المقالات

المشروع الواحد… والأدوار متعددة \ كتب: عبدالله خالد

ما يجري في سوريا اليوم هو تصحيح لتاريخ مزيف تواطأ الجميع لفرضه كأمر واقع والهدف واضح كسر إرادة الأمة وبعثرة مكوناتها في كيانات هزيلة تسمح بإستمرار الغزو لترابها الوطني وتؤمن نهب ثرواتها وتمنع نهضتها التي تغير المعادلات لغير مصلحة الغزاة.
الغزاة كثر… بعضهم جاء من أواسط آسيا عبر هولاكو وجنكيز خان وصولا إلى أرطغرل وبغضهم الآخر جاء من أوروبا متسترا بالدين حين قرنوا غزوهم بالدين في حين أسماه أبناء المنطقة حروب الفرنجة وتتابعت مع الغزو البريطاني والفرنسي… وجاء نابليون الذي سقط على أبواب عكا ليدعو اليهود لنصرته واعدا إياهم بالقدس.
في مؤتمر كامبل باترمان دعا الغرب لزرع سد بشري هجين يمنع وحدة المنطقة التي يجهض تضامنها كل مشاريعه في الهيمنة عليها ونهب ثرواتها وتطوع اليهود للقيام بهذا الدور الذي أعطاه مؤتمر فرساي عبر سايكس-بيكو ووعد بلفور إمكانية التحقق عبر ما سمي بالإنتداب الذي فرض تقسيم سوريا الطبيعية إلى دويلات وأعطى فلسطين لبريطانيا لتضع الخطوات التنفيذية لزرع الكيان الصهيوني في فلسطين عبر استقطاب يهود العالم إليها بمساعدة الغرب وجاءت القطرية لترسخ مصالح تحميها تناقضات طائفية ومذهبية ومناطقية عبر سياسة مدروسة تستند إلى مبدأ فرق تسد التي كانت تحول تلك التناقضات الى تباين عنصري يعمل الحكام الذين زرعهم الإستعمار على تعميقه حفاظا على مصالحهم.
علينا أن لا ننسى أن الإستعمار- والبريطاني تحديدا- سعى لإجهاض مفهوم الوحدة عبر فرض مشروع بديل تجسد بالجامعة العربية التي كرست القطرية.
وعلينا أن لا نتجاهل أن الإسلام السياسي مجسدا بالوهابية والأخوان صناعة بريطانية كرست الإنقسام بعد أن شوهت الإسلام الحنيف الذي هو في حقيقته دعوة تقوم على المحبة والتسامح والسمو الأخلاقي والتكاتف وهذا ما سمح بتحرير مشروع إقامة الكيان بتواطؤ عربي تجلى بالأسلحة الفاسدة و “ماكو أوامر” ومنع وصول الأسلحة إلى المقاتلين العرب الذين توافدوا لنصرة قضية فلسطين.
والواقع أن النظام العربي الرسمي استمر بالقيام بهذه المهمة – وإن بشكل مستتر في البداية- لتصبح اليوم علنية عبر سياسة التطبيع التي لم يتقبلها الشارع العربي رغم كامب ديفيد ووادي عربة ومشروع الشرق الأوسط الجديد وأوسلو وصفقة القرن مؤخرا حتى أن قادة العدو يتبجحون اليوم بأن ثلاث دول عربية فقط لم تتعامل معهم.
ولعلي لا أبالغ إذا قلت أن الربيع العربي المشؤوم الذي اجتاح المنطقة هو ثمرة هذا التواطؤ وصولا إلى فرض التطبيع مع العرب وإجهاض وتصفية قضية فلسطين والذي جاءت الحرب الكونية على سوريا تتويجا له.
والواقع أنه كما وقفت سوريا عقبة أمام نجاح المشاريع السابقة التي استهدفت المنطقة مارست نفس الدور وأجهضت بصمودها المشروع الأمريكي-الصهيوني الجديد خصوصا وأنها شكلت العمود الفقري لقوى محور المقاومة بعد أن كانت بدعمها للمقاومة قد أسهمت في بلورة نصر المقاومة في لبنان والذي أجبر العدو الصهيوني على الهرب في الليل تاركا أسلحته في ساحة القتال وكذلك إفشال عدوان 2006 الذي توهم العدو- وقتها- أنه قادر على تصفية المقاومة.
والواقع أنه رغم مرور تسعة أعوام على الحرب الكونية على سوريا إلا أن صمودها كسر كل المعادلات وأجهض مخطط تقسيمها إلى كانتونات مذهبية وعرقية في محاولة يائسة لتغييب دورها المركزي في المنطقة.
والواقع أن سوريا لم تقم بإجهاض مخطط التقسيم بل أسقطت مشروع الدولة الإرهابية التكفيرية في سوريا والعراق واعتبرته فرصة لكسر القرار الدولي بمنع لقاء دمشق وبغداد الذي اعتبر الغرب أنه يشكل خطرا على مصالحه في المنطقة. وها هي العلاقة السورية-العراقية في أوج تألقها اليوم وتشكل القاعدة المتينة والراسخة لقوى محور المقاومة في المنطقة.
وإذا كانت سوريا بصمودها قد أفشلت أكثر من مخطط دبر للمنطقة عبر إفشال مشروع إسقاطها كدولة ودور إلا أنها فضحت أدوار جميع المشاركين فيها- الرئيسية والفرعية- وأجبرتهم على كشف وجوههم الحقيقية التي سعوا لإخفائها وعدم إبرازها على حقيقتها البشعة خلال سنوات الحرب ويأتي في مقدمتها الدور التركي… وهذا يحتاج لحديث آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى