الرهبانية الأنطونية تودّع الأباتي روفايل لطيف

شاركَ بالجنَّاز إلى جانب الرئيس العام الأباتي داود رعيدي والآباء المدبّرين، السفير البابوي المطران غبرايل كاتشا، وصاحب السيادة المطران سمعان عطاالله راعي أَبرشيَّة بعلبك دير الأحمر المارونيَّة، والأباتي بطرس طربيه رئيس عام الرهبانية المريميّة المارونية، والأرشمندريت سمعان عبد الأحد رئيس عام الرهبنة الشويرية، والمونسنيور نبيه معوّض رئيس المحكمة الابتدائية الموحّدة، والأم فليسيته ضو الرئيسة العامة للراهبات الأنطونيات، والنائب ابراهيم كنعان ممثلاً دولة العماد ميشال عون، وحشدٌ من الرهبان والكهنة والراهبات، وأهل الفقيد وأنسباؤه، وجمهورٌ كبيرٌ منَ الأَصدقاء والمحبِّين.
وفى ختام مراسم الجنازة، تمّ التطواف بجثمان الأباتي لطيف محمولاً على أكتاف إخوته الرهبان والكهنة حول المذبح المقدس ثم شُيّع في موكب مهيب إلى مدافن الدير.
بعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى الأباتي داود رعيدي عظةً قال فيها:
وافى الأجلُ المحتوم! وسِفْرٌ كبيرٌ من الكتاب الأنطونيّ يُطوى اليومَ على صفحاتٍ حَبَّرها الأباتي روفايل لطيف وعَبَقَت بِـحَشْدِ الشمائل. شلاّلاتٌ تنهمِرُ، أَينَعَ حولَ مَصَبّاتِها ما رَشَّهُ من بذورٍ رهبانيّة، رسوليّةٍ وثقافيَّةٍ وروحيَّةٍ وقانونيّةٍ ووطنيَّةٍ وإنسانيَّةٍ بالعموم، تحصدُها الرهبانيَّةُ الأنطونيّة بفخرٍ واعتزاز، وبكثيرٍ من الدُعاءِ والامتِنان.
عشيّةَ عيد مار أنطونيوس أبِ الرهبان، وفاتحِ طريق الحياة الرهبانيَّة واتِّباعِ المسيح الجذري، نودِّعُ أخاً لنا عزيزاً، وشيخاً وقوراً، وعلامةً نيِّراً، له في كلِّ قلبٍ مكان، وفي كلِّ فكرٍ إلهام، وفي كُلِّ حَدَثٍ رهبانِـيٍّ، لأكثرَ من سبعينَ عاماً، بصمةٌ عميقةٌ، وحضورٌ فاعلٌ، ولمسةُ أملٍ تَفتحُ طريقَ المستقبلِ واعداً.
إنَّ كُروراً لشريطِ التاريخ الرهباني الحديث، ومراجعةً لمحفوظاتِ الرهبانيّة الأنطونيَّة منذُ الخمسينيَّات وحتى البارحة، واطِّلاعاً على إضباراتِ المحاكمِ الكاثوليكيَّة منذ الثمانينيَّات، بل وعلى لوائح ملفّاتِ المحاكم المدنيّة والإداراتِ والدوائر الفاتيكانيّة، تكشِفُ ما ينهالُ علينا من أصوابِ تدويناتِهِ، وفيها البيِّنات الدامِغَة على التزامِهِ الشؤونَ الرهبانيَّة والقضايا القانونيَّة والإنسانيَّة. كيف لا وهو المتخصِّصُ باللاهوت النظريّ وبالحقوق الكنسيَّة والمدنيَّة، وقد وضع أطروحةَ دراساتِه العليا في القانونِ العام الوطني والدولي بعنوان: “الحقوقُ الرئيسةُ للانسانِ وللمؤمن في مجتمعٍ متعدِّدٍ”، لتتدفَّقَ بعدَها الأطروحات التي يعجز عن قراءتها زمنُ رجلٍ واحد. وقد أَودعَ الرهبانيَّة مؤخّراً، كتاباً دوَّنه عن علاقتها بالكرسيّ الرسوليّ مطلعَ القرنِ المنصرم، وضمَّنَهُ معلوماتٍ مفيدة لنا، فسارعنا إلى نشره، قبل أن توافيه المنيّة، لما يسدُّهُ مِن بعض الفراغ التاريخيّ الـمُوثَّق بشأنِ تلك الحقبة.
المفارقة أنَّ الـمَقامَ لا يُجيزُ غيرَ الاقتضابِ في مَنْ أسهَبَ، وعَصْرِ الخياراتِ عندَ منْ شَـمَلَ. فالكلامُ يقِفُ عند قامَتِهِ الرهبانيَّة وعلامتِهِ القضائيَّة، وفي الاثنتين يُثبتُ إيمانَهُ بأنَّ الذات وُجدت لتُبذَلَ لا لتنغلقَ. فقد ملأَ حياته في الحقلين نضالاً وفِعَالاً، سجَّلهَا بلا تلكُّؤٍ أو تأفُّفٍ، وبتقَاطُعِ رسالاتٍ لن يقوى على حجبِ مُدَّخراتها رمادُ الأيَّام. مارداً في الفكر والعطاءِ، سبّاقاً في الإستقراء والتحليل، نافذاً في الرؤية، بعيداً في البصيرة، جَذبَ إليه العقولَ النيّرة، فأَلْهَمَ الإيجابيَّةَ في مغامرةِ الحياة. ولكنَّ صغارَ النفوس تحلّقوا حولَه غيورينَ مُقْعَدِينَ يتآكَلُهم الحسدُ، لا لِسَبَبٍ، إلاّ لأنَّهم لـَمْ يفهموا فِكرَهُ، ولـم يفقَهوا بُعْدَ نظرِهِ، فقاسوهُ بمقاساتٍ صغيرةٍ عجزت، وعجزوا عن الإحاطةِ به. ولكنَّهُ يتربَّعُ على عرشِ فكرهِ، ويدعو كلَّ معارفه ليخوضوا غِمارَ الحياة بهمَّةٍ، ويقولوا كلمة الحق بجرأة.
عَمِلَ قاضياً، وما بالخفيف ذلك العبء. فتميَّزَ بمقوِّماتِ القاضي: في الإرادةِ الحاسمة، والعلمِ الوفير، وخميرِ الأخلاق، والإندفاعِ في العمل، وضربِ الاجتهاد في حائطِ النصّ، والمبادرة الخلاَّقة عند انغلاقِهِ، باستقاء الحقائق من ينابيعها، فإنَّه لم يفتقر إلى واحدة من هذه الصفات. لقد كان سبّاقاً في نهلِ معالـمَ القوانينِ الجديدة، وفي نهم الاجتهادات الروتاليّة، يُسعفه إتقانُه البليغ للّغات اللاتينيّة والفرنسيّة والعربيّة والسريانيّة وسواها، فغدت أحكامُه مرجعاً تعليميًّا متقدِّماً لكلِّ مُتعثِّرٍ في تلقُّفِ القفزات الكنسيَّة في بحر العلوم النفسانيَّة والأنطولوجيَّة. وتمسَّك بحبِّه للعدالة، فطالَ أيضاً جناحَ العدالة الآخر، وعملَ محامياً، يواصلُ سكبَ المعارفِ في لوائحه ولوائح من يستعينُ به. وكان تسلَّم إدارة معهدِ الحقوق الذي أسَّستهُ الرهبانيَّة في ستّينيَّات القرن الماضي، قبلَ أن تعود الرئاسة العامّة لتُحْضِرَهُ إلى مقرِّها فيلازمُه هذه المرّة، بعد أنْ عرفه منذ أوائل الخمسينيّات، أميناً للسرّ العام، فمدبّراً عاماً اإلى أن تبوّأ الرئاسة العامَّة نهايةَ الستيّنيّات، وبعدها النيابة العامَّة منتصفَ السبعينيَّات، فالمستشاريَّة القانونيَّة، وبقي هو هو في اندفاعِه ومَساعيه، ولا همَّ مِن أيِّ موقعٍ أو لقبٍ، خَيرَ عَضَدٍ للخلفاء، باذِلاً، مُندفعاً، يَصِلُ نهارَه بليله، فاستفادت الرهبانيّة من عِلْمٍ لـم يُباهِ به، بل سَكبَ فيه من نارِ وجدانِه ومن خميرةِ أخلاقِهِ، ومن لُغَاتٍ يُـمْسِكُها، وقَلَمٍ يَنسَابُ بانصياعٍ كُلِّي تَحتَ يدِهِ وَبِدَفْعِ عقلِه وإرادتِه، ما حمى حقوقَ الرهبانيَّة وتحصيلها للجماعات والأفراد، والكلُّ بمنأىً عن أيِّ تجبُّرٍ أو رغبةٍ بأضرار. فكان سخيًّا في العطاء، غيوراً على حقوق الرهبانية وحقوق الآخرين، فكان يحكم بالعدل حيث يدعوه الحق بأن يحكم.
وفي الرهبانيّة التي دخلها يافعاً جداً، وتشرَّبَ روحَها، وواكبَ تطوُّرَهَا وأَسهَمَ الكثير في نموِّها، بل وحملها على مِنكبيه طوالَ سنواتِ قلَّلت فيها الأحداثُ من سواعدها، كان التزامُهُ بالصلاة، والحرصُ على تعويضها منفرداً يوم تُفَوِّتُ عليه التزاماتُه مشاركتَها مع إخوتِه الرهبان، كان حاضراً لأيِّ خدمةٍ ولأيِّ تدوينٍ ولو باسمِ غيره، يغوصُ في أعماق اللاهوت ويتبيَّنُ الحسَّ الكنسيّ، خصوصاً وأنّه شارك في أعمالِ المجمع الفاتيكاني الثاني، وشدَّ الرهبانَ إلى الأمور الروحيَّة وإلى الفكرِ الكنسيّ وهمومِهِ. إنَّه خيرُ من شدَّ الرهبانيّةَ الأنطونيَّةَ إلى ما تَشهدُهُ اليوم مِنْ رُسوخ ٍكنسيّ ومِن اتِّساعٍ وازدهارٍ.
إِنَّه مِنَ الذين حمَلَهُم زمانُهم الكنسي والرهباني والقضائي إلى الصدارة، وعن جدارة. وهو مع وجودِه في القمم، لـم يقاربِ التباعدَ الزمنيّ بين الأجيال، فحاكى الكبارَ والأحداث، وهذه خصوصيّةٌ أخرى من خصوصيّاته: فبقي من أبناءِ الأمس بأَصالته، ومن أبناءِ اليوم والغد بانفتاحِهِ ودالَّتِهِ والمودَّة التي تَسكنُ فيه. فالهالةُ الحقَّةُ لا تكون باصطناع الجِدّ، أو بفظاظةِ القلب، ولا بالتصبُّر في متاحفِ الأمس أو على عروشِ الإنجازات، بل بتلكَ الوداعة التي تَسِمُ كلَّ مُتَأَسْكِمٍ مُنفَتِحٍ على عظائِمَ لا يَنْسُبُها إلاَّ إلى اللهِ.
وَلِفَرْطِ ما تهاونَ في ما لَهُ على الأيَّام، كاد يتهاوى قبل أن تنصرمَ ولايتُه الرئاسيّةُ العامة منتصفَ السبعينيّات، لكنّ شغَفَهُ بالمزيد من البذلِ والعطاء، بصرفِ النَّظر عن المراكزِ والألقابْ، هداهُ إلى معالجةِ نفسِه بنفسِه، فجدَّدَ اللهُ زمانَهُ ومَدَّهُ بهمَّةٍ موصوفَةٍ، فأَدركَ الثالثةَ والتِسعينَ من العمرِ، مُـمسِكاً قَلَمَهُ، ومُصَعِّداً همَّتَهُ الفِكريّة، ولـمْ يجفَّ قَلَمُهُ إلاّ بعدَ أنْ أتـَمَّ التسعين التي ملأها مآثرَ فكريّةٍ ونبضاتٍ أبويَّةٍ إنسانيَّةٍ، وقِمَمٍ وَأَطنَانٍ من الذخائرِ الفكريَّة، والكثيرِ من المحبّة. ولـمَّا شعَرَ بتقَهْقُرِ قِوَاه، وَخَافَ مِن تقصيرٍ، بَادَر إلى الاستغفارِ ممَّن استَدَلَّ، ولو عن خطأَ، عن إساءَةٍ أصابتْه من طروحاتِه، وبقيَ يُصلِّي في مخدعِهِ صافِياً ويقول: “إنَّكَ أنْتَ رجائِي أَيُّها السيِّدُ الربُّ، أنتَ مُتَّكَلِي مُنْذُ صِبَائي… وفي أيَّامِ الكِبَر أيضاً والمشيبِ، لا تخذلُنِي يا الله حتَّى أُخبِرَ هذَا الجيلَ بقدرتِكَ والأَجيالَ الـمُقْبِلَةَ بجبروتِكَ” (مز 70، 5-18).
لقد تمرَّسَ بالحياة كما تمرَّس بالموت، فقد خَرجَ مرَّةً من براثِنِ الموت ظافراً، وظلَّ يُـجَسِّدُ إيمانَهُ بأَنَّ لا وُجُودَ لِحياةٍ “لا يَجدُرُ عيشُها”. إنَّها على الرغم من كلِّ الظِّلالِ ومن تَقَهقُرِ الجَسد، عطيَّةٌ منَ الله مُقدَّمَةٌ، وَيـُمكِنُها، من خلالِ تَطلُّبِ المحبَّة الخادمةِ نفسِها، أنْ تَـجْلُبَ مزيداً منَ الغِنَى وَالحريّة. إلاّ أنَّ الجسمَ سيُحَلِّلُهُ الموتُ ولا شكّ، “هذا هو قضاءُ الربِّ على كلِّ ذي جسدٍ” (سيراخ 41، 6) لكنَّهُ، تقولُ صلاتُنا البيعيَّة: “جِسْمٌ يَفنِيْهِ الموتُ ويُـحيِيهِ الجسمُ الحيُّ، وَالعِمَادُ يبقى فيه عربونَ المجدِ الأعلى في عيدِ الأعياد”.
يَقينُنا الأكيد أنَّ الحياةَ التي جاء ابنُ الله ليُسْبِغَها على البشريَّة لا تنحصرُ في نطاقِ الوجودِ الزمَنِيّ. الحياةُ الكامنةُ فيه منذُ الأزلِ، وهي نورُ الناس، قِوامُهَا أنْ يكونَ الانسانُ، أَينما حلَّ، مولوداً من الله وأنْ يشتركَ في كمالِ حُبِّهِ: “أمّا الذين قبِلُوهُ فقد أولاهُم أن يصيروا أبناءَ الله” (يو 1، 12-13).
الأباتي روفايل لطيف راهبٌ أصيل، وكاهنٌ جليل، ثَبَتَ من دَهْرٍ إلى دَهْرٍ، إلى أن جللَّتْهُ مهابَةُ المشيبِ، وزَانَهُ وَقارُ شيخوخَةٍ عاشَها بحميَّةِ الشباب، وهو يعودُ اليومَ ليُولَدَ مِن جديدٍ في البيتِ السَمَاويِّ الذي لـم تصنَعْهُ أيدي بشر، لكنَّ لهُ فيهِ كلَّ ما يُعِدُّ للوليمةِ الدائمة، مُحاطاً بِهَالاتٍ مِنْ نُورٍ وَمَـجْدٍ، ووكالةٍ منَّا مُتجدِّدَةٍ، لمواصَلَةِ الدِّفَاع عنْ الإنسانِ والسَهَرِ عَلَى رهبانيَّتِهِ وصونِها مِنَ العلاء.
نحنُ مُطمئنُّون إلى مصيرِه وإلى ما كانَ ينهدُ إليهِ. فالوزناتُ كثيرةٌ، وَجَنَاهَا وَافرٌ بَحَسَبِ الوُعُود.
صلاتُنا إلى اللهِ أنْ يُبلِّلَ ثراهُ بِنَدَى الرحمة، ويبعثَ فيه طِيْبَ الوَعْدِ باللُّقَيا فِي دَارِ الأَفرَاح. صلاتُنَا كي يُـمْطرَه يسوعُ القائِمُ غيثَ الرحمةِ، وأنْ يوشِّحَهُ بحلَّةِ العُرس أَمَام عَرْشِ الحمَل، وَيَسكُبَ عَلينا وعلى أَهلِه وأَقاربِهِ في واديِنَا هذَا بلسمَ العزاء، وَيُعَوِّضَ عَلَى رُّهبَانيَّتِنَا الأنطونيَّة بدَعَواتٍ غَيورةٍ ومِعطاءَةٍ عَلَى غراره.
وإذ نتقدّم من شقيقيه نديم وجوزف وشقيقته قدسيّة وعائلاتهم، ومن عائلات المرحومين فرنسيس وساسين والمرحومتين سلمى ودملا وعائلاتهم، كما من عموم عائلات الأقارب، ومن الأصدقاء والمحبين وهم كثر، بأحرّ التعازي القلبية راجين من الله أن يسبغ عليه نعمه ويرحمه مع أبراره وصديقيه. آمين




Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development