريكا، وأوروبا.

وعن الصين،فمراكز الأبحاث والعديد من المفكرين الاقتصاديين يقرون بأن نمو معدلات الناتج المحلي الإجمالي يجعلها في مقدمة الدول،كما أن ميزانها التجاري يحقق دائماً فائضاً لارتفاع صادراتها،وتراجع في الواردات،وعلى سبيل المثال،ففي آب2012تحدثت الأرقام عن فائض مقداره26,66مليار دولار،والسلع الصينية موجودة في جميع بلدان العالم،والسياسة الاقتصادية تركز على الشراكة الصينية الإفريقية خلال السنوات الثلاث المقبلة،وهذا ما أعلنه الرئيس “هوجين تاو” في الاجتماع الوزاري الخامس لمنتدى التعاون الصيني الإفريقي في19حزيران الماضي.

كانت جولة في الآفاق الواسعة للسياسات العالمية،ومحورها القطبية الجديدة،والعنوان الأقوى والجامع لها جميعها – المصالح- والتركيز على مناطق النفط والأسواق بمختلف تنوعاتها وأشكالها،وإدعاء بسلوك السياسات الناعمة،وعدم الانجرار للحروب لكن تبقى أمريكا كتاريخ،وروسيا كإستراتيجية تلوح في النهاية باللجوء مضطرة للتهديد بالقوة،وحتى باستعمالها،فمرسوم الاستراتيجية الروسية المُوقع ينص صراحة على “وكذلك فقدان سيطرة الدولة على انتشار الأسلحة التقليدية قد يؤدي كل ذلك الى تفاقم النزاعات الإقليمية الموجودة , ونشوء نزاعات جديدة بين الدول وفي ظروف التنافس على الموارد   فمن غير المستبعد اللجوء إلى استخدام القوة بغية حلّ المشاكل الدولية الأمر الذي يؤدي إلى الإخلال بتوازن القوى القائم بالقرب من حدود روسيا الاتحادية وحلفائها,
بينما الصين ما زالت متمسكة بالحلول الدبلوماسية في سياساتها،ومع حرص روسيا على توسيع علاقاتها مع أوروبا عبر النافذة الاقتصادية إلا أنها بصدد إقامة تعاون إقليمي مع الصين،فالرئيس”بوتين”وفي عام  2009 وأثناء زيارته للصين،وكان يومها رئيساً للوزراء قال:”انتهت الصين وروسيا من وضع خطة ثنائية تحدد التعاون الإقليمي بين شمال شرق الصين،ومنطقة الشرق الأقصى وسيبيريا.
لقد وضعت الصين خطة لإحياء قواعد الصناعة في الشمال الشرقي،فيما وضعت روسيا خططاً لتنمية الشرق الأقصى،ومنطقة بايكال،وسيبيريا الشرقية الروسية،وأنه من المفيد للدولتين تنسيق التنمية الإقليمية بينهما.
وضمن هذه الأجواء البادية بين التحالف الغربي الأميركي من طرف الذي يبذل جهودا لترميم ما أصاب اقتصاد بلدانه ، والتحالف الروسي الصيني الساعيين  بجد وهمة لتطوير اقتصاد بلديهما   من طرف آخر فمن المستبعد  نشوب حرب كونية لكن حروبا بالوكالة ستظهر حيثما وَجد الطرفان الأجواء المهيأة ، لذلك , أمريكا ذاهبة إلى شرق آسيا،والصين وروسيا ستحميان وجودهما في شرق آسيا،وكردّ لهما سيواجهان الغرب في الشرق الأوسط المنطقة الغنية بالنفط،والمعادلة نسبيا لأواسط آسيا.
وعلى باقي دول العالم الخاضعة للنزاع بفعل موقعها الجغرافي أو مخزونها من الثروات عليهم بناء استراتيجياتهم :على إقامة التكتلات الإقليمية،والإسراع في عمليات التنمية رغم المعوقات التي سيحاول فرضها عليهم،وتلافي الصراعات بين بلدانهم،وكذلك الصراعات الداخلية لأنها البؤر المناسبة لتدخل الأقطاب،وبدء الحروب البديلة التي لا تنتهي إلا بعد تحقق مصالح الأطراف القطبية،وثمن هذه الحروب غالً،ولا فائدة منها للمتحاربين.

الواقع القائم في منطقتنا العربية خير مؤشر ودليل على ذلك،وليس أمام الوطنيين قيادات وشعوبا إلا حلّ تناقضاتهم غير المنطقية عبر التفاهمات المحلية ووفق الأسس الوطنية المُعتمدة،وفي العودة لرفع مستوى التضامن إلى أي شكل وحدوي تعزيزا للروابط القومية والبدء بل الإسراع في بث روح جديدة في مجلس الوحدة الاقتصادية في الجامعة العربية المغيب لأكثر من سبب طال أجله من أجل التكامل الاقتصادي العربي والتنمية المستديمة  والأمن الغذائي  ….الطريق القويم لبناء مستقبل أمتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى