المقالات

تَأَمُّلَاتٌ وِجْدَانِيَّةٌالتَفَكِّرُ السَّلِيمُ بُلُوغُ الحِكْمَةبِقَلَمِ أ.د.غَازِي قَانْصُو

فِي مَسَارَاتِ الزَّمَنِ الطَّوِيلِ، وَمَا بَيْنَ طَيَّاتِهِ الْكَثِيرَةِ، تَتَجَلَّى الدُّرُوسُ وَالْحِكَمُ فِي حَيَاتِنَا، وَكَأَنَّهَا تَتَسَاقَطُ كَنَدَى الصَّبَاحِ، تَرْتَبِطُ بِلَحَظَاتِ التَّارِيخِ، بِمَا فِيهِ، وَيَنْسِجُهَا الْأَدَبُ الْبَشَرِيُّ بِخُيُوطٍ فَائِقَةِ الرِّقَّةِ. تِلْكَ الْحِكَمُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عِبَارَاتٍ بَلْ أَسْرَارُ حَيَاةٍ مُتَشَعِّبَةٍ، تَتَجَلَّى فِي نَصَائِحَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ مَأْثُورَاتِ الْأَجْيَالِ، وَمِمَّا صَحَّ مِنْ أَقْوَالٍ، تَمّت صياغَتُها في أمْثال.

وَفِي هَذَا، تَتَنَاغَمُ الْأَمْثَالُ بِرُوحِ الأدبِ الشّعبي، وَتُنْسَجُ الْحَكَايَا الشَّعْبِيَّةُ بِأَلْحَانٍ فِيهَا مِنْ الْحِكْمَةِ مَا يُنَاسِبُ شَعْبَهَا، لِتَرْسُمَ لَوْحَةً جَمِيلَةً مِنْ تَجَارِبِ الْبَشَرِ. وَمَعَ صَوْتِ الْأُدَبَاءِ وَالرِّوَائِيِّينَ وَالْوَاعِظِينَ فِي كِتَابَاتِهِمْ الْأَدَبِيَّةِ وَفِي مَحْضَرِ جَلَسَاتِهِمْ، لِيُخَلِّدُوا أَحْدَاثًاً وَأَفْكَارًاً تَبْقَى مَعَ مَسَارِ الْحَيَاةِ للأجيالِ المٌتَعاقِبَةِ عَلَى طَرِيقَةِ الْأَمْثَالِ.

فِي هَذَا، مِنْ الْجَدِيرِ التَّذْكِيرُ لِأَنْفُسِنَا بِقِيمَةِ الرُّوحِ الْبَشَرِيَّةِ، بِنَقَائِهَا وَصَفَائِهَا وَبِالتَّالِي بِقِيمَةِ صَلَاحِهَا، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ، يَجِدُ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ مَأْخُوذًا بِسِحرِ الدُّنْيَا، فَتَتَلَاشَى قِيَمُهُ الْإِنْسَانِيَّةُ لَدَيْهِ أَمَامَ غَمْرَةِ الْغُرُورِ والإخلادِ الى الدَّنايا من السُّلوكاتِ والأعمالِ، فَتَفْقِدُ الْحَيَاةُ حَيِّزًا كَبِيرًا مِنْ جَوْهَرِهَا.

الْمَوْتُ، انْهُ الْحَقِيقَةُ الْحَتْمِيَّةُ، التي لَا يُمْكِنُ لِأَحَدِنَا تَجَاهُلُهَا. سَيَتْرُكُ كُلٌّ مِنَّا جُهْدَهُ وَمَالَهُ خَلْفَهُ، لِيَتِمَّ اسْتِجْوَابُنَا عَنْ كَيْفِيَّةِ اكْتِسَابِنَا لِلثَّرْوَةِ وَصَرْفِهَا، وَكَيْفَ أَضَعْنَا وَقْتَنَا، وَكَيْفَ اسْتَخْدَمْنَا الْجَاهَ وَوظَّناه. فَتَبْقَى تِلْكَ الْأَسْئِلَةُ تُطَارِدُنَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَمُرَاقِبٍ لَا يُفَارِقُنَا حَتّى المصيرِ الأخير.

وَبَيْنَمَا يَتَسَارَعُ الْعَصْرُ بِتِقْنِيَّاتِهِ الْمُتَتَالِيَةِ، بَانَتْ هَشَاشَةُ الْإِنْسَانِ وَحَقِيقَتُهُ الْمَحْدُودَةُ. فَيَنْبَغِي التَّحْذِيرُ مِنْ الِانْغِمَاسِ الزَّائِدِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّقْوَى وَالطَّاعَةِ، والصَّلاحِ والفَلاحِ، والأمَان والوِئام، والنّماءِ والانماءِ، فتلك أعمالٌ تُقَرِّبُ إلى اللهِ، والْقُرْبُ مِنْ اللَّهِ يُعَزِّزُ الرِّضَا، وَهُوَ الْكَنْزُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي لَا مَثِيلَ لَهُ.

وَفِي سَاحَةِ التَّعَامُلِ مَعَ الْآخَرِينَ، يَبْرُزُ الْتِزَامُنَا بِقِيَمِ الْحَقِّ، وَالصِّدْقِ، وَالْوَفَاءِ، وَالِاحتِرَامِ، وَالْإِيثَارِ، وَالْخَيْرِ، وَالتَّوَاضُعِ، وَالِانْتِصَارُ لِلْمَظْلُومِ أَيْنَمَا كَانَ، وَمَنْ كَانَ. مِمَّا يُحَتِّمُ عَلَيْنَا التَّفْكِيرُ فِي مَوَاقِفِنا اتجاهِ الانسَانِ، وَالْحَذَرُ مِنْ الِافْتِرَاءِ وَالْإِسَاءَةِ، وكما التفكيرُ فِي اخْتِيَارِ الْأَصْدِقَاءِ وَالْأَعْوَانِ والإخوانِ بِحَذَرٍ.

فِي الْخِتَامِ، يَظْهَرُ النُّصحُ وَالْمَشُورَةُ كَرَكِيزَتَيْنِ مِنْ رَكَائِزِ حَيَاتِنَا، فَتَسَهُمَا فِي بِنَاءِ مُسْتَقْبَلٍ مُشْرِقٍ لِلْفَرْدِ وَالْجَمَاعَةِ. وَتَبْقَى الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَةُ تَتَسَلَّلُ بِرِقَّةٍ فِي الْقَلْبِ وَالْوِجْدَانِ، يُسَطِّرُهَا الْأَدَبُ، لِتَحْمِلَنَا إِلَى أُفُقِ الْحِكْمَةِ بِجَمَالِهَا وَحُسْنِهَا وَفَوَائِدِهَا الْجَمّةُ.

مَعَ تَحِيَاتِي،
أ.د.غَازِي قَانْصُو
الْخَمِيسَ فِي ٢٨-١٢-٢٠٢٣

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى