نفايات طرابلس الى الشارع ..ما لم .. \كتب غسان حلواني

تُواجه مدينة طرابلس أزمة بيئية وصحية خانقة مع بلوغ مكب النفايات في منطقة مصب نهر أبو علي قدرته الاستيعابية القصوى واقتراب الموعد النهائي لوقف العمل فيه نهاية شهر آب 2026، وسط عجز مالي حاد لاتحاد بلديات الفيحاء وتحذيرات شعبية ومالية من كارثة تكدس النفايات في الشوارع.
تفاصيل الأزمة الحالية
وصل المكب الوحيد إلى طاقته الاستيعابية القصوى، مما يعني توقف القدرة على استقبال المزيد من النفايات بشكل نهائي. وتستقبل المدينة أكثر من 450 طناً من النفايات يومياً، يأتيني جزء منها (أكثر من 100 طن) من خارج نطاق طرابلس. ويعاني اتحاد بلديات الفيحاء من أزمة مالية خانقة تعيق إيجاد بدائل سريعة أو تشغيل خطط مستدامة.
التحركات والاعتصامات
لقد نفذ الاتحاد العمالي العام في الشمال وفعاليات وهيئات محلية اعتصامات احتجاجية أمام المكب، رفض فيها الأهالي والفعاليات أي توجه لنقل الأزمة أو رمي النفايات عشوائياً في مناطق أخرى أو إبقاء الوضع على ما هو عليه تفادياً لكارثة بيئية. كما استضاف رئيس إتحاد بلدية الفيحاء المهندس وائل ازمرلي، طاولة مستديرة لمجموعة “لطرابلس”، في محاولة لتحقيق خرق في جدار الأزمة، و لكن دون جدوى.
كيف تحل مشاكل النفايات حول العالم
تعتمد دول العالم على استراتيجيات متكاملة ومستدامة لحل أزمة النفايات، بدلاً من الاعتماد على المطامر والمكبات التي تسبب الكوارث البيئية. تتركز الحلول العالمية في خمس نقاط أساسية:
1.تقليص النفايات من المصدر
حظر البلاستيك: فرض قوانين تمنع المنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد.
إعادة تدوير الزجاجات في تطبيق نظام “الوديعة” (Deposit-Return)، حيث يدفع المستهلك مبلغاً إضافياً يسترجعه عند إعادة العبوة الفارغة (مثل ألمانيا).
إلزام الشركات بتصنيع منتجات يسهل إصلاحها أو إعادة تدويرها.
- الفرز الإلزامي والذكي (Smart Sorting)
إلزام السكان بفرز النفايات في منازلهم إلى عدة فئات (عضوية، ورق، بلاستيك، زجاج) وفرض غرامات على المخالفين (مثل اليابان).
استخدام حاويات تحت الأرض مزودة بمستشعرات تنبه البلديات عند امتلائها لتنظيم حركة الشاحنات. - تحويل النفايات إلى طاقة (Waste-to-Energy)
حرق النفايات غير القابلة للتدوير في منشآت متطورة لتوليد الكهرباء والتدفئة، مع استخدام فلاتر عالية التقنية لمنع الانبعاثات السامة (مثل السويد وسنغافورة).
معالجة النفايات العضوية لإنتاج غاز الميثان واستخدامه كوقود أو لتوليد الطاقة. - التسميد العضوي (Composting)
تحويل النفايات العضوية (التي تشكل النسبة الأكبر في الدول النامية) إلى أسمدة طبيعية عالية الجودة للزراعة بدلاً من رميها في المكبات. - اقتصاد التدوير الدائري (Circular Economy)
تحويل النفايات إلى مواد أولية للمصانع، بحيث تصبح “نفايات اليوم هي مواد بناء أو صناعة الغد”.
إلزام الشركات المصنعة بجمع وإعادة تدوير منتجاتها الإلكترونية أو الكهربائية بعد انتهاء صلاحيتها.
تعتمد مشاريع إدارة النفايات الحديثة على استثمارات مالية ضخمة لتأسيس البنية التحتية، لكنها تتحول على المدى الطويل إلى مشاريع مربحة ومكتفية ذاتياً.
أولاً: تكلفة مشاريع النفايات (تقديرات عالمية)
تختلف التكلفة بناءً على التكنولوجيا المستخدمة وحجم المدن:
منشآت تحويل النفايات إلى طاقة (Waste-to-Energy): تتراوح تكلفة بناء المحطة الواحدة بين 150 إلى 500 مليون دولار أمريكي، وتصل تكلفة معالجة الطن الواحد فيها إلى (70 – 150 دولار).
معامل الفرز وإعادة التدوير (MRF): تتراوح تكلفة التأسيس بين 5 إلى 25 مليون دولار حسب مستوى الأتمتة واستخدام الذكاء الاصطناعي.
منشآت التسميد العضوي (Composting): هي الأقل تكلفة، حيث تتراوح بين 1 إلى 10 ملايين دولار، وتناسب جداً الدول النامية لأن النفايات العضوية تشكل أكثر من 50% من مهملاتها.
المطامر الصحية الرقابية (Sanitary Landfills): تكلف بين 10 إلى 30 مليون دولار للتأسيس والعزل الجيولوجي لمنع تسرب العصارة إلى المياه الجوفية.
ثانياً: طرق تمويل هذه المشاريع
لا تتحمل الحكومات أو البلديات هذه التكاليف بمفردها، بل تعتمد على نماذج تمويل ذكية:
- الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)
البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT): تتولى شركة عالمية أو محلية تمويل وبناء المعمل وتشغيله لمدى 20-30 عاماً لتحقيق أرباحها، ثم تنقل ملكيته للدولة.
رسوم المعالجة (Tipping Fees): تدفع البلدية للشركة المشغلة مبلغاً محدداً عن كل طن نفايات يتم استقباله ومعالجته بنجاح. - الضرائب والرسوم المباشرة (الملوث يدفع)
تضاف مبالغ رمزية على فواتير الكهرباء أو المياه تغطي تكلفة جمع النفايات.
تجبر بعض المدن (مثل سويسرا) السكان على شراء أكياس نفايات رسمية غالية الثمن، وكلما فرزت أكثر، احتجت أكياساً أقل ووفرت مالاً. - بيع المنتجات الثانوية (عائدات التشغيل)
بيع الكهرباء أو التدفئة الناتجة عن حرق النفايات لشبكة الدولة العامة.
بيع البلاستيك، والزجاج، والألمنيوم المفروز لمصانع إعادة التدوير المحلية أو العالمية.
بيع السماد العضوي الناتجة عن تخمير بقايا الطعام للمزارعين والمشاريع الزراعية. - القروض الخضراء والتمويل الدولي
يقدم البنك الدولي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، والجهات المانحة قروضاً ميسرة أو هبات لدعم المشاريع البيئية.
إصدار سندات مالية في الأسواق لتمويل مشاريع مستدامة بيئياً بفوائد منخفضة.
العوائق التي تمنع تطبيق هذه الحلول في لبنان
يواجه لبنان عوائق بنيوية، مالية، وسياسية معقدة تمنع الانتقال من الإدارة العشوائية للنفايات إلى الحلول المستدامة والتكنولوجية الحديثة. تتركز أبرز هذه العوائق في النقاط التالية:
- الانهيار المالي والنقدي
تعاني البلديات واتحاداتها (مثل اتحاد بلديات الفيحاء) من إفلاس شبه كامل وتراجع قيمة عائداتها من الصندوق البلدي المستقل جراء انهيار الليرة اللبنانية.
الشركات المتعهدة تطلب الدفع بالدولار النقدى (Fresh Dollar) لتغطية تكاليف المحروقات والصيانة وقطع الغيار، وهو ما يعجز خطة التمويل الرسمية عن تأمينه بانتظام.
غياب الاستقرار الاقتصادي والمصرفي يدفع الشركات الدولية والقطاع الخاص إلى الهروب من الاستثمار في مشاريع طويلة الأمد مثل (BOT). - المحاصصة والمركزية السياسية
يخضع ملف النفايات للتجاذبات السياسية والطائفية، حيث ترفض كل منطقة أو قضاء إقامة مطامر أو معامل معالجة على أراضيها لصالح مناطق أخرى (منطق “ليس في باحتي الخلفية” – NIMBY).
رغم صدور قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة (القانون 80/2018)، إلا أن التطبيق لا يزال مركزياً عبر مجلس الإنماء والإعمار، مما يكبّل مبادرات البلديات المحلية. - فشل المعامل الحالية وغياب الثقة
يمتلك لبنان معامل فرز وتسميد كُتب لها الفشل أو تعمل بالحد الأدنى (مثل معمل فرز طرابلس، ومعمل العمروسية، والكرنتينا) بسبب غياب الصيانة، والتشغيل العشوائي، والفساد، مما أفقد المواطن والجهات المانحة الثقة بأي مشروع جديد.
تفشل المعامل الحديثة لأن النفايات تصلها مختلطة (عضوية مع بلاستيك وزجاج)، مما يرفع كلفة الفرز اليدوي أو الآلي ويقلل جودة المواد المستخرجة. - غياب الرقابة البيئية وسيادة القانون
انتشار المكبات العشوائية (أكثر من 900 مكب في لبنان) وحرق النفايات في الهواء الطلق كبديل “رخيص” وفوري للهرب من التكاليف المرتفعة للمعالجة العلمية.
عدم تطبيق القوانين الزجرية بحق الملوثين أو الجهات المقصرة، وغياب التنسيق الفعّال بين وزارة البيئة، وزارة الداخلية، والبلديات.
توصيات الخبراء البيئيين لإنقاذ طرابلس
يرى الخبراء أن الحل في طرابلس يجب أن يبدأ فوراً عبر خطوات تدريجية ومستدامة:
إطلاق حملة فرز إلزامية من المصدر: البدء بتقسيم النفايات من المنازل والمحلات إلى فئتين فقط في المرحلة الأولى (نفايات عضوية ونفايات جافة) لتسهيل العملية وتخفيف الضغط بنسبة 50% عن المطامر.
إعادة تشغيل وتطوير معمل فرز طرابلس: إصلاح المعمل الحالي المقفل عبر شراكة مع القطاع الخاص وبإشراف جهات مانحة دولية لضمان الشفافية والصيانة المستمرة.
تأسيس منشأة للتسميد العضوي (Composting): بما أن نفايات طرابلس تحتوي على نسبة عالية جداً من المواد العضوية (بقايا طعام)، فإن تحويلها إلى أسمدة زراعية ينهي الجزء الأكبر من الأزمة ويؤمن عائداً مالياً.
تشكيل صندوق مالي محلي شفاف لبلديات الفيحاء يُخصص حصراً لملف النفايات، وجباية رسوم مباشرة من المؤسسات التجارية والمنازل بالعملة المحلية لشراء المحروقات وتأمين الصيانة دون انتظار أموال الدولة المركزية.
وقف دخول مئات الأطنان من النفايات التي تأتي يومياً من أقضية مجاورة (مثل زغرتا، الكورة، والمنية-الضنية) لتخفيف العبء عن طرابلس.
أبرز بنود القانون 80/2018 (الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة) غير المطبقة
رغم مرور سنوات على صدور هذا القانون، إلا أن بنوده الأساسية التي تنقل لبنان إلى الإدارة الحديثة لا تزال حبراً على ورق، و نسوق هنا بغض الأمثلة:
الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة (المادة 6): لم يتم تشكيل هذه الهيئة المستقلة التي تمثل سلطة التنظيم والإشراف والمراقبة على القطاع بعيداً عن التدخلات السياسية.
الاستراتيجية الوطنية للإدارة المتكاملة (المادة 12): تأخر إقرار الاستراتيجية الشاملة والموحدة للبلد التي تحدد بوضوح التكنولوجيات المعتمدة والمواقع الجغرافية للمنشآت.
مبدأ “الملوث يدفع” والتحفيز المالي (المادة 26): عدم تطبيق النظام الضريبي والرسوم المفروضة على الشركات والمصانع التي تنتج مواد يصعب تدويرها، وغياب الحوافز المالية للمواطنين والبلديات التي تفرز وتلتزم بيئياً.
اللامركزية الإدارية والمالية للبلديات (المادة 17): لم تُعطَ البلديات الصلاحيات المالية الكافية لإدارة ملفاتها بشكل مستقل، وبقيت رهينة لبيروقراطية مجلس الإنماء والإعمار ووزارة المالية.
إغلاق وتأهيل المكبات العشوائية (المادة 31): نص القانون على وضع خطة فورية لإغلاق مئات المكبات العشوائية المنتشرة على الأراضي اللبنانية وتأهيلها بيعياً، وهو ما تم تجاهله بالكامل.
تجارب محلية:
ثمة تجارب لجمعيات محلية في طرابلس نجحت في تطبيق مبادرات فرز مصغرة، رغم غياب الدعم الحكومي.
جمعية “تنمية وإيجابية” (Shift Social Innovation Hub): نفذت مشاريع في مناطق التبانة والقبة ركزت على فرز النفايات من المصدر بالتعاون مع المحلات التجارية والمنازل، ووفرت فرص عمل لشباب المنطقة في تجميع ونقل المواد القابلة للتدوير.
مبادرات الكنائس والجمعيات الكشفية: قامت مجموعات كشفية ومحلية في الميناء وطرابلس بوضع حاويات مخصصة لفرز البلاستيك والألمنيوم، وبيع هذه المواد لتغطية تكاليف الأنشطة الاجتماعية وشراء الأدوية للعائلات الأكثر حاجة.
مشروع “غرين تراك” (Green Track) الجار: (رغم انطلاقه من المنية المجاورة) شكّل نموذجاً يُحتذى به في طرابلس، حيث اعتمد على “سيدات الفرز” لتوعية المنازل، ونجح في تحقيق نسبة فرز من المصدر تجاوزت 70% في المناطق المستهدفة مع تأمين عائد مالي من بيع المواد المعاد تدويرها.
كيف يمكن للجهات الدولية الضغط لتطبيق بنود القانون 80/2018؟
تستطيع الجهات المانحة مثل الاتحاد الأوروبي (EU) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) استخدام أوراق ضغط مالي وسياسي قوية لكسر الجمود الرسمي:
- مشروطية المساعدات (Conditionality)
ربط التمويل بالإصلاح: عدم منح أي قروض أو هبات مالية للحكومة اللبنانية أو مجلس الإنماء والإعمار إلا بعد تنفيذ خطوات تشريعية وتنفيذية واضحة، مثل تعيين “الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة”.
المراقبة الصارمة: اشتراط وجود تدقيق مالي وبيئي محايد ومستقل لكل يورو يُنفق في المشاريع البيئية لضمان عدم هدر الأموال في معامل تتوقف عن العمل بعد أشهر. - التمويل المباشر للامركزية (البلديات والجمعيات)
تخطي المركزية: توجيه الدعم المالي والتقني مباشرة إلى اتحاد بلديات الفيحاء والجمعيات المحلية، بدلاً من القنوات الحكومية المركزية، لتسريع تنفيذ منشآت الفرز والتسميد الصغيرة.
دعم الحوكمة المحلية: تمويل برامج تدريبية لكوادر البلديات لتطوير آليات الجباية المحلية المستقلة وإدارة العقود مع القطاع الخاص بشفافية. - الدبلوماسية البيئية والضغط السياسي
التقارير الدورية الدولية: إصدار تقارير علنية تضع السلطات اللبنانية تحت المجهر الدولي، وتربط التزام لبنان بالاتفاقيات المناخية والدولية (مثل اتفاقية باريس للمناخ) بمدى تطبيقه للقوانين البيئية المحلية.
رعاية طاولة حوار وطنية: رعاية مؤتمرات تجمع وزارة البيئة، البلديات، المجتمع المدني، والقطاع الخاص لفرض صياغة المراسيم التطبيقية للقانون 80/2018 تحت إشراف دولي.
في المحصّلة، يمكن استنتاج خمس ركائز أساسيّة لكسر هذه الحلقة المفرغة:
الفرز من المصدر هو الأساس: لا يمكن لأي تكنولوجيا عالميّة أو معمل فرز حديث أن ينجح ماليّاً وبيئيّاً دون إلزامية الفرز المنزلي لتقليص حجم النفايات وتسهيل معالجتها.
الجدوى الاقتصاديّة والتمويل الذكي: إن تحويل النفايات إلى قطاع منتج (أسمدة، طاقة، مواد أولية) يفتح الباب أمام الشراكة مع القطاع الخاص (PPP) ويؤمن استدامة ماليّة ذاتيّة بعيداً عن عجز موازنات الدولة.
تفعيل المحاسبة واللامركزيّة: يحتاج اتحاد بلديات الفيحاء إلى صلاحيات ماليّة وإداريّة مباشرة تسمح له بالجباية المستقلة وإدارة الملف محليّاً، مع تطبيق حازم لمبدأ “الملوث يدفع”.
المبادرات المحليّة كنموذج بديل: أثبتت تجارب الجمعيات والناشطين في طرابلس أن الوعي المجتمعي والحلول المصغرة قادرة على النجاح والابتكار حتى في أحلك الظروف الاقتصادية.
الضغط الدولي المشروط: تشكّل الجهات المانحة (كالاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) رافعة أساسيّة، ليس فقط عبر التمويل، بل من خلال فرض “مشروطية الإصلاح” لضمان تطبيق القوانين وتعيين الهيئات الناظمة المستقلة.
إنّ إنقاذ طرابلس بيئيّاً وصحيّاً يتطلب الانتقال الفوري من سياسة “إطفاء الحرائق” المؤقتة والمكبات العشوائية، إلى تبني خارطة الطريق العلميّة والقانونيّة التي تحمي حق المدينة وأهلها في بيئة نظيفة ومستدامة.

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development