يامن…! – بقلم : حسين جمعه

سألني : هل أستطيع العلاج عندكم؟؟؟
قلت له : طبعاً تستطيع ذلك…!.
مدَّ يده بثقل ، وجسده مائلٌ إلى الاصفرار ، عارضاً نتائج فحوصاته…,قرأت:
الإسم: يامن
العمر: ثلاثة عشرة عاماً ،
وكانت أولى النتائج التى لمحتها, نتيجة فحص السُّكر في الدَّم ، حيث كانت تشير إلى ال (420)ملغ/ليتر!!!
صُدِمت لهول ما أرى وعرفت أن الذي أمامي ،هو حالة استثنائية ، ويحتاج إلى رعاية ومراقبة دقيقه لصغر سنه أولاً ، وللصدمة والرعب اللتين حضر مسربلاً بهما إلى نافذة الصيدلية!!!
كان يحمل بيده المرتجفة رغيفاً من الخبز,يحتوي بينَ طبقتيه شيئاً من فطور الصباح على أمل إجراء بعض الفحوصات الطبية له فيما لو تمكن من العلاج أو إجراء اختبار لمستوى السكر في الدم!!!
خرجت مسرعاً وأخذته بيدي حيث طبيب المركز والممرضة المسؤولة عن مرضى السكري ، وفي أقل من ساعة تم إرساله الى المختبر لنحصل على الفحوصات العامة والشاملة ونكون أمام صورة واضحة عن ابن الثلاثة عشر ربيعاً ، والقادم إلينا مع جيرانه النازحين من المخيم قاصداً مدينة بعلبك ليلتقي بأمه التي احتضنته بقوة والدموع تلف وجهها الحزين وكأنها تؤكد وتقول وتعاهد الجميع بانها لن تتركه بعد اليوم ابداً!!! .
هذا هو شعبي المعذب والمرتحل من مخيم الى آخر,يحمل عبر خطوط وجهه والمرسومة على جبينه أثقالاً وأثقالاً من أحمالِ و أتعابِ السنين…سنين القهر والعذاب!!!.
خطوط تروي وتحكي لغة ربما عجز الكثير من أبناء لغة الضاد عن فهمها وتفسير عقدها المركبة والشائكة لشعب أطفاله يدفنون أحلامهم قبل أن تولد,وترسم على وجوههم لغة جديدة هي لغة الصد والقهر والترحال من جديد…!.
قدمت له العلاج الموصوف من حقن الأنسولين والمنشطات وبعض العلاجات اللازمة و من دون شك ، قدمنا له الدعم اللازم وعرضت له ، مُبيِّناً أنَّ هناك الكثير من من الصغار الذين يعانون من داء السكري ، لأخفف عنه وعن أمه ,وبأنه ليس وحيداً ، وطلبت منه أن يزورني بعد ثلاثة أيام لأبقى على تواصل واطلاع على حالته…!.
عاد يامن بعد ثلاثة أيام كما أحب أن أراه منتعشاً,فرحاً وأقوى مما كان عليه في المرة الأولى وتأكدت بأنه أصبح يستطيع أن يخطو خطواته معتمداً على نفسه ومستوعباً ما جرى ويجري ,ناظراً إلى الافق البعيد يستجدي الأمل وذكرياته المندثرة والمبعثرة في يرموكه النازف الحزين!!!.
عاد يامن يقبع في مخيم جديد,يحمل معه مآسيَ جديدةً ومستجدةً ، وعاد يستذكر ما روي له على لسان آبائه وأجداده من قبل ، عن نكبة ونكسة ظنُّوا للحظةٍ بأنها لن تتكرر ، و لن تعود ، وأنها قصة مثل غيرها من القصص القديمة تروى للتسلية وتمضية الوقت!!! . إلا أن هذا الشعب الجبار والذي اعتاد ان يقلب المجازر والألم إلى فرح ، ويزفها إلى العالم أملاً بغد أفضل,هذا الشعب ما زال مبتسماً في وجه جراحه النازفة كل يوم وكأنه محكوم عليها أن لا تلتئم أبدا,وأمام مشهد انهيار مخيماته,من تل الزعتر إلى نهر البارد وجنين…، والحكاية تطول يا ابن لغتي ومخيم اليرموك …يامن…!.
حسين جمعه
[email protected]

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development