الأخبار اللبنانية

مداخلة رئيس المنتدى القومي العربي الدكتور محمد المجذوب في اللقاء التضامني مع الرئيس عمر حسن البشير

 

كراون بلازا
سلم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية رسمياً، امس، ما لديه

من عناصر الأدلة الاتهامية الى قضاة المحكمة، تمهيداً لاصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني المتهّم بالتورط في جرائم حرب وابادة جماعية وجرائم ضد الانسانية أرتكبت في اقليم دارفور.
وذكر المدعي العام انه يتوقع صدور قرار التوقيف خلال شهرين او ثلاثة، وهو الوقت اللازم لكي يتمكن القضاة من تحليل الأدلة والموافقة على طلب التوقيف، او رفضه، او طلب المزيد من العناصر.
والأمر المثير للعجب في هذا الصدد ان وزارة الخارجية الامريكية التي تفرّدت وسرّبت، قبل وكالات الانباء العالمية، خبر ادراج اسم الرئيس السوداني في قائمة المطلوبين من قبل المدعي العام، علماً ان الولايات المتحدة قد رفضت الانضمام الى المحكمة، وحرّضت عشرات الدول على عدم الانضمام، وشنت على المحكمة منذ إنشائها حملة شعواء تجلّت في عقدها مع اكثر من ستين دولة ( ومنها دول عربية) اتفاقيات تتعهد هذه الدول فيها بعدم تسليم اي مجرم امريكي موجود في اراضيها الى المحكمة الجنائية اذا ما صدرت مذكرات بملاحقته.
ان ادراج اسماء رؤساء الدول العربية في قائمة المطلوبين دولياً، والمتهمين بارتكاب جرائم حرب وابادة هو، أولاً، قرار سياسي مغلّف بادعاء قضائي. وهو، ثانياً، أمر غريب ومستغرب وغير مسبوق. والغرض منه، في المخططات الامريكية، تحقيق غزو قضائي للمنطقة العربية بعد العجز عن تحقيق غزو سياسي او عسكري.
ويقضي الغزو القضائي بتشويه سمعة الحكومة السودانية، وتأليب الرأي العام العالمي ضدها، واعلان حرب نفسية ضد الرئيس السوداني، وتهيئة الاجواء لفرض انفصال الجنوب بعد استفتاء العام 2011، وتقطيع اوصال السودان، والسيطرة امريكياً واسرائيلياً على ثرواته.
والمؤشرات على هذا المخطط كثيرة: منها اصدار قرار من الحكمة الجنائية الدولية باتهام وزير الداخلية السوداني السابق واعداد خطة، ثم التراجع عنها، لخطف طائرته المتوجهة الى الاراضي المقدسة لاداء فريضة الحج. ومنها تسليح اسرائيل للقيادات المتمردة في دارفور، وتحريض المعارضة السودانية وتأمين دعم الحركة الشعبية في الجنوب لها بغرض القيام بعملية انقلاب ضد نظام الحكم في السودان.
ان تمتع الرؤساء والقيادات في الدول بالحصانة القضائية هي من المبادئ التي أقرتها محكمة العدل الدولية. فمنذ أعوام إتهم وزير خارجية الكونغو بارتكاب جرائم إبادة جماعية، وأصدر القضاء البلجيكي مذكرة بتوقيفه، فاحتجت حكومة الكونغو وأثارت مسألة الحصانة، ورفع الأمر الى محكمة العدل الدولية فحظي بتأييدها.
وأثيرت مسألة الحصانة أمام القضاء البلجيكي لدى اتهام ارييل شارون (وكان رئيساً لحكومة العدو) بارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا. وكان بامكان القضاء البلجيكي القاء القبض عليه في حال قيامه بزيارة الى بلجيكا لولا تدخل الادارة الامريكية وتعديل القانون البلجيكي لصالح شارون.
واذا كان البعض يتساءل عن كيفية اعتقال رئيس صربيا ، ميلوسوفيتش، ومقاضاته قبل وفاته في السجن، فالجواب يتلخص في ان القبض عليه تم بتدبير من الحلف الاطلسي، وقبل تأكيد محكمة العدل الدولية مبدأ حصانة كبار المسؤولين في الدولة.
واذا كان التساؤل يشمل ايضا رئيس ليبريا، تايلور، المعتقل حالياً والمتهم بارتكاب جرائم حرب، فالجواب يتلخص في الحيلة التي دبرتها الولايات المتحدة لاخراجه من بلده الى نيجيريا، ثم تواطؤ الدولتين والقاء القبض عليه وتقديمه الى المحاكمة.
ان الدول الموقعة على نظام روما الصادر في العام 1998 يمكنها اللجوء الى المحكمة الجنائية الدولية. وهذا يعني ان ولايتها لا تمتد الا الى الدول الموقعة على النظام. غير ان مجلس الامن الدولي يمكنه اللجوء الى المحكمة. وفي هذه الحالة تمتد ولاية المحكمة الى دول غير منضمة الى النظام (اي الاتفاقية التي انشأت المحكمة). وبامكان دولة غير منضمة الى النظام قبول قرارات المحكمة في بعض الحالات.
ويقضي مبدأ التكامل القضائي بعدم امكان تدخل المحكمة في قضية ما الا في احدى حالتين: عدم رغبة القضاء الوطني في النظر فيها، او عجز هذا القضاء عن القيام بواجباته.
وليس لاحكام المحكمة مفعول رجعي، فلا يمكنها النظر إلا في الجرائم الدولية التي ارتكبت بعد الأول من تموز 2002، تاريخ دخول نظام المحكمة حيز التنفيذ.
والسودان كمعظم الدول العربية، ليس عضواً في نظام المحكمة. وهذا يعني ان لا ولاية لها عليه. وكان السودان قد رفض في الشهر الماضي ، تسليم اثنين من مسؤوليه اتهما بارتكاب جرائم حرب في دارفور، وصدرت بحقهما مذكرتا توقيف.
صحيح ان من صلاحيات المحكمة اصدار قرارات اتهام والقبض على كبار المجرمين الدوليين، إلا ان التنفيذ العملي لا يتم إلا بتدخل من مجلس الامن الدولي. ولو افترضنا ان المحكمة قررت الاستعانة بمجلس الامن للقبض على اي مسؤول سوداني، فان عدداً من الأعضاء الدائمين في مجلس الامن، ومن بينهم روسيا والصين، سيرفض اي اقتراح من هذا النوع، مستنداً الى مبدأ حصانة الرؤساء وسيادة الدول.
لقد اتيح لنا، منذ سنوات، ان طالبنا بوجوب انضمام الدول العربية الى المحكمة الجنائية الدولية، على أمل التمكن يومها من إحالة المجرمين الاسرائيليين – ولكن اليوم- وبعد ان أثبتت الوقائع عدم مصدقية  هذه المحكمة وخضوعها للتوجيهات الامريكية وتجاهلها جهود حكومة السودان والمجتمع الدولي لاحلال السلام في دارفور الذي يشهد حرباً اهلية منذ سنوات، لا يسعنا الا ان نعلن تراجعنا عن المطالبة بالانضمام الى هذه المحكمة.
ان الولايات المتحدة التي سيطرت على مقررات الامم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية تسعى لوضع يدها على المحكمة الجنائية الدولية وجعلها اداة ابتزاز ترهب بها الدول المتمردة على سطوتها وهمنتها.
ومن تداعيات السخرية ان المحكمة تهتم بملاحقة جرائم الدول الصغيرة او الضعيفة ولا تكترث بجرائم الدول الكبرى التي تعتدي وتحتل وتبيد وتنهب وتدمر دون حساب .
ان تصرف المدعي العام للمحكمة – الجنائية يعرض العدالة الدولية للخطر. ولكن هذه العدالة لن تكون سلعة في ايدي دول استعمارية ابادت سبعين مليوناً من البشر في الحربين العالميتين، واكثر من عشرين مليونا في الحروب والغزوات الاقليمية التي خاضتها، منذ العام 1945، ضد الشعوب البريئة الآمنة.
وفي الخلاصة نطرح تساؤلين: الأول يتعلق بعدم تحرك المدعي العام لأعلى هيئة قضائية جنائية في العالم لمقاضاة الحكام الاسرائيليين الذين ارتكبوا خلال نصف قرن من جرائم العدوان والابادة الجماعية، والتطهير العرقي، واستخدام الاسلحة المحرمة دولياً، ما لم ترتكبه دول العالم منذ عشرات القرون. والثاني يتعلق بموقف الانظمة العربية من هذا التهديد السافر الموجه الى حكامها، والذي يشكل اهانة صارخة لكرامة الامة التي يدّعون الدفاع عنها.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى