المقالات

اليائسون من رحمة الله؛رؤية قرآنية{ 3من3 }بقلم:د. رعد هادي جبارةالأمين العامللمجمع القرآني الدولي

🔗خصوصية المفردةالقرآنية85

📌(حين يتحول اليأس إلى مصير)
[المقال الـ3من بحث اليائسين]وصلنا في المقالين السابقين إلى أن اليأس في القرآن ليس مجرد حالة عاطفية عابرة، وأن الحزن والابتلاء وتأخر الفرج لا تجعل الإنسان يائسًا بالضرورة؛ فقد يحزن المؤمن ويبكي ويتألم، لكنه لا يقطع رجاءه بالله.ورأينا يعقوب ع في أشد حالات الحزن، وهو مع ذلك يقول لأبنائه:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.

📌ثم وقفنا عند إبراهيم ع، حين قال بعد البشارة:
﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾.
📌فبانَ لنا أن القنوط ليس هو مجرد الحزن، وأن اليأس ليس هو مجرد الألم، وإنما الخطر حين يتحول انقطاع الرجاء إلى موقف من الله ورحمته.
📌ومن هنا نعود إلى الآية التي كانت منطلق هذا التدبر:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ترى!لماذا قال: «يئسوا من رحمتي»؟

📌إن التعبير القرآني هنا جدير بالتأمل.
فالآية لم تقل فقط: إنهم لا تنالهم الرحمة، بل وصفت موقفهم فقالت:
﴿أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾.
وقد جاء ذلك بعد قوله:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾.
فالسياق يربط اليأس بأصلين من أصول الاعتقاد:
☆الكفر بآيات الله ☆والكفر بلقائه.

📌ومن هنا لا يعود اليأس مجرد إحساس داخلي، وإنما يصبح نتيجة لموقف عقدي كامل؛ إذ إن من كفر بآيات الله وبلقائه لا يرى في الآخرة مجالًا لرحمة الله، ولا يرجو لقاءه، ولا يبني حياته على الرجوع إليه.
📌وهذا يفتح لنا بابًا مهمًا لفهم المفردة:
اليأس من رحمة الله في هذا السياق هو ثمرة انقطاع الصلة بالله، لا مجرد انقطاع الأمل في أمر دنيوي.
ولهذا كان اليأس من رحمة الله أمرًا بالغ الخطورة.

📌بين رحمة الله وسوء ظن العبد به
من أخطر ما يصيب الإنسان أن تتراكم عليه الذنوب أو المصائب حتى يتصور أن رحمة الله قد ابتعدت عنه.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:
🔖أن يخاف الإنسان من ذنبه، فهذا مطلوب.
🔖وأن ييأس من رحمة الله بسبب ذنبه، فهذا هو الخطر.

فالخوف يدفع إلى التوبة، أما اليأس فقد يدفع إلى ترك التوبة أصلًا.
ولهذا جاء النداء الإلهي:
﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.

📌وكأن القرآن يريد أن يقول للعاصي:

لا تجعل ذنبك أكبر من رحمة الله.

ولا تجعل سقوطك سببًا لرفض طريق العودة.

ولا تظن أن الباب الذي فتحه الله لك بالتوبة قد أغلقه بسبب كثرة ما اقترفت.

وهنا تتجلى رحمة الله بأوضح صورها: أن يبقى باب الرجوع مفتوحًا.

📌اليأس ليس عذرًا لترك الإصلاح
وقد يقع بعض الناس في فهم غير دقيق للرجاء؛ فيظن أن الثقة برحمة الله تعني الاستمرار في الذنب.والقرآن لا يقول ذلك.
فالرجاء الصادق يقترن بالعمل:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾
ثم يأتي النداء بالإنابة والرجوع.
📌والتوبة ليست مجرد كلمة، وإنما عودة حقيقية إلى الله.
ولهذا فإن الإنسان الذي يقول: «ذنبي عظيم، فلا فائدة من التوبة» قد وقع في خطأين:
⭕الأول: أنه عظّم الذنب حتى جعله أكبر من رحمة الله.
⭕والثاني: أنه جعل اليأس حجة لترك العلاج.

وهنا تكون المفارقة: الذنب قد يكون سببًا في سقوط الإنسان، لكن اليأس من الرحمة قد يمنعه من النهوض.

📌من اليأس النفسي إلى اليأس الذي تصفه الروايات
وإذا انتقلنا من القرآن إلى الروايات، نجد نصوصًا شديدة اللهجة في التحذير من بعض الأعمال التي يبلغ خطرها بالإنسان أن يوصف بأنه آيس من رحمة الله.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين في العبارة؛ فليس المقصود أن كل من وقع في معصية صار بالضرورة من أهل اليأس، وإنما المقصود أن بعض الأعمال تكشف عن موقف بالغ الخطورة من الله وعباده وحقوقهم، حتى جاء التعبير الروائي عنها بهذا الوصف.
📌ومن هنا يمكن أن نتوقف عند ثلاثة نماذج.

⭕أولًا:عاق الوالدين
من النصوص التي اشتدت في التحذير من عقوق الوالدين ما ورد في السنّة من الوعيد الشديد للعاق.
وقد جاء في الروايات وصف العاق بأنه ممن لا ينالون بعض مظاهر الرحمة والكرامة الإلهية يوم القيامة، وجاءت نصوص أخرى في شدة جرم العقوق وعظيم أثره.
وهذا متناسب مع المكانة التي جعلها القرآن للوالدين، إذ قرن الإحسان إليهما بتوحيد الله في مواضع من كتابه، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
فليس عقوق الوالدين مجرد مخالفة اجتماعية أو جفاء أخلاقي، بل هو اعتداء على حق عظيم قرنه الله بحقه.
ومن هنا نفهم لماذا جاءت الروايات في شأن العقوق بهذه الشدة.
لكن ينبغي ألا نغفل عن جانب آخر من الصورة: باب التوبة لا يغلق أمام العاق ما دام حيًا قادرًا على الإصلاح.
فاليأس من الرحمة ليس هو النتيجة التي يريدها النص، وإنما التحذير من أن يبلغ الإنسان بهذه المعصية مبلغًا خطيرًا يحجبه عن رحمة الله.
وهذا يعيدنا إلى أصل البحث:
رحمة الله لا تعني إسقاط المسؤولية، كما أن التحذير من العقوبة لا يعني إغلاق باب التوبة.

⭕ثانيًا:بغض أهل البيت ع والنصب لهم
وهنا نصل إلى النموذج الذي له خصوصية واضحة في التراث الروائي الإمامي.
فمحبة أهل البيت ع ليست في الرؤية القرآنية والروائية مجرد عاطفة شخصية، بل ترتبط بموقعهم الديني ومقامهم في الهداية.

قال تعالى:
﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾.
وجاءت الروايات في بيان منزلة أهل البيت ع والتحذير من بغضهم والنصب لهم.
ومن هنا ورد في بعض النصوص وصف من يموت على بغضهم بأنه آيس من رحمة الله.

والذي يعنينا هنا هو دلالة المفردة نفسها:
كيف يبلغ البغض بأحد أن يوصف بأنه آيس من رحمة الله؟
إنه انتقال من موقف عاطفي إلى موقف عدائي منهجي عقائد وسلوك عملي مناوئ.
ولهذا جاءت النصوص شديدة في هذا الباب.
والبحث هنا ليس بحثًا في إثارة الخصومة، وإنما في خصوصية التعبير الروائي: «آيس من رحمة الله»، وكيف استعمل في بيان خطورة بعض المواقف العقدية والأخلاقية.

⭕ثالثًا: «اليأس» من رحمة الله بعد ارتكاب جريمة قتل المؤمن أو المساعدة عليها ولو بكتابةتقرير لجهة أمنية.

#وهذه من أجمل خصائص المفردة القرآنية: أن السياق هو الذي يكشف لنا أيَّ معنى أراده القرآن، فلا يصح أن نحمل كل موضع على معنى واحد لمجرد اشتراك الألفاظ.

📌الرحمة هي الأصل… واليأس هو الانقطاع

نعود إلى السؤال الأهم:لماذا كل هذا التحذير من اليأس؟
لأن الإنسان إذا فقد الرجاء؛فقد واحدًا من أعظم دوافعه إلى الإصلاح.

⭕المذنب الذي يرجو رحمة الله يتوب.
⭕والمبتلى الذي يرجو فرج الله يصبر.
⭕والداعي الذي يرجو إجابة الله يواصل الدعاء.
⭕والذي يرجو هداية الناس لا يتعجل الحكم على قلوبهم.
⭕أما الذي يئس، فقد يقول في نفسه:
×لقدانتهى كل شيء×.
×لافائدةمن التوبة×.
×لافائدةمن الدعاء×.
×لافائدةمن الإصلاح×
×لايمكن تغييرشيء×

⭕وهنا يتحول اليأس من شعور إلى قوة هادمة.ولذلك لم يكن عجيبًا أن يقرن القرآن اليأس بالكفر في قوله:
﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.
ولكن… هل كل يأس يجعل الإنسان كافرًا؟
هنا ينبغي أن نكون في غاية الدقة.
فالآية لا تعني أن كل إنسان مر بلحظة ضعف أو حزن أو قنوط عابر قد خرج من الإيمان.
فالقرآن نفسه يصور الإنسان في حالات ضعف متعددة، و يعالجها ويعيده إلى الرجاء.
«وخُلِق الإنسانُ ضعيفا»
وإنما المقصود أن اليأس المستحكم من روح الله ورحمته، بما يكشف عن إنكار قدرته أو سوء الظن به أو الإعراض عن وعده، من خصائص الموقف الكافر.
ولهذا لا ينبغي أن نحول الآية إلى أداة للحكم على الناس، وإنما نجعلها أولًا مرآة لمراجعة أنفسنا.

⭕فالسؤال الذي ينبغي أن يخرج به القارئ ليس:
«من هو اليائس؟»
بل:
🔖هل تسلل اليأس إلى قلبي؟
🔖هل ظننتُ أن ذنوبي أكبر من رحمة الله؟
🔖هل ظننتُ أن البلاءيبقى إلى الأبد؟
🔖هل ظننتُ أن دعائي لايسمعه الله؟
🔖هل ظننتُ أن إصلاح حالي محال؟
🔖هل جعلتُ الواقع يحجب عني وعدالله؟

⭕إذا كان الجواب نعم، فهنا يأتي النداء القرآني:
﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
ويأتي صوت يعقوب ع:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾.
ويأتي صوت إبراهيم ع:
﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾.
وفي سورةالحج70
{ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } فما نظنه محالاً هو يسير عند الله.

📌خلاصةالمقال:

لعل أجمل ما تكشفه لنا هذه الجولة في خصوصية المفردة القرآنية أن القرآن لا يحارب اليأس بالكلمات المطمئنة وحدها، وإنما يبني في الإنسان عقيدة تمنع اليأس من الاستقرار في قلبه.

♦️إنه يذكّره بأن الله رحيم.
♦️وأنه يقبل التوبة.
♦️وأنه يجيب الدعاء.
♦️وأنه يفرّج الكرب.
♦️وأنه يبدّل الأحوال.
♦️وأن الأسباب ليست فوق قدرته.
♦️وأن ما يراه الإنسان نهاية قد يكون في علم الله بداية!.

🔖ولذلك لم يقل يعقوب ع لأبنائه: [لا تحزنوا] لأنهم تآمروا على أخيهم ولم يحزنوا أصلاً.
بل قال:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾.
فالحزن شيء عارض للإنسان بما هو بشر.
أما الرجاء فلا ينبغي أن يرحل.
🔖ولم يقل إبراهيم ع إن البشارة مستحيلة، بل قال:
﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾.
🔻فالمؤمن قد تضيق به الأسباب، لكنه لا يضيّق رحمة الله.
🔻وقد يغلق الناس أبوابهم، لكن المؤمن لا يعتقد أن باب الله قد أغلق.
🔻وقد يطول عليه الليل، لكنه لا يعتقد أن الفجر مستحيل.

📌وهكذا تعود بنا الآية التي بدأت منها الرحلة إلى معناها الأعمق:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
فالآية لا تتحدث عن مجرد حزن عابر، وإنما تكشف عن انقطاع عميق بين الإنسان وربه.
أما المؤمن؛
فمهما أثقلته الذنوب،
ومهما أحاطت به الشدائد،
ومهما طال به الانتظار،
يبقى له ما لا ينبغي أن يفقده أبدًا:
الرجاء برحمةالله
ولعل هذا هو سر تلك الكلمة القرآنية القصيرة:
«يئسوا».
فاليأس ليس مجرد فقدان شيء نرجوه…
بل قد يكون فقدانًا لأعظم ما يملكه الإنسان:
أن يرى رحمة الله ممكنة، ولو رأى نفسه بعيدًا عنها.

📌ختامها مسك:
وليس المقصود من إيراد ما يأتي الجزم بصحة جميع ما ورد فيه من الروايات، وإنما نوردها من باب الاطلاع والاستئناس، والتنبيه إلى ما بثته كتب الحديث من نصوص في هذا الباب، مع ترك الحكم على أسانيدها لأهل الاختصاص؛ إذ إن غايتنا هنا ليست بناء حكم شرعي عليها، وإنما الوقوف على بعض الصور التي شُدِّد فيها الوعيد، حتى بلغ من شدة الوعيد أن وُصف أصحابها بأنهم آيسون من رحمة الله.

♦️ومن الروايات التي وردت في هذا الباب حديث عن رسول الله ص:
«من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، لقي الله عز وجل مكتوبًا بين عينيه: آيس من رحمة الله»
وقد رُوي هذا الحديث في مسند أحمد، و سنن ابن ماجه، و الأصبهاني، مع اختلاف في ألفاظه وطرق روايته،وهذه الرواية موجودة في سنن ابن ماجة، كتاب الديات، باب التغليظ في قتل مسلم ظلمًا، ح 2620، ولفظها قريب من:
«من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة، لقي الله عز وجل مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله».
لكن سندها ضعيف جدًا؛ وفيه يزيد بن زياد الشامي.

♦️ومن ذلك ما روي عن الإمام الصادق ع أنه قال:
«إن من الكبائر:
⭕عقوق الوالدين،
⭕واليأس من روح الله،
⭕والأمن من مكر الله»
وقد أوردها الشيخ الكليني في الكافي، كما نقلها العلامة الطباطبائي في الميزان في بحثه الروائي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87].
فتأمل كيف جاء عقوق الوالدين في السياق نفسه مع اليأس من روح الله؛ وكأنّ النص يلفت إلى أن بعض المعاصي لا تكمن خطورتها في فعلها فحسب، وإنما فيما قد تجر إليه من فساد القلب، وسوء الظن بالله، وانقطاع الرجاء من رحمته.
فالرواية تقول:
🔹«ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة:

العاق لوالديه،

والمرأة المترجلة،

والديوث،

🔹وثلاثة لا يدخلون الجنة:

العاق لوالديه،

ومدمن الخمر،

والمنان بماأعطى».

وهي مروية عن عبد الله بن عمر، وأخرجها النسائي، كما أخرجها أحمد، و ورد تخريجها في صحيح النسائي برقم 2561، وأصلها عند النسائي 2562 و أحمد 6180.
♦️كما رُوي في بعض المصادر حديث في الوعيد على بغض آل محمد ص، جاء فيه:
«ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه: آيس من رحمة الله…»
وقد نُقل هذا النص في بعض كتب الحديث والتفسير، ومن ذلك ما أورده الثعلبي في تفسيره، و نقله بعض المفسرين بعده.
هذه الرواية لها مصدر واضح، وهي مذكورة في تفسير الثعلبي، [الكشف والبيان] عند تفسير قوله تعالى:
﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾.
والسند المذكور فيها ينتهي إلى جرير بن عبد الله، وفيها:
«ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرًا، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة».
وموضعهافي طبعة الكشف والبيان هو 23/359، رقم 2614.
📌وهكذا تكشف لنا هذه النصوص ــ على تفاوت درجاتها الحديثية ــ عن معنى جدير بالتأمل: أن اليأس من رحمة الله ليس مجرد حالة نفسية عابرة، وإنما قد يكون ثمرةً من ثمرات فساد الاعتقاد وسوء الظن بالله، و قد يُذكر في سياق الوعيد على بعض الذنوب العظيمة.
📌ومع ذلك، يبقى الميزان القرآني هو الأصل الذي ينبغي ألا يغيب عنا ونحن نختم هذه السلسلة: فالتحذير من الذنب لا يعني إغلاق باب الرحمة،
والوعيد لا يعني منع التوبة،
والخوف لا ينبغي أن ينقلب إلى قنوط.
فكم من مذنبٍ عاد،
وكم من مسرفٍ تاب،
وكم من قلبٍ ظن أن الطريق قد انقطع، فإذا بباب الرحمة مفتوحًا ينتظره!
ومن هنا نعود إلى الآية التي كانت شرارة هذا البحث كله:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[العنكبوت:23].
فليست القضية أن الله تعالى ضيّق رحمته بعباده، وإنما القضية أن الإنسان قد يبلغ من البعد والإعراض وسوء الظن مبلغًا ييأس معه من رحمةٍ وسعت كل شيء.
وهنا تتجلى خصوصية المفردة القرآنية مرة أخرى:
فاليأس من الرحمة ليس مجرد فقدان للأمل، بل قد يتحول إلى موقف من الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك جاء القرآن شديدًا في التحذير منه، شديدًا في الوقت نفسه في فتح أبواب الرجاء.
وهكذا تلتقي بداية هذه السلسلة بنهايتها:

🔹رحمةٌ لا ينبغي أن يُيأس منها،
🔹وذنوبٌ لا ينبغي أن يُغترَّ بها،
🔹وقلبٌ مؤمنٌ يظل بين الخوف والرجاء حتى يلقى الله.
والحمدلله أولاًوآخراً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى