المقالات

طرابلس الضحية – بقلم: رشيد جمالي رئيس بلدية طرابلس السابق

لفتني تكرارا العنوان الذي طلعت به صحيفة “السفير”، على مدى الأيام الماضية والذي اعتمدت فيه عبارة “طرابلس الضحية”، على صدر صفحتها الأولى، وكم يبدو هذا التوصيف دقيقا وعميقا في تعاطيه مع الوضع الطرابلسي المستجد بمسبباته القريبة والبعيدة، وتداعياته على مستقبل الفيحاء وأهلها ودورها وحضورها في ساحة الوطن.
الجرح النازف في طرابلس ليس اول جراح المدينة ولن يكون آخرها على ما يبدو، والمعالجات لأزمات طرابلس الدامية على مدى السنوات – لا بل العقدين الماضيين – تميزت دائما بالسطحية والآنية وقصر النظر، وكانت دائما مترافقة مع ميول استعراضية، بعيدا عن اي معالجات جادة ومسؤولة لجذور مشكلات المدينة التي استمرت بالتراكم والتفاقم بحيث تبدو اليوم شبه عصية على المعالجات، والإنسان الطرابلسي يدفع اليوم من دمه وأمنه ورزقه ثمنا غاليا اصبح ينوء بحمل أوزاره، فينكفئ غاضبا محبطا متقوقعا ينشد السلامة تاركا الارض والمستقبل في كنف الفوضى والعنف الدامي.
طرابلس التي كانت حتى بدايات حربنا الاهلية العبثية موطنا للازدهار، ومقصدا لأبناء الشمال ولبنان ودول الجوار، ومحضنا لارقى صور العيش الاخوي المشترك: مدينة الاخاء والانفتاح واحترام الحق في الاختلاف وحسن الضيافة، تبدو اليوم – ظلما – وكأنها مدينة التطرف والتخلف ورفض الآخر، شوارعها خالية، وأحياؤها وأزقتها يعشش فيها الفقر والبؤس والحرمان، لا اب لها ولا ام ولا رعاة يحملون همها ويبلسمون جراحها ويعملون – وهذا هو الاهم – على ابتداع حلول جذرية واستثنائية لمشكلاتها.
اجل طرابلس اليوم يتيمة: قياداتها السياسية وفعالياتها تتخبط من دون رؤية واضحة، ومجتمعها المدني مغيب قسرا لا صوت له ولا دور ولا حضور الا بالقدر الضئيل الذي يسمح به الاوصياء عليه، ومرافقها ومؤسساتها العامة معطلة او مشلولة او عاجزة ولا من يبالي، ومعالجات السلطة لواقعها تسووية وآنية وسطحية، ولا ترقى الى مستوى المخاطر التي تواجهها المدينة لا بل يواجهها الوطن كله انطلاقا من ساحتها، والفراغ القاتل يملأه شارع متوتر تتحكم بممارساته غرائز منفلتة من عقالها يغذيها تحريض مذهبي يشارك كثيرون في تأجيج أواره.
اجل طرابلس اليوم ضحية: ضحية اهمال السلطة المركزية المزمن لقضاياها ومشاريعها ومشكلاتها، وضحية قصور أداء قياداتها وفعالياتها في تعاطيهم مع شؤونها وشجونها، وهي تواجه مستقبلها وحيدة يتيمة يجود الخيرون عليها ببضعة بيانات وكلمات استنكار او عزاء لا تسمن ولا تغني من جوع.
القضية الاجتماعية في طرابلس هي مشكلة المدينة الاولى وهي من بين اهم اسباب ما تعيشه المدينة من غضب وتوتر، فالفقر المدقع الواسع الانتشار، والبطالة الكاملة والمقنعة العالية المستوى وغير المسبوقة في تاريخ طرابلس الحديث، والتسرب المدرسي المرعب بحجمه بين شباب المدينة هي بعض من نتاج سياسات الاهمال والتهميش والحرمان الذي عانت منه المدينة طويلا، فكانت القضية الاجتماعية في صلب التوترات المتلاحقة ودورات العنف المتكررة التي تتالت في أحزمة البؤس التي تحيط بطرابلس في التبانة وجبل محسن والقبة والبقار والمنكوبين، حيث يرزح مواطنو هذه الأحياء الكثيفة السكان تحت عبء اوضاع لا انسانية تزيد من نقمتهم وتفجر غضبهم عنفا يزيد من معاناتهم، وإذا بنا اسرى حلقة مفرغة يغذيها اليوم ويفاقمها وضع اقليمي متفجر في الجوار.
ويبقى السؤال: هل قدر المدينة هو الذهاب الى الانفجار الكبير وصولا الى الانتحار؟ ام ان في الأفق احتمالات لامكانات واعدة؟ هل تملك طرابلس الفرصة للخروج من النفق المظلم الذي نعبره؟ الا تختزن الفيحاء الارادة والطموح والامكانات والبنى التي تسمح باستعادتها لعافيتها؟
الجواب هو نعم وبكل تأكيد، لكن التحولات الكبرى تصنعها النخب، يصنعها قادة تاريخيون رؤيويون، وهذا ما تحتاجه طرابلس اليوم.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى