المقالات

“بائع الفجل” وكأنك ما غزيت يا بو عزيزي – بقلم: زياد علوش

طارق الطيب محمد البوعزيزي،شاب تونسي،اضرم النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد (سنة)2010 احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية لعربة كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه، وللتنديد برفض سلطات المحافظة قبول شكوى أراد تقديمها في حق الشرطية فادية حمدي التي صفعته أمام الملأ وقالت له ارحل فأصبحت هذه الكلمة شعار (الثورة) التي اطاحت بالديكتاتور بن علي.
أما البوعزيزي فقد توفي بعد 18 يوماً من إشعاله النار التي لا تزال مضطرمة حتى الآن في اكثر من بلد عربي يوقد لها جثث وهام.

صادرت الشرطية فادية حمدي بضاعة البوعزيزي من الفجل وخلافه ووضعت أول سلة في سيارتها وعندما شرعت في حمل السلة الثانية اعترضها البوعزيزي، فدفعته وضربته بهراوتها. ثم حاولت الشرطية أن تأخذ ميزان البوعزيزي الذي اختل اساساً لصالح الطاغوت وجنوده، وحاول مرة أخرى منعها، عندها دفعته هي ورفيقاها فأوقعوه أرضًا وأخذوا الميزان. بعد ذلك قامت الشرطية بتوجيه صفعة للبوعزيزي على وجهه أمام حوالي 50 شاهدا. عندها عزّت على البوعزيزي نفسه وانفجر يبكي من شدة الخجل، صاح البوعزيزي بالشرطية قائلا: “لماذا تفعلين هذا بي؟ أنا إنسان بسيط، لا أريد سوى أن أعمل

حاول أن يلتقى البوعزيزي بأحد المسؤولين لكن دون جدوى. ثم عاد إلى السوق وأخبر زملاءه الباعة بأنه سوف يشعل النار في نفسه ولكنهم لم يأخذوا كلامه على محمل الجد. وقف البوعزي أمام مبنى البلدية وسكب على نفسه مخفف الأصباغ (ثنر) وأضرم النار في جسده. اشتعلت النيران، وأسرع الناس وأحضروا طفايات الحريق ولكنها كانت فارغة. اتصلوا بالشرطة، لكن لم يأت أحد. ولم تصل سيارة الإسعاف إلا بعد ساعة ونصف من إشعال البوعزيزي النار في نفسه ليتم نقله إلى مركز الإصابات والحروق البليغة ببنعروس, حيث زاره زين العابدين بن علي في محاولة لتهدئة الأوضاع وإمتصاص الغضب الشعبي. من جانبها نفت الشرطية فادية حمدي صفعها للبوعزيزي وأصرت على براءتها
أجبرت هذه الانتفاضة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي -الذي حكم البلاد بقبضةٍ حديدية طيلة 23 سنة- على التنحي عن السلطة والهروب من البلاد خِلسةً قبل ان يعود مزهواً على اجنحة الثورة المضادة.

رفض سالم أخ محمد البوعزيزي عرضان من رجلي أعمال خليجيين لشراء عربة شقيقه التي كان يبيع عليها الفواكه بلغ أحداهما 20 ألف دولار أمريكي.” لذلك ينصح ورثة اصحاب عربات الفجل الطرابلسية بالاهتمام والاحتفاظ بها علها تكون يوماً معلماً ثورياً حضارياً او رقما معتبراً.

اليوم غضب (عارم) طغا على وسائل التواصل الاجتماعي في لبنان . حدث ذلك عقب مصادرة قوى الأمن الداخلي، عربة “فجل” تعود لأحد المواطنين في طرابلس المدينة الأكثر فقراً وتهميشاً..، بسبب عدم امتلاكه تصريحاً،على ذمة (الفايسبوكيين).

انها جمهورية “المسخرة” يا عزيزي،التبرير..لبنان بلد غير مستقر.. ويعتمد اقتصاده على عدد من الأرانب التي تستل من تحت اكمام الطبقة السياسية الثرية والفاسدة.

ليس هناك من إمبراطوريات للفجل بالطبع، ولا للزراعة حصراً، انما يسمح النظام اللبناني الهش ببناء جميع انواع المستعمرات والمربعات الخاصة، وعوضاً عن الفجل، تنتج هذه المستعمرات الموت والفساد، ومحصولها مادي بإمتياز، من مستعمرات السلاح المتفلت، والمخدرات، الى النهب والسرقة. خذ مثلاً مستعمرة المطار مزرعة الفساد والتهريب، ومزرعة المرفأ مرتع النصابين، ومستعمرات الأدوية الفاسدة، الى ما هنالك من مربعات متفلتة تزرع الموت وتحصد المال.

لكن يحدث ان تحضر (الدولة)، لتتنمر على بائع فجل بسيط لا تتجاوز قيمة كل بضاعته مبلغ 20 الف ليرة (13 دولار)او على رجل يجهد ليستر عورة انكشافه ببناء غرفة في بلدة نائية.. فتستذكر جمهورية الفجل هيبتها، وتهب للدفاع عن سيادة القانون،فتنكل بأساسات الغرفة (فك الخشب) او تصادر العربة وتتلف محتوياتها بحجة غياب الرخصة.

في جمهورية الفجل الممنوع، لا يحتاج الأر بي جي الى رخصة، ولا الموت المجاني الى مبرر… انما الفجل! لعن الله الفجل، استحال آفة مجتمعية يستدعي استحضار عناصر الأمن لمصادرته واتلافه

تقول النكتة المتداولة، انه في احدى المرات امسك الأمن بمواطن يقضم فجلة، ولما هموا بتوقيفه قال هذه مخدرات، فتركوه في حال سبيله.

ادميت قلوبنا يا بائع الفجل المتجول انك لا تقدر النعمة التي تعيش بها حيث ان الدولة اللبنانية تؤمن لك السكن والمعاش والضمان الصحي والتعليمي لابناءك ولكنك بكل وقاحة نزلت بعربة الفجل لتضاعف ثروتك المشبوهة رغماً عن القانون.

نحن لا نعرف اسمك يا بائع الفجل ولا طائفتك لكن نعرف حزنك وحيثيات القضية تفضح هويتك الإجتماعية والإنسانية.

ايها الفاشوش العربي..انت مظلوم حيا وميتا في الاحكام العجيبة، ظالما تارة وغبيا تارة أخرى..

حُكي أن شخصاً شكا “لقراقوش” مماطلة غريمه، فقال له المدين: “يامولانا، إني رجل فقير، وإذا حصلت شيئا له، لاأجده، فإذا صـرفته جاء وطالبني”. فقال قراقوش : “احبسوا صاحب الحق، حتى يصير المديون إذا حصل شيئاً يجد له موضعاً معلوماً، يدفع له فيه”. فقال صاحب الحق: “تركت أجري على الله” ومضى.

كاتب واعلامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى