طرابلس في هدنةٍ طويلة ولكن ليس في مرحلة استقرارٍ تام – بقلم: حسان الحسن

لا ريب أن الإجراءات الأمنية الاستثنائية التي يتّخذها الجيش حالياً في عاصمة لبنان الثانية انعكست هدوءاً في الشارع وطمأنينةً لدى المواطنين الذين سئموا كل أشكال التأزيم والاقتتال، وهم يرفضون أن تبقى مدينتهم صندوق بريدٍ لإيصال الرسائل الإقليمية والمحلية النارية.
ولكن يمكن القول بعد اتخاذ الإجراءات المذكورة، إن طرابلس دخلت في هدنةٍ طويلة الأمد، لا في مرحلة استقرارٍ تام في ضوء استمرار وجود كل أدوات التفجير فيها، خصوصاً مسلحي تنظيم “القاعدة” بأمرة حسام الصباغ المتورط الأبرز في إعداد “مجموعة تلكلخ” ودفعها الى القتال في سورية، وجماعة “الأخوان المسلمين” بأمرة “أبو ياسر”. وتعمل هاتان المجموعتان وفق أجندةٍ خارجيةٍ خاصةٍ بهما، وخارج سيطرة تيار “المستقبل”، بحسب ما أثبت جولة الاشتباكات الأخيرة، ووفق ما أقرّ نواب طرابلس وفاعلياتها أيضاً.
وهنا لا بدّ أن يطرح اللبنانيون وخصوصاً الطرابلسيين السؤال التالي: لماذا لم تُتّخذ التدابير الأمنية اللازمة منذ بدء الاستفزازات بين “الجبل” و”التبانة” غداة الانسحاب السوري من لبنان في العام 2005 ؟.
والإجابة الدقيقة على هذا السؤال، تقتضي قراءة الأحداث المحلية والتغيّرات الإقليمية في السنوات السابقة. ففي ضوء الاحتدام بين “المستقبل” وفريق الثامن من آذار والذي وصل إلى ذروته في السابع من أيار 2008، نكأ “المستقبل” جرحاً قديماً بين جبل محسن وبعض المناطق المحيطة به، كردٍ على حزب الله وسورية بعد نجاح الحزب في وأد الفتنة في بيروت.
وعند حصول التقارب السوري- السعودي أو ما يعرف بـ”السين- سين”، قصد النائب سعد الحريري طرابلس وأجرى مصالحة مع النائب السابق علي عيد في دارة مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار وفي حضور نواب المدينة وفاعليتها، معترفاً بذلك بشرعية عيد كممثلٍ للطائفة العلوية في الفيحاء.
ولم يمض وقت طويل حتى لحس الحريري توقيعه، عند تشكيل قائمة مرشحي الحريري- ميقاتي إلى الانتخابات النيابية الأخيرة والتي استبعد عنها عيد، بذريعة أن الأخير متورط أساسي في حوداث طرابلس. وفي هذا الإطار تُطرح الأسئلة التالية: لماذا عقد الحريري صلحاً مع عيد؟، أليس من أجل طي صفحة الصراع بين “التبانة” و”الجبل”؟، وهل يمكن قيام مصالحة حقيقية في ضوء سياسة الإمعان في تهميش العلويين؟
وبعد سقوط معادلة “السين- السين”، وخروج الحريري ديموقراطياً من السرايا الكبيرة واندلاع الأزمة السورية، عادت الاشتباكات إلى محاور القتال في عاصمة الشمال، ما يؤكد بوضوح أن أسبابها مرتبطة بالوضع السياسي في لبنان والمنطقة ليس إلاّ.
ونتيجة تورّط الحريري في أتون الأزمة السورية، وسعيه مع حلفائه “الوهابيين” إلى تحويل طرابلس إلى “منطقة آمنة” لمسلحي “المعارضة السورية”، تغلغل في المدينة عناصر من تنظيم “القاعدة” و”الأخوان المسلمين” والذين خرجوا أخيراً عن أمرة الحريري وتياره. هذا الواقع أحرج رئيس “المستقبل” أمام المجتمع المدني في طرابلس الرافض لكل أشكال الاقتتال، ودفعه إلى رفع الغطاء حالياً عن المسلحين فيها بانتظار تطورات الوضع الإقليمي وتحديد أي قانون انتخابي ستتم على أساسه الانتخابات النيابية المرتقبة.
إضافة إلى كل ذلك، ثمة سبب آخر مهم أسهم في انتشار الجيش في عاصمة الشمال، وهو استهداف الحكومة ورئيسها من خلال افتعال الحوداث الأمنية والرهان على عدم قدرتها على ضبطها، ما حفّزها إلى بذل كل الجهود لتأمين الغطاء السياسي اللازم للانتشار، وهذا ما حصل


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development