المقالات

تَأَمُّلَاتٌ وِجْدَانِيَّةٌ فِي السُّلُوكِ الْإِنْسَانِيِّالتَّسْوِيفُ: صِدقُ الْعَاجِزِ أَمْ كَذِبُ الْخَادِعِ

بِقَلَمِ أ.د.غَازِي قَانْصُو

التَّسْوِيفُ، ظَاهِرَةٌ سُلُوكِيَّةٌ تُرَافِقُ الْإِنْسَانَ فِي مَحَطَّاتِ حَيَاتِهِ، هِيَ أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ تَأْجِيلٍ لِلْأُمُورِ، إِنَّهَا أُنْمُوذَجٌ مِنْ الْفَشَلِ الذَّاتِيِّ يَتَسَرَّبُ بِبُطْءٍ إِلَى رُوحِ الْإِنْسَانِ وَيَتَسَلَّلُ إِلَى نَسِيجِ تَفْكِيرِهِ.

يُمْكِنُ تَعْرِيفُ التَّسْوِيفِ بِأَنَّهُ تَأْجِيلٌ أَوْ تَأْخِيرُ الْقِيَامِ بِالْمَهَامِّ أَوْ اتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ والوُعُودِ والمَواثيقِ، وَمَعَ بَسَاطَةِ ظَاهِرِ الْمَعْنَى إِلَّا أَنَّ الْأَثَرَ الَّذِي يَتْرُكُهُ التَّسْوِيفُ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ اللَّحْظَةِ الْحَالِيَّةِ.

إِنَّ دَوَافِعَ التَّسْوِيفِ تَتَنَوَّعُ، حَيْثُ تَمْتَزِجُ مَشَاعِرُ الْخَوْفِ مِنْ الْفَشَلِ وَالتَّرَدُّدِ فِي اتِّخَاذِ الْخُطُوَاتِ مَعَ الرَّغْبَةِ فِي تَجَنُّبِ الْمَسْؤُولِيَّة. وَهِيَ فِي جَوَانِبَ اُخْرَى تَتْرُوَاحُ مَا بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَالْأَمَانَةِ وَالِاحتِيَالِ، وًالْجِدِّيَّةِ وَالِاسْتِهْتَار، والوَفاءِ والخداعِ.

هذا، وَيُعْتَبَرُ التَّسْوِيفُ نِتَاجًا لِتَفْكِيرٍ يَفْتَقِرُ إِلَى الثِّقَةِ الذَّاتِيَّةِ، حَيْثُ يَتَّخِذُ الْفَرْدُ مَوْقِفًا تُجَاهَ نَفْسِهِ يَتَّسِمُ بِالتَّشْكِيكِ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّصَدِّي لِلْمَسْؤُولِيَّاتِ.

وَنَتَائِجُ التَّسْوِيفِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْفَشَلِ الظَّاهِرِيِّ فِي إِنْجَازِ الْمَهَامِّ، بَلْ تَتَعَدَّى ذَلِكَ لِتَمَسَّ الْبُعْدَ الِاجْتِمَاعِيِّ؛ يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ التَّسْوِيفُ إِلَى فِقْدَانِ الثِّقَةِ مِنْ قِبَلِ الْآخَرِينَ، حَيْثُ يُعْتَبَرُ الشَّخْصُ الْمُسَوِّفُ مُسْتَهْتِرًا أَوْ غَيْرَ جَادٍّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الِالْتِزَامَاتِ. فَالثِّقَةُ وَالِاحْتِرَامُ يَنْهَارَانِ تَحْتَ وَطْأَةِ سُلُوكِ التَّسْوِيفِ، مِمَّا يُعَقِّدُ عَلَاقَاتِهِ الشَّخْصِيَّةَ وَالْمِهْنِيَّةَ.

لِلتَّغَلُّبِ عَلَى التَّسْوِيفِ، على الْإِنْسَانِ أَنْ يَبْنِيَ ثِقَتَهُ الذَّاتِيَّةَ، وَيُدْرِكَ أَنَّ التَّحَدِّيَاتِ وَالْمَسْؤُولِيَّاتِ وَالْمَهَامَّ هِيَ فُرَصٌ لِلتَّطَوُّرِ الْمِهْنِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ. بِالتَّالِي، يَنْبَغِي تَعْزِيزُ الثِّقَةِ بِالنَّفْسِ وَاسْتِخْدَامُ الْوَقْتِ بِفَعَالِيَّةٍ لِتَعزِيزِ الأداءِ وتَجوِيدِهِ وَتَعْمِيقِ الْعَلَاقَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.

يُفَضَّلُ أَنْ يَتَعَامَلَ النَّاسُ مَعَ الْمُتَسَوِّفِ بِفَهْمٍ وَتَحْفِيزٍ إِيجَابِيٍّ، حَيْثُ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ التَّسْوِيفِ نَتِيجَةً لِتَحَدِّيَاتٍ دَاخِلِيَّةٍ، غالِبًا ما تكُونُ نَفْسِيَّةً، يُوَاجِهُهَا الْفَرْدُ فِي نفسِهِ.
وَمِنَ الْجَيِّدِ، إذا أمكَنَ، تَقْدِيمُ الدَّعْمِ وَالتَّشْجِيعِ لِلْمُسَاعَدَةِ فِي التَّغَلُّبِ عَلَى هَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ والمَسؤولِيّاتِ بَدَلًا مِنَ التَّهَكُّمِ أَوْ التَّقْيِيمِ السَّلْبِيِّ، فَمنَ الأفضَلِ أن نَعْمِدَ الَى التَّفَهُّمِ اذَا اسْتَطَعْنَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، كَمَا نُقَدِّمُ لَهُ يَدَ الْمُسَاعَدَةِ بِشَكْلٍ لَطِيفٍ وَمُحْتَرَمٍ، فَقَدْ يَكُونُ الْفَرْدُ بِحَاجَةٍ إِلَى دَعْمٍ إِضَافِيٍّ لِتَحْفِيزِهِ عَلَى التَّحَرُّكِ نَحْوَ أَهْدَافِهِ.
وَنُحَاوِلُ أَنْ نَحُثَّهُ عَلَى التَّفْكِيرِ الْإِيجَابِيِّ وَتَحْفِيزِهِ بِشَكْلٍ مُسْتَمِرٍّ، فَالدَّعْمُ الْإِيجَابِيُّ يُمْكِنُ أَنْ يَلْعَبَ دَوْرًا كَبِيرًا فِي تَحْفِيزِ الْفَرْدِ لِلتَّغَلُّبِ عَلَى التَّسْوِيفِ.

كَذَلِكَ، نُوَضِّحُ لِلشَّخصِ الْآثَارَ السَّلْبِيَّةَ لِلتَّسْوِيفِ، الَّتِي أهَمُّهَا سُقُوطُهُ الِاعْتِبَارِيُّ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، وَعَدَمُ ثِقَتِهِمْ بِهِ، وَرَفْضُهِمْ التَّعَامُلَ مَعَهُ، لِذلكَ على الْفَرْدِ أنْ يُدْرِكَ أَهَمِّيَّةَ التَّحَرُّكِ الْفَعّالِ وَالْوُقُوفِ أَمَامَ مَسْؤُولِيَّاتِهِ وَمَهَامِّهِ بِشَكْلٍ بِنّاءٍ
فنُسَاعِدهُ فِي تَحْدِيدِ أَهْدَافٍ وَاضِحَةٍ وَوَاقِعِيَّةٍ، لَا سِيَّمَا اذَا كَانَ صَادِقًا، فَالتَّسْوِيفُ لَدَيْهِ هُوَ تَسْوِيفُ الْعَاجِزِ، وَنُقَدِّمُ إِلَيْهِ خُطَطًا لِتَحْقِيقِ تِلْكَ الْأَهْدَافِ.
ونَعْتَمِدُ الْمُرُونَةَ فِي التَّعَامُلِ مَعَهُ، قَدْرَ الِامْكَانِ، بِشَكْلٍ لَا يَزِيدُ التَّسْوِيفَ لَدَيْهِ، فَالْمُرُونَةُ قَدْ تُسْهِمُ فِي إِيجَادِ حُلُولٍ تُنَاسِبُ الْفَرْدَ وَتُسَاعِدُهُ فِي التَّغَلُّبِ عَلَى التَّسْوِيفِ.

أَخِيرًا، يَكُونُ التَّعَامُلُ مَعَ الْمُسَوِّفِ بِفَهْمٍ يُظْهَرُ لَهُ أَنَّ هُنَاكَ فُرْصَةً لِلتَّحَسُّنِ وَالالتِزَامِ دُونَ التَّقْيِيمِ السَّلْبِيِّ أَوْ الِانْتِقَاصِ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا اصْلَحْنَا حَالَهُ، فلعل تسويفَهُ كان عن عجزٍ وقُصُورٍ وَانْ كَانَ كَاذِبًا فَلَنْ يَسْلُكَ الَا مَزيدًا فِي طَرِيقِ الْخِدَاعِ، فإنّه خادعٌ مراوغٌ يُجيدُ الكَذِبَ بأساليبَ مُتعددةٍ. لِذَلِكَ عَلَيْنَا تَوَخِّي الْحَذَرِ.
وأختمُ بالحديثِينِ الشريفِين:
قالَ رسولُ اللَّهِ النبيُّ محمدٌ (صلى اللهُ عليه و آله):
يا أبا ذَرٍّ، إيّاكَ والتَّسويفَ بِأمَلِكَ، فإنَّكَ بِيَومِكَ ولَستَ بما بَعدَهُ،..
وقالَ الإمامُ مُحَمّد الباقر ابن الإمام زين العابدين (عليهما السلام):
إيّاكَ والتَّسويفَ؛ فإنّهُ بَحرٌ يَغرَقُ فيهِ الهَلْكى‏.

مَعَ تَحِيَاتِي.
أ.د.غَازِي قَانْصُو
الثُّلاثاءُ فِي ١٢-١٢-٢٠٢٣

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى