مياه بيروت – د. قصي الحسين

ماذا يفعل الناس، إذا ماشاهدوا ” صهريج الماء”/ “الستير”، يجوب شوارع بيروت في الليل وفي النهار، وهم لا يستطيعون الحصول على قطرة ماء واحدة يبلون بها حلوقهم. على قطرة ماء واحدة، يجدونها في حنفياتهم.
أبسط الأمور، أنهم يتساءلون: كيف يستطيع هذا “الصهريج/الستير”، وهذة الشركة للصهاريج و للستيرات، أن تملأ خزاناتها، من قلب بيروت. وأهلها يبحثون عن قطرة ماء، لا يجدونها في محالهم، ولا في بيوتهم.
صهاريج المياه لا تتوقف، خصوصا العذبة منها، لأن الناس لا يجدون “كيلة ماء”. والصهاريج تمر بلا توقف، تدخل إلى الأحياء وإلى الشوارع. وتفرغ خزاناتها. ثم تعود وتمتلئ من جديد، كأن على الناس، أن يذهبوا إلى شركة الستيرات، بدل الذهاب إلى شركة مياه بيروت، لطلب الماء
المياه ليست مثل الكهرباء، تولد في المعامل الخاصة. بل هي تستجر من خزانات مياه بيروت، تماما كما يفعل صاحب المولد، حين يستجر الطاقة من شبكة شركة كهرباء لبنان. وهذة سرقة موصوفة. وجريمة مشهودة، يحاسب عليها القانون.
تجارة المياه في بيروت، صارت أعظم من تجارة مولدات الكهرباء. صار لها وكلاء حصريون. صار لها متعهدون. صارت الملاحقات ممنوعة. وكذلك المضاربات. وكذلك جميع أعمال المراقبة، لحماية المستهلكين. صار لأصحاب الصهاريج، نقابة، ترفض المضاربة، وتعطل المساءلة والمحاسبة. ولا تخضع لأي قانون.
سكان بيروت يسألون وزارة الطاقة والمياه، ما إذا تخلت عن دورها، في حماية الشبكة من الإعتداءات. يسألون أيضا عن سلامة المياه. يسألون عن دور وزارة الصحة، في الحفاظ على صحة المواطنين.
شركة مياه بيروت، مطالبة أيضا، بتركيب عدادات. فلا يعقل، أن يدفع المواطنون فاتورة المياه مرتين: مرة لشركة مياه بيروت، التي لا تزور البيوت. ومرة ثانية وثالثة ورابعة، لأصحاب الشركات الخاصة، الذين يتاجرون بمياه لبنان: عبوات صغيرة للشرب. وغالونات للمطابخ. وجرار للبرادات. وخزانات للحمامات. خزانات للمراحيض.
حاجة سكان بيروت للمياه، صارت كلفتها باهظة للغاية. صارت أعظم من كلفة الكهرباء. فالمواطن، ينفق دخله الشهري كله، على المياه والكهرباء. كان له هم واحد، صار له همان: كيف يؤمن ثمن الكهرباء. كيف يؤمن ثمن المياه.
مياه بيروت، أعظم حاجة للناس. لا يستطيعون الحياة بدونها. يمكن لهم أن يقتروا على أنفسهم. يمكن أن يقتروا على عيالهم. يمكن أن يخففوا من حاجاتهم، للطعام، من اللحوم والخضار و الثمار. يمكن لأطفالهم، أن يذهبوا إلى المدرسة بلا “ترتين”. بلا رغيف خبز. بلا حتى “لفلوفة زعتر”، ولكنهم، لا يستطيعون أن يروا أطفالهم، صغارهم، عطاشا. الأطفال، بل الصغار، لا يستطيعون الذهاب إلى مدارسهم، بلا عبوة ماء.
كيف تضع الحكومة رأسها على المخدة، وقد وضعته منذ تشكيلها، او بعده بقليل، وهي ترفع بل تدفع، رواتب النواب والوزراء الأضعاف المضاعة. وتقدم لهم الخدمات بأغلى الأثمان، ولا توفر لأطفال المدارس عبوة ماء صالحة للشرب، بدل مياه الصنابير الملوثة، في المدارس والروضات وحادقات الأطفال.
كل يوم نسمع عن حوادث تسمم، من مياه غير صالحة للشرب للكبار، فكيف للصغار. كل يوم نسمع عن طعام ملوث، لتلوث المياه. عن شراب ملوث لتلوث المياه. عن مطابخ ملوثة لتلوث المياه. صارت لقمتنا ملوثة، لأن الناس تشتري الماء ولا تعرف أنه ملوث. لأن مطابخ البيوت، كما مطابخ السوق، لا تعرف أن الماء الذي إشترته ملوثا. فأين وزارة الصحة من ذلك. أين سائر الوزارات، التي تقع تحت مسؤوليتها، مسؤولية توفير الماء الصالح للشرب للناس.
زادت نسبة الأمراض الناتجة عن قلة النظافة، لفقدان المياه النظيفة. الناتجة عن الطعام الملوث بالماء. وعن الطعام المحضر في السوق، وهو ملوث، لتلوث المياه.
زادت نسبة الأمراض المعوية، عند الصغار. وعند الكبار. وعند الشيوخ والعجائز والمرضى، لتلوث المياه..
ضاعت المسؤولية لدى الحكومة، بين الوزارات المعطلة. بين الوزارات المقصرة. بين الوزارات الجانية على الناس. ضاعت المسؤولية لدى الوزراء، الذين جاء بهم الإختصاص. جاءت بهم النزاهة. جاءت بهم الكف الأبيض التي لا تطالها الشبهات.
التراشق بالإتهامات، برمي المسؤوليات جزافا. التراشق بالتقصير، وبإنعدام الإحساس بالمسؤولية، وبإنعدام الإكتراث بحياة الناس، قديم عندنا، قدم الحكومات الماضية. غير أن الناس ما شهدوا، مثل ما يشاهدون اليوم، من ذل على طلب الماء، والصهاريج، تشكل وحدها زحمة سير خانقة في الحمرا وفي فردان وفي الأشرفية، وفي النبعة وفي الضاحية وفي رأس النبع، حيث يتم سرقة الماء على عينك يا تاجر، ولا يستحون من دمعة طفل مريض بسبب تلوث الماء. ولا يستحون من دمعة عجوز، يشتهي الماء.
الناس في بيروت، لم يعد يسألون عن الحكومة، أنها في عطلة قسرية. لم يعد يسألون عن وزير الطاقة والمياه، لأنه ما إستطاع، لا تنفيذ الوعود القديمة ولا تنفيذ الوعود المقطوعة التي قطعها أمام الشاشات لتركيب عدادات للمولدات. لا يسألون الرؤساء، لأنهم في أزمة ، ما قطعت عنهم الماء، ولكن قطعت بينهم الإتصالات. مافقدت في خزاناتهم المياه، ولكن فقدت بينهم الثقة، منذ زمان.
الناس يسألون شركة مياه بيروت وحدها، لماذا لا تراقب التعديات على الشبكة. لماذا تمتلئ الصهاريج، من خزاناتها، ولا تجد سبيلا لحماية حقوق الناس. لماذا يدفع المواطنون فاتورة سلفا، ثم مياه لا تصل إلى أنابيبهم. لماذا تنذر الناس، إذا ما تأخروا عن دفع الفواتؤر، . ولا تنذر المقصرين عن مراقبة حقوق الناس، في الماء، لأنابيب البيوت والمدارس والثانويات، وجميع الإدارات.
الناس في بيروت عطاش لأن اللصوص يسرقون الماء الذي هو حق مشروع لهم. يدفعون ثمن سلعة لا تصل إليهم. يدفعون ثمن الماء السنوي ولا يصل إليهم، إلا لأيام.
شركة مياه بيروت، شريكة في الجريمة الموصوفة بحق الناس. تشرب نهر الكلب وعين الدلب، ولا يرى الناس في بيروت قطرة ماء، إلا من صهريج متجول تابع للأشباح. أو من شركة ماء، سرقت مياه الينابيع من رؤوس الجبال، وحرمت الأهالي قطرات المياه.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development