المقالات
هل يعيد التاريخ نفسه؟ بقلم: معن بشور

بعد تلك العمليات والمجازر التي رافقتها، توجه جمال عبد الناصر في اوائل عام 1955 نحو الغرب للتزود بالسلاح للدفاع عن غزة ومصر فلم يجد في عواصم الغرب آذاناً صاغية، فاتخذ قراره التاريخي بكسر احتكار السلاح وعقد صفقة لشراء الاسلحة مع تشيكوسلوفاكيا عام 1955 التي كانت يومها دولة موحدة وفاعلة في دول المنظومة الشيوعية.
اثار قرار مصر بالتسلح من المعسكر الشيوعي حفيظة الغرب، فأوقفت واشنطن وحلفائها تمويل البنك الدولي للسد العالي، فكان رد ناصر بتأميم قناة السويس في تموز 1956 فهبت الأمة العربية لنصرة شعب مصر وكانت تلك المعركة، بشهادة كثيرين، شرارة ألهبت المد القومي العربي الذي توجته الوحدة المصرية السورية بعد عام ونيف على حرب السويس في 22 شباط 1958، بعد ان كان حزب البعث على لسان مؤسسه ميشيل عفلق قد دعا في 17 نيسان 1956 إلى اتحاد بين مصر وسوريا واشترط ورود هذا المطلب في أي بيان وزاري قبل مشاركته في الحكومة الائتلافية التي شكلها آنذاك صبري العسلي.
فهل يعيد التاريخ نفسه مع هذا الاحتدام العسكري والسياسي الذي تشهده غزة من جهة، وحدود مصر مع فلسطين المحتلة من جهة ثانية، ومحيط السفارة الاسرائيلية في القاهرة.
سؤال ينعش آمال العرب ومعهم احرار العالم، ويقض مضاجع تل أبيب ومعها كل حلفائها، وتعززه ارادة متنامية لشعب في مصر تحرر من القيود، ولجيش حافظ على عقيدة عسكرية ظلت تعتبر الكيان الصهيوني عدواً رغم كل عقود كمب ديفيد وعهوده.
واذا كانت تحوّلات النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي قد برزت في ظل تحول في موازين القوى الدولية تجلى بتراجع نفوذ امبراطوب الاستعمار القديم (بريطانيا وفرنسا)، وجاءت حرب السويس لتعلن انتهاء عصريهما، فان تحولات العقد الأول من القرن الحالي تشي بتراجع نفوذ امبراطورية الاستعمار الجديد (الولايات المتحدة) مع تعاظم ازمة بنيوية عميقة تطال النظام الأمريكي بكل جوانبه الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية والاخلاقية.
وكما حاولت امبرطوريتا الاستعمار القديم ان تخفي قبل نصف قرن ونيّف مصيرهما المتهافت المحتوم بالغطرسة والعنجهية وشن الحروب الاستعمارية على شعوب تعتقد انها ضعيفة، فان امبراطورية الاستعمار الجديد تسلك الطريق ذاته أي طريق الغطرسة والعنجهية وشن الحروب الاستعمارية وممارسة الضغوط السياسية والاعلامية والاقتصادية والقانونية وهو طريق لم ينجح في اطالة عمر الاستعمار القديم، كما لن ينجح في اطالة عمر الاستعمار الجديد.
وكما وقعت امبراطوريتا الاستعمار القديم في مأزق التوفيق بين طموحاتهما الاستعمارية الواسعة وبين قدراتهما الاقتصادية والاستراتيجية المحدودة مما سرّع في وتيرة تراجعهما، تواجه اليوم امبراطورية الاستعمار الجديد مأزقاً اكثر خطورة حيث بات على الادارة الأمريكية، كما على امتدادها الصهيوني، ان تختار بين تقليص انفاق عسكري متمادٍ لضرورات السيطرة على العالم وبين تقليص الإنفاق على الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية بكل ما يقود اليه هذا التقليص من تفجرات اجتماعية واقتصاية شهدت شوارع المدن البريطانية نماذج بسيطة منها.
الفرصة اذن متاحة لكي تخطو مصر 25 يناير خطوات جديدة على طريق مصر 23 يوليو، مصر الاستقلال والسيادة والكرامة والدور الوطني والقومي الحافظ لأمنها، المعزز لوحدتها، الداعم لتنميتها، بل خطوات على طريق قيادة مسيرة وحدوية عربية مع اكثر من قطر عربي لا سيّما مع سوريا وليبيا واليمن، فتقطع بذلك دابر التدخل الاستعماري وفي هذه الأقطار ، وتشق الطريق أمام نهضة عربية جديدة تنبعث من قلب ركام التردي والتشرذم والتمزق في الأمة.
أما أهل اليأس من مصر وشعبها وجيشها قبل ثورة يناير، ولأهل التشكيك بمسار هذه الثورة اليوم وتطورها بالاتجاه السليم، فإننا نذكرهم بأن القاهرة التي كان حكامها يتباهون قبل عام ببناء “جدار فولاذي” يحكم الحصار على غزة، باتت شوارعها اليوم ممثلة بالجماهير الرافضة لعدوان الصهاينة على أرضهم وجيشهم، والمتضامنة مع غزة الجريحة وهي تقدم الشهيد تلو الشهيد من أبنائها ومناضليها وقادتها الشجعان وآخرهم قادة لجان المقاومة الشعبية وقوات الناصر صلاح الدين.

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development