المقالات

فجر لخيطان الدروب \ د. قصي الحسين

كتلة من الخيطان هذة الدروب المنتثرة من يد الفجر، في نواحي قرية، نساها خلفه القمر. نستها خلفها الشمس. خيطان دقيقة ضئيلة، هذة الدروب التي تحيك لمة القرية. شعرها المنفوث كآية، بلا مزين. مهمل على كتفيها مثل عروس.

خيطان دروب دقيقة ضئيلة، مبللة بالينابيع. مبللة بالندى. مبللة بالدموع. تكرها يد الفجر، بعيد السحر. ترسمها لأقدام صغيرة. لأقدام ضئيلة. لأقدام نحيلة، خرجت باكرا وراء الحقول. وراء غابة إبتعدت قليلا عن جبين الراعي عند الأصيل. يأخذ قسطه من هبوب النسيمات. يتكئ على زوادة، فيها حليب غيمة، عبرت سهوا فوق عينيه الغافيتين على ضرع نعجة حلوب.

خيطان ضئيلة دقيقة من حرير التراب المعقود بالحجارة الصغيرة، والمزين بعشب الطريق، ترسم الدرب إلى البيادر. إلى نبعة الماء في تلة الخضر. إلى صخرتين تتكئان على دهر غفا على قدميهما. على جدار من سيقان شجر الحور والرمان والعليق. عليقة صعدت إلى رأسها حلزونة من الطريق. وتربون أرعن، من طيونة إنبسطت على الحفة، تنفح العابرين بضوع، فيها من ريح بنات آوى، غادرت مع خيوط الفجر إلى خم قريب.

أي كتلة غزل، هذة الدروب، بين الشعاب وبين الحقول وبين البيوت. تستضيئ باكرا بخيوط الفجر. وتنبسط للأقدام الطرية الحافية. خشنت شيئا فشيئا من بنيات الطريق. تنطلق كل صباح مع الراعي ومنجيرته ونعاجه. والكبش الذي يدل على حوافي الطريق. والحمار الذي يغفو على ظهره الراعي الصغير. والخرج المزين بالشناشيل، كأنها “شناشيل لإبنة الجلبي”. والكلب الذي يشرد في المناحي، ينبح الصخرة العنيدة من بعيد. ويعيد النعاج إلى الإصطفاف في خيط من حرير التراب والحجارة المضيئة مثل فوانيس المعابد، قبل الإستراحة في مروج تسبح للسماء، حتى تحن عليها بذيل ناعم من المطر. من الندى. من نسمة باردة، تبترد بها عروقها، بعد شمس الظهيرة الغائرة في هامة قافلة من السيارة المقبلة من بعيد.

فجر لخيطان الدروب، تخرج من بوابة الدار. ثم تتناثر في جميع الجهات، إلى الكروم. إلى المروج. إلى الحقول. إلى نبعات الصيف العطاش بين أودية، تسلم على بعضها البعض بالراح، بالريحان. وبالصفصاف وبالحور وبالدلب وبشجيرات الدفلى، وبريح الزيزفون. تتناثر في جميع الجهات، إلى جميع الهضبات، إلى السفوح الندية. إلى مطارح الليلك ومضارب الورد والعوسج. ورقيق أوراق الحبق، يفتح نفوس الزائرين. فتخضل النفوس بما يليق.

فجر جديد كل يوم لخيط طريق جديد. تتعدد أيامه، تتعدد خيطانه. تتعدد دروبه. والآنسات على الطريق، بالجرار على الرؤوس، مثل العروس، على مسرح قلعة عظيمة. وحولها تتناثر البيوت الفقيرة والدروب الحزينة، وقبور الذاهبين قبيل الفجر، إلى عطلة القرية، في عيدها. في عرسها. تغسل أوجاعها اليومية، بدموع أزهرت فجرا لخيطان الدروب، والنهر القريب.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى