من يربط الساحل بمن؟ الجزائر تراهن على الجغرافيا لصناعة نفوذ جديد

بقلم الكاتبة الجزائرية صبحة بغورة
في غضون أيام قليلة، أخذت العلاقات الجزائرية مع جوارها الساحلي منحى أكثر ديناميكية وبدأت تتبلور ملامح التحركات اللافتة، تتقاطع فيه الدبلوماسية مع الاقتصاد، وتلتقي اعتبارات الأمن بحسابات الطاقة والربط الإقليمي. فبعد زيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر في 24 أغسطس، وصل رئيس الوزراء النيجري علي مهامان لمين زين إلى الجزائر بعد يومين فقط، على رأس وفد حكومي رفيع المستوى، ضم مسؤولين يرتبط اختصاصهم بأبرز الملفات التي ترسم مستقبل الشراكة بين البلدين فيما يخص المحروقات، الطاقة، المالية، المناجم، الاتصالات، الأشغال العمومية، إلى جانب الدفاع.
وقد يكون من السهل النظر إلى هذا الحراك باعتباره امتدادًا طبيعيًا للعلاقات الثنائية، غير أن طبيعة الملفات وتزامن التطورات الميدانية يوسعان الرؤية على دلالة أوسع. إن زيارة رئيس الوزراء النيجري جاءت في وقت بدأت فيه الشراكة الجزائرية-النيجرية تنتقل من مستوى التفاهمات إلى مستوى التنفيذ؛ إذ أشرفت الجزائر والنيجر في 13 أغسطس على إطلاق أشغال حفر أربع آبار استكشافية في رخصة كفرا، ضمن شراكة تجمع سوناطراك والشركة الوطنية النيجرية للبترول سونيديب. وبعدها بيوم واحد، بدأت سوناطراك تسليم أولى شحنات وقود الطائرات Jet A1 إلى السوق النيجرية، في إطار عقد تجاري مباشر بين المؤسستين.
وانطلاقًا من ذلك تم إعادة بناء علاقة تقوم على روابط يصعب فصلها والتي تكون وليدة المصلحة المتبادلة. فالطاقة تفتح باب الاستثمار، والاستثمار يحتاج إلى بنية تحتية، والبنية التحتية تحتاج إلى استقرار، والاستقرار يرتبط بالتنسيق الأمني، فيما تحتاج كل هذه القطاعات إلى شبكات نقل واتصال قادرة على ربطها بالأسواق ومراكز الإنتاج. وعندما تتقاطع هذه العناصر في علاقة واحدة، يصبح التعاون الاقتصادي في حد ذاته أحد مكونات السياسة الإقليمية.
وبالنظر إلى طبيعة الوجدان الجزائري في الساحل، هلتنتقل الجزائر من نموذج النفوذ القائم أساسًا على الوساطة السياسية إلى نموذج أكثر تركيبًا، تتكامل فيه الدبلوماسية مع الطاقة والتجارة والبنية التحتية والأمن؟
المؤشرات الحالية توحي بأن هذا الاحتمال يستحق النظر، ومشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء يقدم مثالًا واضحًا على ذلك. في يونيو الماضي، أطلقت الجزائر رسميًا أشغال إنجاز الشطر الجزائري من المشروع، الذي يربط نيجيريا بالنيجر والجزائر، ويمتد في جزئه الجزائري بمحاذاة ممر الطريق العابر للصحراء من الحدود الجزائرية-النيجرية وصولًا إلى حاسي الرمل. كما يرتبط المشروع بمبادرات أخرى للربط القاري، من بينها الطريق العابر للصحراء ومشروع الألياف البصرية، بما يجعل الطاقة والنقل والاتصال أجزاء من تصور أوسع للاندماج الإقليمي.
إن الجزائر لا تحتاج إلى البحث عن مدخل اصطناعي إلى الساحل؛ حدودها مع المنطقة تمنحها موقعًا لا يمكن استنساخه. لكن قيمة الموقع الجغرافي تتجلى عندما تتحول الحدود إلى ممرات للحركة والتبادل والاتصال. وحين تصبح الصحراء طريقًا للغاز، وممرًا للتجارة، ومسارًا للألياف البصرية، فإن المساحة التي كانت تصور باعتبارها هامشًا جغرافيًا تتحول إلى مركز في حسابات الربط القاري.
والنيجر، بحكم موقعها في قلب الساحل، تحتاج إلى منافذ أكثر تنوعًا للطاقة والتجارة والاستثمار، كما تحتاج إلى بنية ربط تسمح بتحويل موقعها الجغرافي من عامل عزل إلى عنصر اتصال. وفي هذا السياق، تمثل الجزائر شريكًا يتمتع بمزايا لا توفرها المسافة وحدها من اقرب جغرافي، خبرة طاقية، بنية تحتية قائمة والقدرة على الوصول شمالًا إلى المتوسط والأسواق الدولية.
ومن ثم، فإن حاجة النيجر إلى الجزائر لا ينبغي أن تعتبر حاجة اقتصادية ضيقة، بل جزءً من خطط واعدة أوسع تتعلق بإعادة تموضع البلاد داخل محيطها الإقليمي.
إذ أن الساحل يعيش مرحلة إعادة تبلور عميقة لعلاقاته الخارجية، التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها مالي والنيجر وبوركينا فاسو دفعت هذه الدول إلى البحث عن ترتيبات وشراكات جديدة، في وقت تراجعت فيه بعض الأطر التقليدية التي حكمت علاقتها بالقوى الخارجية. وفي مثل هذه البيئة، تكتسب الدول المجاورة التي تستطيع الجمع بين القرب الجغرافي والقدرة الاقتصادية والأمنية قيمة إضافية.
لا يعني ذلك بالضرورة أن المنطقة تتجه نحو تشكيل محور جديد، ولا أن الجزائر بصدد الدخول في منافسة مباشرة مع القوى الأخرى الحاضرة في الساحل. فالسياسة الجزائرية لطالما قامت على مبدأ عدم التدخل واحترام سيادة الدول، كما أن طبيعة التحديات الإقليمية تجعل من الصعب حصر الموقف في منطق الاستقطاب التقليدي.
الأقرب إلى الواقع أن الجزائر تحاول، في ظل التحولات الجارية، تحويل موقعها الجغرافي وقدراتها الاقتصادية إلى أدوات شراكة طويلة الأمد.
إن حضور شركة سوناطراك الجزائرية في النيجر أثبت بشكل واضح أن النفوذ الذي يصنعه الاقتصاد لا يحتاج إلى إعلان سياسي مستمر كي يؤكد تأثيره. ذلك بعدما وقّعت في يونيو ثلاث مذكرات تفاهم مع سونيديب شملت مجالات الاستكشاف الجيوفيزيائي، وحفر آبار النفط والغاز، وتسويق وتوزيع المنتجات البترولية. ثم انتقلت العلاقة خلال أغسطس إلى مرحلة أكثر عملية، مع إطلاق حفر آبار كفرا وتسليم أولى شحنات Jet A1 للسوق النيجري.
حين ترتبط شركة بالطاقة في دولة، وتصبح منتجاتها جزءً من سوقها، وتدخل استثماراتها في قطاعها النفطي، ثم ترتبط تلك المصالح بممرات نقل وأنبوب غاز وشبكات اتصال، تتشكل شبكة من الاعتماد المتبادل تتجاوز عمر الزيارة الرسمية أو عمر الاتفاق السياسي.
ومن هذه الزاوية، قد تكون الجزائر أمام تعريف مختلف لدورها في الساحل؛ دور لا يلغي الوساطة السياسية، لكنه يضيف إليها طبقة أكثر صلابة تقوم على المصالح المادية والبنى التحتية والقدرة على الربط.
فالنفوذ في الساحل يُقاس بمعايير أكثر قابلية للاستمرار، من يمد الطاقة، من يفتح الطرق، من يربط شبكات الاتصال، من يوفر الاستثمارات، ومن يستطيع أن يجعل التعاون الأمني جزءً من بيئة اقتصادية أوسع.
وحتى التطورات الأمنية الأخيرة في النيجر تؤكد أن البعد الأمني لا يمكن فصله عن بقية المعادلة. فبعد محاولة التمرد التي شهدتها نيامي في 29 أغسطس، أعلنت الجزائر دعمها لاستقرار النيجر، فيما استعانت السلطات النيجرية بدعم روسي لاستعادة السيطرة على قاعدة عسكرية استراتيجية.
غير أن أهمية الأمن هنا لا تكمن في كونه ورقة نفوذ منفردة، بل في كونه الشرط الذي يسمح لبقية المشاريع بأن تعمل. فلا طريق عابر للصحراء يستطيع أن يؤدي وظيفته في بيئة شديدة الاضطراب، ولا استثمار طويل الأمد يمكن أن يزدهر من دون حد أدنى من الاستقرار، ولا ممر للطاقة يمكن أن يكتسب قيمته الكاملة إذا بقيت البيئة المحيطة به رهينة الأزمات الأمنية.
ومن ثم، فإن القوة الحقيقية قد لا تكون في امتلاك ورقة واحدة، وإنما في القدرة على جمع الأوراق داخل منظومة واحدة.
الأمن يحمي المصالح، والطاقة تصنع الاعتماد المتبادل، والطرق تفتح الأسواق، والألياف البصرية تختصر المسافات، والجغرافيا تمنح هذه العناصر إطارها الطبيعي. وعندما تتقاطع جميعها، يتحول الموقع الجغرافي من مجرد ميزة إلى قدرة استراتيجية.
هل الجزائر هي التي تحاول العودة إلى الساحل بحثًا عن استعادة نفوذها؟ أم أن التحولات التي شهدتها المنطقة دفعت دول الساحل نفسها إلى إعادة اكتشاف القيمة الاستراتيجية لجارها الشمالي؟
ربما لا تكمن الإجابة في أحد الاحتمالين منفردًا، الجزائر تدرك أن ترك المجال الإقليمي للتحولات المتسارعة من دون حضور اقتصادي وأمني وتنموي فعّال قد يقلص قدرتها على التأثير في محيطها المباشر. وفي المقابل، تدرك دول الساحل أن الجغرافيا تفرض عليها البحث عن شراكات قريبة وقادرة على توفير مسارات عملية للطاقة والتجارة والربط.
وبذلك، فإن ما يجري قد لا يكون مجرد استعادة للنفوذ بالمعنى العام، بل إعادة تعريف لمفهوم النفوذ نفسه.
فمن يحاول أن يربط الساحل بمن؟ لعل الأهم أن ما يجري من تحولات توحي بأن مسائل الارتباط الإقليمي نفسها باتت تخضع لإعادة التشكيل وإعادة ترتيب موقع كل طرف، لأن الأمر لا يعكس اتجاه واحد من الشمال إلى الجنوب، بقدر ما هو رسم ونسج شديد الدقة لشبكة مصالح متبادلة، تدفع كل طرف إلى الآخر بقدر ما تمنحه من أدوات ومزايا.
وفي هذه الشبكة المترابطة، تبرز الجغرافيا كأحد أبرز عناصر القوة، نظرًا إلى أن الجزائر تملك موقعًا يجعلها بوابة طبيعية بين الساحل والبحر المتوسط، بينما تملك دول الساحل موارد ومساحات وأسواقًا تجعل من الاتصال بها رهانًا اقتصاديًا واستراتيجيًا.
وإذا نجحت المشاريع التي يجري دفعها اليوم من مستوى الاتفاقات إلى مستوى التنفيذ، قد يصبح التحول الأهم في طبيعة العلاقات التي ستنشأ بعدها تلك العلاقات التي تُبنى على استثمارات تخلق مصالح مشتركة، وتنسيق أمني يحمي هذه المنظومة.
عندها، سيكون الحضور الجزائري ذو طابعٍ بنيوي يستمد قوته من دور الجزائر في منظومة الترابط الإقليمي وتحكمها في قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات وقدرتها على التأثير في مسارات التجارة والنقل واتجاهات التعاون الاستراتيجي وعلى تحويل وزن موقعها الجغرافي إلى رافعة للشراكة الإقليمية.
ومع الانتقال إلى فضاء يتغير فيه خرائط الشراكة وموازين النفوذ واتجاهات التأثير تزامنًا مع معايير القوة، لا يظل الرهان حول من يرفع راية الحضور في الساحل، وإنما حول من يستطيع أن يرمي بمرساته في عمقه فيثبت حضوره ويضمن لنفسه موطئ قدم لما هو قادم..

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development