المقالات

بعد حملة الترهيب الاعلامي – السياسي التي طاولتهم شيعة “الربيع العربي” يشعرون اليوم انهم أكثر ثقة بالنفس بقلم اسعد بشارة –

مجموعة من المهدور دمهم، ومن المرشّحين لأن يضافوا إلى اللائحة، التقوا في منزل مالك مروّة في بيت مري.
كان الهدف من اللقاء متابعة تفعيل ما أنشؤوه منذ عام وأسموه على قياس ما يؤمنون به: “تجمّع لبنان المدني”، لكن من الصعب جدّاً بعدما أطلق عليهم “حزب الله” وصف “شيعة فيلتمان”، طالباً منهم تحسّس رقابهم، أن يلتئموا لمناقشة سبلِ تطويرِ سبلِ وأفكارِ وخططِ وآلياتِ… الوصولِ إلى تحقيق المجتمع المدني. وللمفارقة فهُم يطمحون أيضاً إلى التبشير بالمجتمع المدني، من البصرة إلى بيروت ومن القاهرة إلى الرباط، وفي شبه الجزيرة العربية أيضاً.

من الصعب أن يكتفوا بجردة حساب عمّا حقّقوه ولم يحقّقوه خلال عام، فالتهديد الصريح وضعهم في سكّة مواجهة مع قوّة لا يملكون، وللمفارقة، من أدوات المواجهة معها إلّا عصب مشروعهم الذي على أساسه أنشؤوا هذا التجمّع: “المجتمع المدني”.

تلك العبارة التي تحوّلت في زمن الربيع العربي إلى أيقونة التغيير، كأنّها بما تختزنه من قيم تبدأ بإرساء معايير حقوق الإنسان، ولا تنتهي باعتبار الفرد قيمة في مجتمعه، كما لا تختصر بالسعي إلى إرساء المواطنة كهدف أوّل للانطلاق نحو الحداثة، كأنّها هي التي سبّبت هجوم “حزب الله” عليهم، قبل أن يستطيع صوتهم الذي كان خافتاً منذ عامين، أن يتحوّل إلى صدى مسموع داخل طائفة بدأت تسائل الربّان عن صوابية اختيار الاتجاه، وعن المخاطر التي تتجمّع حول السفينة من كلّ جانب، جرّاء ركوب مركب الاستبداد في العالم العربي.

ليسوا كثرة، ولكنّهم أبناء عائلات لها تاريخها، أبناء معمّمين، إعلاميّون، أساتذة جامعات: الشيخ ابراهيم شمس الدين، النائب السابق صلاح الحركة، علي صبري حمادة، مالك مروّة، غالب ياغي، منى فيّاض، حارس سليمان، علي الأمين، مصطفى فحص، وناشطون من آل المقداد لا يفتخرون بالجناح، ولا ببقية الأجنحة.
لا يتوهمون أنّهم الآن قوة شعبية، بل يشعرون أنّهم أكثر ثقة بخياراتهم من “حزب الله”. الحزب في نظرهم يقامر بالطائفة الشيعية، في رهان يخالف مسار التاريخ، أمّا هم فيلاحظون باطمئنان أنّ الأسئلة التي باتت تُطرح داخل الطائفة في الغرف المغلقة، لن يستطيع الحزب الإجابة عنها، لا بحملات التخوين والتحريض على القتل، لحرف الأنظار عن مأزق الرهان على الاستبداد، ولا بشنّ استباق تهويلي أثبت أنّه بات لغة قديمة، لا تصلح لأن تحدّ من تفاقم أزمة خيارات، هي أبعد من مجرّد اعتراض داخل البيت من هذه الشخصية الشيعية أو تلك.

يجاهرون بوجود اتصالات من فوق الطاولة مع الكثير من القوى الإقليمية المؤثرة، مع مصر وتركيا ودول الخليج، ومع قوى المجتمع المدني في العالم العربي. يلخّصون الهدف بسعيهم إلى انتشال الطائفة الشيعية من شرك الارتماء في أحضان الاستبداد، وكلّما اقتربت الثورة السورية (كما الثورة البحرينية التي ناصروها) من تحقيق أهدافها، اقتربوا هم من إقناع بيئتهم، بأنّ نظرية تحالف الأقلّيات، تحوّلت إلى تحالف أنظمة استبداد باسم الأقلّيات، كما اقتربوا من إقناع هذه البيئة بأنّ وهم القوة، بدأ يتبدّد وأنّ ذلك سيؤدّي إلى تدفيع الثمن لمن تبنّى هذا الوهم، ولمن لم يَتبَنَّه.

والأمثلة كثيرة، تبدأ من فقدان السيطرة أمنياً واجتماعياً في المناطق المحمية بقوة السلاح، وتمتد إلى تهديد الاغتراب الشيعي الناشط في كلّ القارات، ولا تنتهي بخطر التعامل مع هذه الطائفة كجالية إيرانية معادية في المنطقة.

وأبلغ دليل ما تعرّض له الحجّاج في سوريا من خطف، كما في العراق من اعتداء، بشكل ناقضَ نظرية أنّ المواطن الشيعي يستطيع الذهاب بسيارته من بيروت إلى طهران من دون خوف، اعتقاداً منه أنّه يمرّ بأرض محور الممانعة، التي تضمن له هذا البعد الحيوي.

على رغم كلّ هذه الثقة بصوابية الخيارات، وتوفّر حدّ معقول من اتّفاق على برنامج عمل، لم يتقدّم “شيعة الربيع العربي”، إلى تشكيل إطار سياسي يصلح لأن يواكب مواكبتهم لحركة التغيير في العالم العربي. قد تكون هجمة “حزب الله” عليهم، من حيث لا يدرون عاملاً مساعداً في تسريع اتصالات بدأت لتشكيل هذا الإطار.

فالسكوت عن هدر الدم سيتطور إلى ما هو أخطر، إن لم يحصل الردّ. وهل من ردّ أفضل من أن يجتمعوا معمّمين وشخصيات وعائلات ونخَب في مشهد واحد، يتخطّى مناقشة الردّ على التهديد بإقامة دعوى جزائية (على أهمّيتها)، إلى تقديم الخيار الشيعي البديل، الذي ينتظر ولادة قيادة تقول بصوت عالٍ لمن يريد أن يسمع: آن أن تصدّقوا أنّنا في زمن الربيع، بل أنّنا نحن الجزء المكوّن لهذا الربيع.
جريدة الجمهورية24/9/2012

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى