المقالات

الحياة الإنسانية لا جنسية لها: عندما يصبح جواز السفر أثقل وزناً من العدالة

موقف رسمي صادر عن جمعية حقوق الإنسان المودة

بقلم: السفير الدكتور جيلبير المجبر
رئيس جمعية حقوق الإنسان المودة

حين تصبح العدالة أمام امتحان الضمير الإنساني

إن إعدام مواطنَين بنغلادشيَّين في المملكة العربية السعودية بتاريخ 14 تشرين الأول 2026 يطرح تساؤلات جوهرية تتعلق بالحق في الحياة، وشفافية القضاء، وحقوق الدفاع، وحماية العمال المهاجرين.

وبحسب المعلومات التي أعلنتها السلطات السعودية، فقد أُدين الشخصان على خلفية أفعال وُصفت بأنها مخلة بالآداب، وقيل إنها ارتُكبت داخل مسجد في مكة المكرمة. واستند الحكم بالإعدام إلى مبدأ «التعزير»، الذي يتيح للقضاء هامشاً من التقدير في اختيار العقوبة.

لكن التفاصيل الدقيقة للأفعال المنسوبة إليهما، والأدلة التي استندت إليها المحكمة، والأسباب الكاملة للأحكام القضائية، لم تُنشر في المعلومات المتاحة التي اطّلعنا عليها. وقد طلبت السلطات البنغلادشية توضيحات رسمية ونسخاً عن الأحكام، مؤكدة أنها لم تُبلَّغ مسبقاً بتنفيذ الإعدام.

وأمام هذه القضية، ترى جمعيتنا أن من واجبها طرح أسئلة واضحة ومشروعة، من دون إصدار أحكام مسبقة على وقائع لم تُكشف تفاصيلها كاملة.

موقفنا الواضح من عقوبة الإعدام

بصفتي رئيس جمعية حقوق الإنسان المودة، أؤكد موقفي بوضوح لا لبس فيه: أنا ضد عقوبة الإعدام.

أؤمن بأن الحق في الحياة يشكّل أحد الأسس الجوهرية لحقوق الإنسان. ومن واجب العدالة أن تحاسب على الجرائم، وتحمي المجتمع، وتنصف الضحايا. لكنني أؤمن أيضاً بأن هذه المهمة يمكن أن تتحقق من دون اللجوء إلى عقوبة تنهي حياة الإنسان بصورة نهائية.

فالسجن يمكن أن يحقق العقاب ويحمي المجتمع، مع إبقاء إمكانية مراجعة الحكم في ظروف معينة. أما الإعدام، فهو عقوبة لا رجعة فيها؛ فإذا نُفّذ الحكم بحق شخص تبيّن لاحقاً أنه أُدين خطأً، فلن يكون هناك أي قرار قضائي قادراً على إعادة الحياة إليه.

إن رفضنا لعقوبة الإعدام لا يعني تبرير الجرائم أو التقليل من معاناة الضحايا. بل يعني أننا ندافع عن عدالة تحاسب على الأفعال، من دون أن تتخلى عن احترام القيمة الأساسية للحياة الإنسانية.

نحن لا ندافع عن الجريمة، بل ندافع عن حق الإنسان في ألا تتحول العدالة نفسها إلى وسيلة لإنهاء حياته.

إذا كان للقاضي هامش تقدير، فلماذا اختيار الإعدام؟

في هذه القضية، أشارت السلطات السعودية إلى «التعزير»، وهو إطار عقابي يتيح للقاضي هامشاً من التقدير في اختيار العقوبة.

وهنا يبرز سؤال أساسي: ما الاعتبارات التي أدت إلى اختيار عقوبة الإعدام بدلاً من عقوبة سالبة للحرية؟

هل كان الحكم بالسجن المؤبد، أو بعقوبة أخرى تقضي بحرمان المحكوم عليه من حريته، متاحاً قانوناً في هذه القضية تحديداً؟ وما المعايير التي استند إليها القضاة لاختيار الإعدام؟ وما الضمانات التي رافقت المحاكمة، وما سبل الطعن التي كانت متاحة للمحكوم عليهما؟

لا ندّعي معرفة الإجابات في غياب الأحكام القضائية الكاملة؛ بل نطالب تحديداً بنشر هذه الأحكام وتوضيح أسبابها.

عندما تكون العقوبة غير قابلة للتراجع، تصبح شفافية التعليل القضائي، ودقة الإجراءات، واحترام حقوق الدفاع أموراً بالغة الأهمية.

فالعدالة لا تقتصر على إصدار الحكم، بل تقتضي أيضاً توضيح أسبابه وضمان حصول كل متهم على محاكمة عادلة.

عندما يصبح جواز السفر أثقل وزناً من الحياة الإنسانية

أطرح سؤالاً قد يكون محرجاً، لكنه مشروع: لو كان الشخصان اللذان نُفّذ فيهما حكم الإعدام أميركيَّين أو فرنسيَّين أو من مواطني دولة أوروبية كبرى، فهل كانت قضيتهما ستُتابَع بالسرعة نفسها، وفي ظل الصمت الدبلوماسي نفسه، ومن دون إبلاغ مسبق ظاهر لبلدهما؟

لا ندّعي معرفة الإجابة، لكن من حقنا التساؤل عن تأثير موازين القوى الدولية في حماية الأفراد.

ترتبط المملكة العربية السعودية بالدول الغربية الكبرى بعلاقات استراتيجية تشمل النفط والاستثمارات والتجارة والتجهيزات العسكرية. أما بنغلادش، فتوفّر للاقتصاد السعودي أعداداً كبيرة من العمال، فيما تسهم تحويلات هؤلاء العمال في إعالة عائلاتهم في وطنهم.

ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل يتمتع مواطن الدولة القوية، في بعض الظروف، بقدرة على الحصول على حماية دبلوماسية لا تتوافر دائماً للعامل المهاجر القادم من دولة أقل نفوذاً؟

لا أزعم أن جواز السفر الغربي كان سيغيّر نتيجة هذه القضية. لكنني أطالب بأن يُبحث هذا الاحتمال بجدية، استناداً إلى الوقائع والأدلة القابلة للتحقق.

فإذا كانت حماية الإنسان تتأثر عملياً بالقوة الاقتصادية أو العسكرية أو الدبلوماسية التي تتمتع بها دولته، فمن واجبنا أن نتساءل عن المساواة الحقيقية أمام العدالة.

يجب ألا يكون للنفط وزن أكبر من الحياة، وألا تجعل العقود العسكرية حقوق الإنسان مسألة ثانوية، وألا تُعامل اليد العاملة القادمة من دولة أقل قوة وكأنها يد عاملة بلا دفاع أو حماية.

إن العدالة مطالبة بحماية الإنسان لكونه إنساناً، لا بسبب المكانة التي تحتلها دولته في موازين القوى العالمية.

العمال المهاجرون ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية

يغادر العمال البنغلادشيون إلى المملكة العربية السعودية غالباً سعياً إلى توفير فرص أفضل لعائلاتهم. يبتعدون عن أحبائهم وبيئتهم وذكرياتهم من أجل كسب رزقهم والمساهمة في اقتصاد البلد الذي يستقبلهم.

ومن حقهم أن يتمتعوا بالكرامة والاحترام، وبمساعدة قانونية مناسبة، وبحماية فعلية لحقوقهم الأساسية.

ولا يجوز أن يتحول وضع العامل المهاجر إلى سبب إضافي لضعفه أمام القضاء.

إن العلاقات الاقتصادية والتبادلات التجارية والمصالح النفطية والعقود الدولية والتحالفات الاستراتيجية لا يمكن أن تبرر وضع حقوق الإنسان في المرتبة الثانية.

وندعو الدول وشركاءها إلى ضمان ألا تتقدم المصالح الاقتصادية والدبلوماسية على كرامة الإنسان.

لا يجوز أن يكون الإنسان أقل حماية لأن دولته أقل قوة.

الشفافية وحقوق الدفاع ضمانتان لا غنى عنهما

نطالب السلطات المختصة بتوضيح ظروف هذه القضية، ونشر الأحكام القضائية، وتحديد الوقائع التي أُدين الشخصان على أساسها.

كما نطالب بتوضيح طبيعة المساعدة القانونية التي حصلا عليها، وسبل الطعن التي كانت متاحة لهما، والإجراءات المتخذة لضمان حقوقهما القنصلية.

إن عدم إبلاغ السلطات البنغلادشية مسبقاً يستدعي تفسيراً رسمياً. وينبغي بحث الالتزامات القنصلية الواجبة التطبيق في ضوء النصوص القانونية ذات الصلة والظروف الخاصة بهذه القضية.

ولا تشكّل هذه المطالب إدانة لشعب أو لدين. بل تنطلق من مبدأ عالمي واضح: كل شخص يواجه القضاء يستحق ضمانات فعلية لمحاكمة عادلة، ولا سيما عندما تكون حياته على المحك.

دعوتنا إلى إلغاء عقوبة الإعدام

تجدّد جمعية حقوق الإنسان المودة تمسكها بحماية الحق في الحياة، وتدعو الدول التي لا تزال تطبق عقوبة الإعدام إلى الشروع في مسار جاد نحو إلغائها.

وفي المرحلة الراهنة، نطالب بالاحترام الكامل للضمانات القضائية الأساسية وللالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

يجب أن تكون العدالة حازمة في مواجهة الجرائم، ومنصفة للضحايا، وحريصة على حماية المجتمع. لكن الحزم لا يعني بالضرورة اللجوء إلى عقوبة الموت.

فلا تُقاس عظمة النظام القضائي بمدى قسوة العقوبات التي يفرضها فحسب، بل أيضاً بقدرته على ضمان الإنصاف، ومنع الأخطاء القضائية، واحترام الكرامة الإنسانية.

التزامنا بحقوق الإنسان التزام عالمي

إن موقفنا لا يستهدف أي شعب أو جنسية أو دين، بل يوجَّه إلى جميع السلطات من دون استثناء. فحقوق الإنسان لا يجوز الدفاع عنها بانتقائية، وفقاً للمصالح أو التحالفات.

نحترم الاختلافات الثقافية والتقاليد القانونية، لكننا نؤكد أن كرامة الإنسان، والحق في الحياة، والضمانات الأساسية للعدالة يجب أن تبقى في صميم كل مجتمع.

وبصفتي رئيس جمعية حقوق الإنسان المودة، أرى أن واجبنا يتمثل في المطالبة بالأجوبة، والدفاع عن الفئات الأكثر هشاشة، والتذكير بأن العدالة يجب أن تبقى في خدمة الإنسان.

يجب ألا يحل الصمت مكان الحقيقة، وألا تمحو المصالح الاقتصادية المبادئ، وألا تحدد قوة الدولة قيمة حياة الإنسان.

الحياة الإنسانية لا جنسية لها. والكرامة لا حدود لها. والعدالة يجب أن تكون متساوية للجميع. ولا يجوز لأي قوة أن تجعلنا ننسى قيمة الحياة الإنسانية.

السفير الدكتور جيلبير المجبر
رئيس جمعية حقوق الإنسان المودة

من أجل كرامة الإنسان، والعدالة، والحق في الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى