ناجح النجار يكتب: فواتير الشتاء القارس.. كيف دفعت الصناعة الأوروبية ثمن التوقف عن الغاز الروسي الأرخص؟

لم تكن أزمة الطاقة الحالية في أوروبا مجرد اضطراب صيفي في أروقة البورصات أو قفزة عابرة في العقود الآجلة للغاز، بل جاءت لتعلن رسميًا انقضاء عصر “الطاقة الرخيصة والوفيرة” الذي أُسست عليه النهضة الصناعية بالقارة العجوز لعدة عقود مضت.
فمع التوقف الشبه كامل لإمدادات الغاز الروسي الرخيص؛ مقارنة بالغاز الأمريكي، عبر الأنابيب في أعقاب حرب أوكرانيا، وجدت القارة نفسها أمام واقع جيوسياسي جديد يفرض عليها قطع شريان رخيص وموثوق كان يغذي أكثر من 40% من احتياجاتها.
وفي محاولتها لسد هذه الفجوة الهائلة عبر الغاز الطبيعي المسال والعقود قصيرة الأجل المتقلبة، كشفت الأسواق عن هشاشة هيكلية تحولت فيها أي هزة سياسية أو قفزة في درجات الحرارة إلى صدمة سعرية مباشرة تكوي الميزانيات الاقتصادية.
إن تداعيات هذا التحول التاريخي لم تقتصر على ارتفاع التضخم في بيوت المستهلكين، بل امتدت لتضرب العمود الأساسي للاقتصاد الأوروبي وهو القطاع الصناعي، حيث قد وجدت المصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة – وفي مقدمتها صناعات الأسمدة، والكيماويات، والصلب، والألمنيوم – نفسها أمام تكاليف تشغيل تفوق بأضعاف نظيرتها في الولايات المتحدة وآسيا.
هذا التفاوت الحاد دفع بالعديد من كبريات الشركات إلى تقليص إنتاجها، أو تعليق نشاط خطوط كاملة ومنها مصانع الحديد والصلب كثيفة الاستهلاك، بل والبدء في ظاهرة “إلغاء التصنيع”، عبر نقل استثماراتها ومصانعها نحو بيئات استثمارية أكثر استقرارًا وأقل كلفة في الطاقة.
واليوم، مع دخول موسم الشتاء بمستويات تخزين قريبة من مناطق الخطر واشتداد المنافسة العالمية على شحنات الغاز المسال، يقف الاقتصاد الأوروبي عند مفترق طرق حرج؛ حيث لم تعد القضية مجرد تدفئة البيوت أو إدارة أزمة مؤقتة، بل معركة للحفاظ على التنافسية الصناعية والنمو الاقتصادي في ظل خريطة جيوسياسية أُعيد رسم معالمها بالكامل.
فعلى مدى عقود، قامت الرفاهية الاقتصادية والتنافسية الصناعية لأوروبا -ولا سيما في دول المركز الصناعي مثل ألمانيا وإيطاليا – على معادلة ركيزتها الغاز الروسي المنساب عبر الأنابيب بأسعار زهيدة وإمدادات مستقرة، ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا ودخول الطاقة كأبرز أسلحة الضغط والمواجهة المتداخلة مع التوترات الدولية المعقدة، تحطمت تلك المعادلة كليًا، لتجد القارة نفسها مجبرة على إعادة هيكلة خريطتها للتشغيل والتدفئة تحت ضغط زمني حرج.
إن خطورة هذا التحول تتمثل في أن بدائل الغاز الروسي وفي مقدمتها شحنات الغاز الطبيعي المسال المستوردة عبر البحار، جاءت بكلفة مالية مرتفعة وهشاشة عالية أمام تقلبات الأسواق العالمية والمخاطر الجيوسياسية الطارئة، حيث لم يعد الأثر يقتصر على صدمات غلاء المعيشة الفردية، بل امتد ليزعزع الأساس الهيكلي للتنافسية الأوروبية؛ حيث تحولت أوروبا من منطقة جذب استثماري مستقر إلى بيئة مرتفعة التكاليف التشغيلية مقارنة بأسواق منافسة كالولايات المتحدة وآسيا.
إن العواصم الأوروبية اليوم، وهي تواجه مخاطر شتاءات شديدة وتقلبات غير محسوبة في المخزونات، تفاوض مفترق طرق تاريخي، فإما نجاح القارة في إعادة اختراع نموذجها الاقتصادي القائم على التنوع والتكنولوجيا النظيفة، أو القبول بآثار انكماش هيكلي يهدد مكاسبها الصناعية وتماسكها الاقتصادي الممتد لعقود.
الخلاصة.. لقد كشفت أزمة انقطاع الغاز الروسي عن أوروبا أن الطاقة الرخيصة كانت السرّ الحقيقي لرفاهية القارة وتفوقها الصناعي لعدة عقود، لاسيما بعدما تحول الاقتصاد الأوروبي قسرًا من الاعتماد على الغاز الروسي المستقر عبر الأنابيب إلى سوق الغاز المسال (LNG) الأعلى كلفة والأكثر تقلبًا، كما انعكست الأزمة بشكل مباشر على القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات، والأسمدة، والصلب، والألمنيوم، وهو ما تسبب في فقدان المصانع الأوروبية قدرتها التنافسية أمام النظراء في الأسواق الأمريكية والآسيوية التي تتمتع بتكاليف تشغيل وطاقة أقل بكثير، خلال الآونة الأخيرة.
ناجح النجار- باحث في الشأن الدولي والآسيوي

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development