المقالات

ختم الألسنة بالشمع الأحمر بقلم/ توفيق أبو شومر

استدعى كبيرُ المستشارين رئيسََ تحرير مجلة السلطان، وسلَّمه ورقة مطبوعة، فيها هذا العنوان:

“تشكيل لجنة قضائية للتحقيق مع أحد عشر مسؤولا بتهمة الفساد… انتظروا محاكمة سارقي المال العام قريبا”!!.وبعد لحظات استدعى المستشارُ كبيرَ محرري تلفاز السلطان، وسلّمه ورقة أخرى:
“السلطان يأمر بالتحقيق في جرائم الفساد في البلاد .. محكمة عسكرية لمحاكمة اللصوص والمرتشين… العدل سيأخذ مجراه… السلطان يأمر باتخاذ أقصى العقوبات، في حق اللصوص من عصابة سارقي الأقوات”!!ولما دخل كبير المستشارين على سلطان الزمان وهو يحمل الصحف والمجلات،  فنثرها أمام السلطان وقال: نُريد أن نُنفّس عن أبناء الشعب، بعد أن
صار الصغير والكبير يسألون : أين تذهبُ ثرواتُ البلاد؟! فنحن دولة غنية، لكن شعبنا من أفقر الفقراء، فكيف نفسِّر التناقضَ في هذا الأمر؟!ابتسم السلطان وقال: وهل وجدتََ الضحية ؟ كثيرون يا سعادة السلطان، فقد اعتقلنا أحد عشر منهم، ممن بنوا شحومَهم من خير السلطان، ولم يشكروا نعمة السلطان، بل كانوا يثرثرون في كل مكان، يقولون:إن أموال البلاد تُسرق وتُنهب صباح مساء، وتُنفَقُ على الشراب والنساء..وتُودع في بنوك دولِ الولاء !وأضاف المستشار: لا تنسَ يا مولاي ، أن البلاد متهمةٌ عند شعبها، وعند الآخرين، أما الشعبُ فيتهمنا أننا نبدد المال بين أرجل الحسان،أما الدول الأخرى، فتتهمنا بأننا ألدّ أعداء الديموقراطية، حتى أنهم يقولون بأنكم تُجبرون الآباء في اليوم الأول لولادة الأطفال، أن يضعوا ألسنة مواليدهم في قوالب صُنعت في مصانع السلطان.وقالوا أيضا: إنكم تختمون ألسنة المواليد بالشمع الحمر من اليوم الأول للولادة، ولا تفكون الشمع إلا في القبور، وقد نشرتْ صحفُ الشرور خبرا آخر يقول: أن خبراء مملكتنا نجحوا في اختراع تطعيمٍ ثلاثي، تُحقن فيه النساء قبل الحمل يشَلِّ أولا الألسنة في الأفواه، ويغلق ثانيا شرايين العقول، ويئد ثالثا أجِنَّةَ الثورات.أليست أخبار محاكمات الفساد صالحة لتكون رداً على هذه الاتهامات؟!!كما أننا سوف ندعو- ما يُسمَّى- جمعيات الديمقراطية، بأن تُراقب عن كثب كيفية التحقيق مع الفاسدين والمرتشين!وفخامتكم تعرفون بأن هذه المسرحية، ستنتهي خلال شهور، غير أننا سنظلُّ نُذكِّر شعبنا بها كإنجازٍ من الإنجازات، وليكن ضحيتها أحد عشر فردا من القطيع !ابتسم الأمير وهو غارق في سريرٍ من أثير، وأشار بطرف إصبعه  لكبير المستشارين، الذي أقعى عند قدميه، ورفع بين يديه رزمة من الأموال!!                              واصلت صحفُ السلطان نشر عناوين الأخبار في كل وسائل الإعلام،وتمكنتْ موسيقى العناوين ، من هزِّ سرير نوم الشعب المسكين شهورا وسنين، وهي تعزف مقطوعاتها المُكررة: “محاكمة علنية للمرتشين والفاسدين… المتهمون الفاسدون يعترفون… القاضي والنائب العام يشيدان بعدالة وإنصاف مولاي جلالة السلطان… تطهير الوطن من الفساد، واستعادة ثروات البلاد!!”وبعد أسبوعين بالتمام والكمال، سئم العربُ سماعَ تلك الأخبار، من كثرة التكرار، ثم طواها  العربُ وادَّخروها في خزائن الأسرار، وأحالوها بعدئذٍ للمنتقم الجبَّار!!

اخلاء مسؤولية: جميع المشاركات في الشبكة تعبر فقط عن رأي مرسلها
فنحن لا نتبنى اي طرح سياسي و ما يرد علينا ننشره و لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظرنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى