صمت الأنقاض في ذكرى 17 تشرين: بين واقعية الإنهاك وجريمة الاستسلام \ ناريمان الشمعة

بينما تملأ شوارع العواصم الأوروبية مظاهرات غاضبة تحتج على غلاء المعيشة وأزمات السكن وتدهور التعليم، يقف لبنان أمام المرآة ناطقاً بحقيقة مرّة: إن ما يصرخ منه الأوروبيون اليوم هو بالنسبة لنا “رفاهية” مقارنة بانهيارنا الشامل. لكن الكارثة الحقيقية لا تكمن في حجم الانهيار وحده، بل في هذا الصمت المطبق الذي يسيطر على الشارع.
بالأمس، مرّ 17 تشرين دون ذكرى. لم يذكر أحد تلك اللحظة التي اختنقت بها الساحات يوماً بصوت الناس ضد منظومة الفساد والنهب.. انطفأ البركان، وانكفأ الغضب الشعبي ليتكدس خلف شاشات الهواتف؛ حيث بات النضال كاملاً يُختصر في منشور غاضب، أو فيديو يوثق المعاناة، أو نكتة سوداء نضحك بها على أوجاعنا.
لا أحد ينكر حجم الثقل الملقى على كاهل المواطن اللبناني، ولا يمكن لمنصف أن يتجاهل الأسباب العميقة التي طحنت المجتمع وأنهكت أنفاسه. من الركض اليومي المستمر لتأمين أدنى مقومات الحياة من كهرباء ودواء وغذاء، إلى صدمة الخيبة بعد 17 تشرين والانسداد السياسي الذي أورث يتماً جماعياً وإحباطاً، وصولاً إلى الانقسام الطائفي والزبائني الذي أفرز لجوءاً اضطرارياً للزعامات من أجل حماية بائسة، وانتهاءً بنزيف الهجرة الذي شفط الطاقات الشابة لتبحث عن خلاصها الفردي بعيداً عن الوطن.
كل هذه الظروف واقعية ومفهومة، نعم.. لكن فهمها لا يعني بأي شكل من الأشكال قبولها كذريعة للاستسلام!
إن تحويل هذه الضغوط إلى “شماعة” لنبرر بها قعودنا هو الخطيئة الأكبر. فالاعتياد على المذلة والقبول بالكارثة كأنها قدر لا مفر منه، يمنح هذه المنظومة الفاسدة أثمن ما تحلم به: شعباً يتحرك بالجسد، لكنه ميت الإرادة، بعد أن تنازل عن حقه البديهي بالحياة الكريمة، وغاص طواعية في صمت الأنقاض.
في ذكرى تشرين، علينا أن نفرق جيداً، أن فهم أسباب التعب شيء، وتبرير الخنوع شيء آخر تماماً. الأوطان لا تعود بالصمت، ولا تُبنى بالهروب، والحياة الكريمة لم تكن يوماً هبةً لمن ارتضى العيش فوق الركام واكتفى بالرثاء.

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development