غيظ الأيام كتب: عبد السلام الفري \ الولايات المتحدة الاميريكية

لم أكن أعلم قط أن للأيام غيظاً أقبح من غيظ الرجال
تغدقني من هنا مالاً و من هنالك جاهاً
و حين تستفرد بي تزج بي قلب دوامتها
و لا تنزعج
تظل تبعثر أوراقي
تعبث بأوتاري
فتمسك بها مسكاً كأنما كلب عقور
قلب البراري يطارده البارود
تتعقبني عند كل بشرى عزيزة
تسلبني الأهل و الأحباب و شرايين الوطن
و تُشهر في وجهي حيادا جافّاً
إذا ما احتميت بها و لا أعنيها
لا لي سلطة على تعاقبها
فأحدد أنا التواريخ لا هي
و لستُ بمن يُجيد التوسل علها تتدلل
فتخرجني من حساباتها حتى لا تعود لي بها ذكرى
لكم تعاقبت أيام علي أكاد لا أسميها
تُسلّمني هذه لتلك
و يظل يدور بي المكان بالمكان
تمر علي الأعوام و لا تسلّم فأوجس خيفة منها
أتعجل العمر ابتغاء انصرافها
فلا أنا بذي قرنين فتستقيم لي
ولا لي من فرعون هاماناً
لكنت قطّعت أطرافها من خلاف
ليت لي بها قوة
لكنت بعثرتها كما بعثرتني
ليت لي ركنا شديدا آوي إليه
حتى لا تعلم عنواني
ها هي الليلةَ
على غير العادة قد حلّت تعتلي ظهر السحاب
تلتحف ما طاب لها من شراشيفي
و ذبيب سنين قضت قضيت يوماً على نفسي ألا أواريها
فغارت عليّ بجحافلها و فتحت كل مغاوري
لتجتاح ما تبقى من حملتها الأخيرة
إلى أين أسير؟
أنا الأسير في قبضة غريب أعمى
يشكو الليل ظلمة الليل العسير
فالهجر أرقني و الدرب أوحشني
و الركن الواحد الأحد والنوم و القرآن و القلم
و الذاهبات إلى فرن حيّنا ومنهن العائدات
طعامي اليوم خبز معلب
يُستحسن استهلاكه قبل فوات الأوان
بينما خبز أمي رغم السنين العجاف أبداً لا يموت
شرابي اليوم ماء مجفف بداعي العدوى
و ماء بئرنا رغم الزغلال
زلال
مقعدي
و أنا أعتلي رأس الدرب
و جهلي ألاعيب الأيام و كيدها
و ركضي بين الدروب
أخط السراديب على التراب خطاً فور انقطاع المطر
أركب الطريق الذي ترسمه لي السهام
حتى صرت كما سارت أسير
عودتي إلى الحارة آخر الأسبوع
و عيون بنات الحي ترقبني
و أنا عيني دوما صوب السهام
وراء الحصن المشيّد تعالياً من خالٍ لا خلا الجمع منه
و الجامع الحسني
و صوت الأذان يصدع بين أرجاء الحي العتيق
و وِرد أبي في الثلث الأخير يتحدى الليل يدكه شكاوى
أبي و قهوته السوداء بُعيد صلاة الفجر
على الجمر تفوح نكهتها البرازيلية منذ الفلق الأول
و قد اعتلى رأس حصان أسود علبتها الصفراء
ها قد مر الحول علي يا أبي منذ صلاتنا الأخيرة
و أنا على عهدك ما استطعت
في الغرب مجهول
وفي الشرق مجهول مجهول
إذا هجرت قومي مجهول
وإذا عدت إليهم فبالثلاث مجهول
تأكل الأيام مني أكلا
فقصص شهدت نهاياتها قبل الأوان
و أخرى طواها النسيان
و قصص ما فتئت خواتمها تتمرد
و أخرى لم يكتب لها بعد أن تولد أخشى عليها من سطو الزمان
علمني كرهُ الوطن حبَّ الوطن
كان كلما راودته أنكر
كلما داهنته تجبر فأبعدني و استكبر
و حين هجرته حنّ إليّ و صار يسائلني
أطاب يا بني لك المهجر؟
اِعلمْ يا بني أن مقامك هذا سفاح جبار سوف ينسيك النسب
سوف يسلبك الوطن و تهجد الليالي
هذا المقام يا بنيّ لا يقدر عليه إلا من أتاه مغاضبا أو مهجّر قسراً
هيا
لقد سوّيت لك الأركان فلا تستعجل
ولقد سخرتُ لك الأيام فلا تبتئس بما كانوا يصنعون
فأعود و أنادي ثانية
حي على الوطن ثم ثالثة فأخرى
لينتهي بي المقام بين ناس ما هم بناسي
أكثرهم نساء تسكعن قلب المقاهي
و قد علَت البغضاء محاسنهن يُفتين في الملاهي
غير عابئات بالتائبات العابدات الحامدات السائحات
لا يدرين أن للسنين سهاما إنْ هنّ نمن فلا هي تنام
إلاهي
أسأظل هكذا يطاردني الزمن؟
أسأظل أجتر هوى الوطن؟
لتُقْسِم الأيام عليّ كل عام قسَماً
أن ألبس ثوب الغريب و لو في الوطن؟
لم يعد لي بالبيت مبيت و لا موطن بالوطن
قوم استودعتهم أمل العودة فردوا علي سلامي
صادروا المكان وغيروا العنوان
وصاروا يشهرون في وجهي سيف الزمان
كلما اشتد بي الحنين
كلما قلت لرأسي يارأسي آن الأوان
حيّ على الوطن
وجدت عقال حقائبي قد قطعها الزمن
فأنقلب مذموماً مدحوراً إلى حيث أنا
ثم أعود فأتذكر أن لي بالبيت رباً سأظل أناجيه
حاشى أن لا يبدلني موطناً بالوطن

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development