المقالات

التقاعس او خيار الفوضى – بقلم: ميشال معوض رئيس حركة الاستقلال

يبدو فهم الاحداث التي تثير الاضطراب في سوريا اكثر تعقيداً مع مرور الزمن. فأي مروحة من الرؤى يجب الأخذ بها؟ هل هي انتفاضة شعبية ضد نظام ديكتاتوري؟ هل هي صراع نفوذ اقليمي بين ايران وتركيا والمملكة العربية السعودية وقطر واسرائيل؟ هل يستدل منها ملامح مخطط لاعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة بين اميركا وروسيا؟ واخيراً هل هي بالنتيجة حرب مذهبية بين الشيعة والعلويين من جهة والسنة من جهة اخرى؟ وهل لا افق لها سوى السيطرة على السلطة من قبل مجموعات متطرفة تنتمي بشكل او بآخر الى تنظيم القاعدة؟
ان صعوبة مقاربة كهذه تُعيق المجتمع الدولي وخصوصاً الدول الغربية التي بتقاعسها تتحمل مسؤولية جسيمة عما آلت اليه الاوضاع. فطيلة اكثر من ثمانية اشهر قامت مظاهرات سلمية واجهها نظام الاسد بالقمع الممنهج فقُتِل في حينه اكثر من عشرة آلاف شخص نتيجة تعرضهم لهمجية النظام من دون ان تحرك المجموعة الدولية اي ساكن. ان هذه اللامبالاة الفاضحة هي التي سمحت للنظام بعسكرة الثورة، ومن ثم بمذهبتها فأثارة التعصب والتطرف بالتزامن مع تداخل تدريجي لسلفيين جهاديين. ان التلكؤ الدولي اتاح كذلك لكل قوة معنية بالصراع بأن تدفع بأجندتها الخاصة. وبنتيجة كل ذلك، تحوّل الوضع في سوريا من اندفاع شعبي توقاً للحرية الى ازمة يكاد يكون لا حل لها او ورطة بالغة الخطورة ليس على سوريا فحسب بل على كل المنطقة.
ان تعقد الازمة لا يبرر بتاتاً التقاعس، ونتائج حذر الدول الغربية ملموسة ومؤكدة. فحدة الصراع هي الى مزيد من التفاقم. مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمفقودين تقوض شعباً مصاباً بشكل خطير بكارثة انسانية، ومذعوراً من استخدام اسلحة كيمائية ضده فيما يواجه التدمير الممنهج لمدن وقرى بكاملها فلا خيار لديه سوى الانضمام الى ارتال اللاجئين الى البلدان المجاورة في تركيا والاردن وخصوصاً لبنان.
كما ان التمدد الجغرافي للصراع يحوله الى حتمية سياسية لانه بات جيو- استراتيجي. فاعلان الجهاد في سوريا من قبل حزب الله، وان يزيد من تعقيد الازمة، يمنع حكماً استمرار التلطي وراء هذا التعقيد. ان الدخول الرسمي للذراع العسكرية الايرانية في المعارك يبرز وجهاً اقليمياً مذهبياً لهذه الحرب ويكشف سعي ايران لخلق منطقة نفوذ لها متواصلة جغرافياً بين حدودها والبحر الابيض المتوسط.
ان معركة القصير على الحدود اللبنانية-السورية تفضح  هذا التطور الجديد وتشي بخطورته البالغة. ان الاستيلاء على هذه المدينة لا يكفل اطلاقاً بقاء نظام لا يمكن ان يستمر في كل الاحوال. فاذا كانت هذه المعركة قد تسمح بوصل دمشق بالساحل، انما هي تهدف بالاساس الى تواصل جغرافي بين الحدود اللبنانية – الاسرائيلية والساحل العلوي السوري مروراً بمنطقة نفوذ وهيمنة حزب الله في لبنان. انها اذاً قضية اقامة منطقة نفوذ ايرانية على البحر الابيض المتوسط وبتماس مع اسرائيل، خصوصاً وان منظومة الاسد تبدو بوضوح اكثر فأكثر تبعية لايران على شاكلة حزب الله.
ان هذه الوقائع الجديدة تنذر، اذا استمر التقاعس الدولي، بزوال دولٍ في الشرق الاوسط كما نعرفها وفي طليعتها سوريا ولبنان الكبير، وبزوال التنوع الثقافي والديني للمنطقة لصالح مشاريع طائفية شمولية متطرفة، وبتعزيز الهيمنة الايرانية على المنطقة والتسليم بمشروعها النووي. ان ابواب اوروبا تهتز وقد تضطر الى ان تفتح على مصراعيها تحت ضغط المتطرفين وكثافة التهجير.
فبالاضافة الى الحتمية الاخلاقية والانسانية، ان الالحاح للعمل هو سياسي بالدرجة الاولى وان ترجمته يجب ان تكون عملية. فعلى الصعيد العسكري، ان رفع الحظر عن الاسلحة لمصلحة الثوار الذين يحترمون مبادىء الديمقراطية وقيم حقوق الانسان – وهم الاكثرية- يشكل الخطوة الاولى في الاتجاه الصحيح. وهنا لا بد من التأكيد ان دول القرار الغربية تعرف تماماً كيف تضبط استعمال وتوزيع السلاح النوعي كصواريخ الارض – جو ما يزيل المزاعم او المخاوف من وقوع مثل تلك الاسلحة بين ايادي السوء.
سياسياً، انه من الضروري الغاء شرط وحدة المعارضة. وهل من المعقول ان يُفرض على شعب يكتشف الحرية ان يتشكل بمعارضة ذات بنية منظمة وموحدة، وان يؤسس حراكاً سياسياً نموذجياً في الوقت الذي يناضل فيه من اجل استمراره في البقاء او الحياة، وكل ذلك قبل المبادرة الى مساندته فعلياً؟ نعم، هناك حل سياسي. انه يؤسس، في مواجهة امكانية بروز ديكتاتورية دينية على انقاض الديكتاتورية العسكرية المذهبية القائمة، لبناء دولة ديمقراطية تحترم حقوق الافراد كما تحمي هواجس الجماعات الطائفية. ان هذا النموذج موجود. انه النموذج اللبناني. فبالرغم من ثغراته، وبعض هشاشته، وصعوبة تطويره وتحديثه، لقد امّن هذا النموذج التوازن والاعتدال كركائز للعيش المشترك. هذا النموذج اللبناني اياه الذي عمد نظام الاسد ومعه الجمهورية الاسلامية الايرانية الى نسف اسسه. وقد تكون احدى اسباب محاولات تقويضه انه شكَّل ولا يزال امكانية بديل فعلي للنظام في سوريا.
ان للتدخل الدولي في سوريا اثماناً، ولكنها تبقى حكماً دون اثمان التقاعس والهروب الى الامام. ان اللامبالاة لا تنتج “ستاتيكو”، وان التعقيد المزعوم ليس عذراً للتبرؤ من المسؤولية. فالتقاعس هو خيار. انه خيار تعميم الفوصى وتحمل تبعاتها على حدود اوروبا، بل خيار هيمنة التطرف الذي، في هذه الحال، سيتمدد ويتوسع حكماً.
ميشال معوض
رئيس حركة الاستقلال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى