لقطات ثورية بأفواه النازحين: روايات تعبق بروح الثورة من لبنان والأردن وتركيا فادي شامية – بقلم : فادي شامية

المستقبل جمعت بعض اللقطات الثورية التي تتكرر بصيغ مختلفة على غير لسان، من لبنان والأردن وتركيا، وذلك أثناء تغطيتها فعاليات خاصة بالنازحين.
أفطر على الكلام – لبنان 1/3
أنه أول أيام شهر رمضان لهذا العام. في بلدة عرمون جنوب بيروت جمعت إحدى الجمعيات الخيرية نحو مئة نازح سوري على مائدة الشهر الفضيل. كل النازحين أطفأوا وخز الجوع عدا رجل خمسيني كان يحدق في طعامه بقدر ما كان الآخرون ينهمون في تناوله. الحزن كان واضحاً عليه، وحركة عينيه كانت تشي بأنه يريد شيئاً.
مع انتهاء الطعام؛ وقف متكلم يصبّر الناس، ويدعوهم لأخذ مساعداتهم، وفق الجداول التي نظمتها الجمعية الخيرية في المنطقة. جاء دور هذا الخمسيني وما زال صحنه غنياً لم يضع في فمه منه شيئا. وقف عبد الله يستحلف أحوج الحاضرين أن يأخذ حصته. كان واضحاً أن هذا الصائم بحاجة إلى الكلام أكثر من الطعام، وقد انتظر دوره ليطلق العنان للسانه.
بعزة ممزوجة بالألم صاح عبد الله بالنساء الحاضرات: استحلفكن بالله أن تكثرن من الدعاء لنا. هذه آخر ليلة لي في لبنان. من يستشهد هناك ليس أفضل ولا أكثر رجولة مني. أنا قدمت ولدين ومستعد أن أقدم روحي، لأجل أن نحفظ بلادنا وكرامتنا، لأجل أن ندافع عن ديننا وأعراضنا…
لم يرحم عبد الله دموع الحاضرين التي تلألات في العيون، فكشف عن إصابة في بطنه: ” في حماة (يقصد مجزرة حماة في العام 1982) أصبت أيام والده المقبور، واليوم لن ندع هذا الولد يكمل ما بدأه أبوه. صدقوني جيشه لم يعد يملك على الأرض شيئاً. كانوا يفرون في شوارع حمص كالفئران، وعما قريب سترون أشياء عجيبة.
وبينما التقط عبد الله أنفاسه؛ توجهت نظراته إلى شاب لبناني ينظم الأفطار: “نحن نشكركم على ما تقدمون، لكن لا قعود للرجال هنا بعد اليوم. هذه نساؤنا أمانة بين أيديكم. في حرب تموز استقبلناكم في بيوتنا؛ فكنا نحن الضيوف وأنتم أصحاب الدار، كنا أهل الدعاء وأنتم أهل الانتصار، لم نفرق في الدين ولا في المذهب ولا في الجنسية، لكن حزب الشيطان (يقصد حزب الله) رد إلينا المعروف؛ فقتل الرجال وانتهك أعراض النساء، وهو ما يزال يؤيد هذا المجرم (يقصد بشار الأسد) ويدوس على مشاعرنا… بسيطة نحن السوريين سنقتلع النظام وأعوانه وشبيحته وننزل حكم الله فيمن ظلمنا بأيدينا، والحمد لله على كل خال، فقد بان الصديق من العدو”!.
ختم عبد الله “خطبته” وقد أوقف هضم الطعام في بطون الحاضرين، بعدما ملأ عيونهم دموعاً. تغلبت عبرات الحاضرين على عباراتهم فسكتوا وأطفالهم… بينما لهج بعضهم بالدعاء على من ظلمهم وعلى من خذلهم أو أسهم في مأساتهم.
شهيد حي – الأردن 2/3
في الأردن عشرات آلاف النازحين والجرحى. هؤلاء نزحوا منذ الطلقات الأولى في درعا. كان معظمهم شيوخاً ونساءً وأطفالاً، ومع تعسكر الثورة، بدأ جرحى الجيش الحر يصلون في العشرات.
في أحد بيوتات الجرحى في عمان، تتراكض الروايات من حول السامع حتى الصمم. ما يدخل أذنيه يشبه كوابيس نائم في ليلة مخيفة.
رواية عبد الله العقاد، الذي يسميه زملاؤه الشهيد الحي، كانت الأقسى. القصة رواها صاحبها بنفسه، وأكمل بعضاً من فصولها زملاؤه الجرحى الذين يقيمون معاً، حيث يعتزمون إطلاق “رابطة جرحى الثورة السورية”.
يقول عبد الله: “قبل يوم رمضان الماضي بيوم واحد، عندما اقتحمت قوات النظام السوري مدينة حماه. سيطر التوجس على سكان المدينة، إلى أن جاءهم خبر انشقاق كتيبة عن الجيش أثناء دخوله حماه، ففتحوا الشوارع وخرجوا مهللين، لكن سرعان ما تبين أن الانشقاق كان وهمياً، ثم بدأ إطلاق النار على الناس”.
اهتم “بطلنا” بسحب الجرحى من الشوارع، وفي أثناء نقل أحدهم عاجلته رصاصة قناص، فأصيب في أعلى الفخذ، وفي أسفل القدم، فخر على الأرض، إلى أن وصل الشبيحة إليه، فقاموا بسحله مئات الأمتار، حتى صارت كل قطعة من جسده تنزف، ثم “كوّموه” فوق مجموعة من الجرحى الآخرين، مدة ساعة، نقلوه بعدها إلى التحقيق… كل ذلك وهو مصاب لم يتلق علاجاً قط.
بعد ساعات من التحقيق والدوس على الجراح، نقلوه إلى المشفى “الوطني”، وهناك كانت المفاجأة، إذ لم يكن المشفى للعلاج، وإنما لمزيد من التعذيب، من قبل عناصر غير وطنية. رأى عبد الله شاباً يافعاً وقد أُطلق عليه النار في رواق المشفى لأنه أطلق صيحات التكبير، ورأى أيضاً كيف فصل الضابط الإيراني رأس ذلك الشاب عن جسده، قبل أن يلفظ أنفاسه، وسمع أيضاً كيف أطلق النيران تالياً على الجميع، بمن فيهم هو حيث أصيب في بطنه. تراكمت الإصابات فوق بعضها، وأفقدت “بطلنا” الوعي وسط جثث القتلى، فنُقل مع رفاقه إلى البرادات تمهيداً لدفنهم جماعياً.
بقي عبد الله في البراد أربع ساعات، لكن واحداً من أهالي الحي الذي يسكن فيه تعرّف عليه، وأراد تسليم الجثمان إلى ذويه، لقاء بدل مالي يُدفع للشبيحة. تمت الصفقة، وباعوه جثة هامدة، لكن القدر شاء أن يفيق من غيبوبته بعد استلام أهله له، وقبل دفنه… قليل من الإسعافات الأولية في المشفى الميداني أنقذت حياته، لكن حجم الإصابات تطلب أياماً إضافية، لاستقرار الحالة. بعد نحو شهر تمكن آخرون من نقله إلى الأردن لمتابعة العلاج.
في عمان حيث يقيم، يمكن لعبد الله أن يقف على رجليه، لكنه يعاني من هبوط في القدم يسبب له العرج، كما يعاني من صعوبة تحريك قدمه، وهو يضطر إلى تفريغ أمعائه بواسطة آلة، وفي أحد طرفيه كسور لم تبرأ، لكنه يقول: “لو أتمكن من العودة فسأعود… هذه المرة لن أتظاهر سلمياً بل سأحمل السلاح حتى الشهادة أو النصر”!.
حين بكت صخور جبل الزاوية– تركيا- مخيم بخشين 3/3
لم يكن الدخول إلى مخيم تعيس الحال؛ اسمه بخشين في إقليم هاتاي التركي مهمة سهلة. في العقل الأمني التركي هذا ممنوع. أبو خالد رجل سوري لجأ إلى تركيا هرباً من مجازر والد بشار في ثمانينات القرن الماضي؛ استطاع اقناع الضابط التركي المسؤول عن المخيم أن يُدخل وفداً زائراً من إحدى الدول الخليجية. اشترط الضابط عدم التصوير؛ لكن الوفد اقتنص بعض الصور هناك.
في مخيمات الحدود التركية- السورية يمتزج شكر الأتراك بذكر المطالب المتعددة. لا يميز النازحون في جنسية من يأتيهم؛ يحسبونهم جميعاً أتراك أرسلتهم الحكومة، فتبدأ المطالبات بتحسين الطعام، وظروف العيش، والشكوى من “بعض الأطباء في إقليم هاتاي ممن يسيئون إلينا لأسباب مذهبية” (إقليم هاتاي فيه نسبة عربية كبيرة ينتمي إلى الطائفة العلوية). وسط هذا الجو الضاغط؛ جالت المستقبل بين الخيام… وسمعت روايات أهلها. بعد كل رواية مجزرة، كان الراوي يسأل عن السلاح: “نحن لا نريد سواه لاستعادة كرامتنا”.
كان واضحاً أن الأهم من بين الروايات التي ذُكرت؛ تلك التي تروي ما جرى في جبل الزاوية في 20 كانون الأول الماضي: مجزرة جبل الزاوية الرهيبة والموثقة بالصور.
ما وراه محمد كان أقرب إلى الصور التي عُرضت. لم يدرِ محمد بعد كيف استطاع جيش النظام السوري من اكتشاف السهل الذي كان يختبىء فيه عشرات المنشقين عن الجيش. في تلك الليلة الباردة، شن الجيش حملة مدفعية رهيبة. كان عشرات المنشقين وشباب البلدة يختبئون في الوادي تحت القصف، أتبع ذلك وصول الآليات العسكرية إليهم. خطأهم القاتل أنهم انحصروا في مكان وعر؛ ما بين تلة صخرية ووادٍ سحيق. من خانه رشده أو عاجله خوفه رمى نفسه في الوادي، والغالبية استسلمت فراحت ضحية النيران. لم يكتف الجيش “المغوار” بذلك، فبعد المعركة هاجم سكان بلدة كفرعويد. ذبح أحد الجنود الشرسين إمام البلدة أحمد الضاهر بحربة البندقية ومثّل بجثته، وإلى جانبه قتلَ شباباً في ربيع الحياة، أو شيوخاً لم يدفع وقار شيبتهم عنهم غرز السكاكين.
أقل من مئة قتيل بقليل كانت حصيلة المجزرة التي تكشّف هولها مع ساعات الصباح. جمع أهالي البلدة الضحايا، ونزل بعضهم إلى الوادي لسحب جثث الشهداء. كان المشهد فظيعاً. محمد لم ينس مشهد الجثث المكدسة في مسجد البلدة، ولا نحيب النساء حولها. أقارب محمد كانوا بينهم. حدّق فيهم حابساً دموعه، وما لبث أن انهار.
ما رواه محمد لم يكن إلا شرحاً لصور سبق أن شاهد فظاعتها العالم، دون أن يدرك كيف حصلت. لدى محمد لا بديل عن الانتقام. عندما تحدثه عن “المجلس الوطني” أو “أصدقاء سوريا” يبتسم هازئاً… وحدها عمليات “الجيش الحر” تعنيه، وقد غادر المخيم مرتين للاشتراك في القتال ثم عاد، وهو على وشك المغادرة… ووصيته ألا يساوم أحد على التعجيل بالنصر برحيل بشار الأسد آمناً إلى أي منفى. “وحده مقتل رأس النظام يهدىء نار الغضب المشتعلة منذ بدء الثورة”.
المستقبل


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development