المقالات

رسائل النيران – كتب: د. قصي الحسين

تعود اللبنانيون في الحروب القديمة، أن يشعلوا النيران في رؤوس الجبال، إذا ما إستشعروا بالأخطار. كانت القرى في الأعالي المشرفة على الأقاصي والآماد، ترفع مواقد ومراسح عظيمة لها، خصوصوا، حين تدلهم الليالي. فيحملون ألسنة اللهب فيها، الرسائل المتنوعة عن الغزو القادم، للجهات البعيدة، حتى تحطاط لنفسها، وتقوم بكافة الإستعدادات.
تعود اللبنانيون أيضا، أن يحملوا على بعضهم، في عهود الخصومات، بإضرام النيران، في المزارع والزرائب، والحقول والدور. كان يرسلون إلى خصومهم رسائل التهديد القوية، بإحراق البيادر والبساتين والكروم، ترهيبا لهم وتخويفا. حتى ينصاعوا لإرادتهم. ويتوقفوا عن مخاصمتهم، ويدخلوا في دولتهم..
والنيران التي أضرمت في متاجر ومصارف ومحال ببيروت وبطرابلس، عشية12/6/2020، هي من علامات الإنذار و الترهيب. تؤذن بالغروب. بغروب شمس لبنان، وبقدوم ليل رهيب.
إضرام النيران، عشية ذلك اليوم الأسود من حزيران، له رسالة شديدة اللهجة، ومتعددة النصوص:
1- أن البديل عن حكومة الحكام الجدد، أنيس بل جليس السراي، هو إحراق بيروت، بوسطها الأنيق وأسواقها العصرية الفخمة، وفنادقها التي تزدهي بها.
2- أن البديل عن دولة الحكام الجدد، هو إعادة طرابلس إلى زمن الحرب، وزمن التهجير وزمن التخريب المنظم والممنهج، لجميع مراكز وقطاعات ومباني الدولة وإدارات الدولة، التي ترعى حاجات الناس، والإيذان بقدوم عصر الفوضى إليها، مما يدب الرعب في نفوس أبنائها، فتهض جبهاتها التقليدية، وتقوى عناصر الفتنة فيها، فيسارع أبناؤها إلى عصر “المراجل والقبضنة”، وتبث في الشوارع والأحياء والحارات، فرق الأمن الذاتي.
3- تحمل نيران الثاني عشر من حزيران، خبرا عاجلا وإن غير سار، لجميع اللبنانيين، أن يستنكفوا عن النزول إلى العاصمة، وسائر المدن. وأن يعتصموا في قراهم، بحبل من الأمن. الأمن الذاتي خصوصا، وربما الأمن المستأجر أو الأمن المستعار، وذلك لفقدان أمن الدولة الهالكة. وأن يحصنوا مساكنهم ومتاجرهم وحقولهم وداراتهم، بأيديهم.، بعدما حصنوا مبانيها بالبوابات الفولاذية والصفائح الحديدية، تنبؤا، بوصول هولاكو، والتتار، وربما أفوج الجنجاويد، وأطفال الشوارع والزواريب.
4- أخذت دعوات “الرد باليد” طريقها إلى العلن. وأول من جاهر بها “أخونا جميل السيد”. بالرغم من صفاته الكثيرة، وبالرغم من معنوياته القديمة والجديدة والمتجددة. وبالرغم من أدواره ووظائفه المتعددة، ولو بلا أوسمة ولا نياشين. وبالرغم من طول باعه، داخل الجمهورية وخارجها، والإعتماد عليه، في تسيير شؤون الجمهورية، بتكليف من الأخ الأكبر، كما في “مزرعة الحيوان”، لجورج أوريل.
وبدرت تصاريح كثيرة، من هذا العيار، على لسان الوزير المشنوق بغله، والذي لم تشف وزارة الداخلية ولا النيابة عن بيروت غليله.
و بدرت تصاريح جهورة بالتنديد، وصموتة بالندامة والأمل والتأميل، على لسان الرئيس الحريري، في جولته التفقدية، التي تبكي، ضياع التراث وضياع الإرث، وتلوح بتأريث الجروح.
5- جلس “الأنيس” في السراي المطلة على روما، سرح شعره، وتفقد أهله، وأخذ كاسة شاي ساخن على الشرفة، وتجمل بالصبر ، وهو يتوعد. وقال في سره: ما أجمل البركان، حين يخرج من الصدر، إلى صدر العروس بيروت. ها هو اللهب، يحرق الترب، فلا يجعلهم بعد يأملون، أو يعودون.
إشعال النيران في الثاني عشر من حزيران، تؤذن حقا بالإنقلاب، على لبنان: الدولة والشعب والكيان. أوصلت رسائلها إلى جميع الجهات. وقرأت رسائلها جميع الجهات: لبنان غدا منطقة أمنية لتصفية الحسابات. فناء خلفيا لجميع أشكال الصراعات. لا دولة بعد اليوم، إلا في حدود الخبز المغمس بالدم والألم والموت.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى