المقالات

تَأَمُّلَاتٌ وِجْدَانِيَّةٌ وَمَضاتٌ إيمَانِيَّةٌ في رِحابِ الصّلاةِ: إِنَّهَا الصَّلَاةُ غِنَى النَّفْسِ وَسَبِيلُ صَلَاحِهَا وَسُمُوِّهَا نَحْوَ آفَاقٍ الهُدَى والرَّشَادبِقَلَم: أ.د.غَازِي قَانْصُو

فِي أَبْهَى لَحَظَاتِ الْوِجْدَانِ، تَنْفَتِحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتَتَدَفَّقُ الْأَحَاسِيسُ السَّاطِعَةُ بِنُورٍ خَاصٍ لَتَلَامِسُ قَلْبَ الْعَابِدِ الْخَاشِعِ فِي لَحْظَةِ صَلَاةٍ لِلهِ. تِلْكَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ فِعْلٍ تَشْرِيعِيٍّ وَاجِبٍ كما هوَ ليس حُكمًا فِقْهِيٍّا فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ، مِن الناحية الوِجدانيّةِ، رِحْلَةٌ رُوحِيَّةٌ- تَعَبُّدِيَّةٌ تُعَبِّرُ عَنْ صِلَةٍ عَمِيقَةٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَخَالِقِهِ.

فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الْمُقَدَّسَةِ، يَغْمُرُ الْإِيمَانُ قَلْبُ الْمُصَلِّي شُعُورٌ لَا يُضَاهَى بِالْمَشَاعِرِ الْعَابِرَةِ المُنطلقةِ نحوَ السماءِ الرّحبةِ، حَيْثُ يَرْتَقِي الْإِنْسَانُ إِلَى أَعْلَى مَرَاتِبِ الْوَعيِ الإيمَانِي. فالصَّلَاةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَكْرَارٍ لِكَلِمَاتٍ وَحَرَكَاتٍ، بَلْ هِيَ مَسْأَلَةٌ جِدِّيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ بِكُلِّ تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ. وَتَتَعَمَّقُ الصَّلَاةُ فِي أَبْعَادِ وِجْدَانِ الْمُصَلِّينَ الْمُؤْمِنِينَ، حَيْثُ يَتَنَاغَمُ الْعَبْدُ مَعَ آيَاتِ الْكَوْنِ، وَيُدْرِكُ صُنْعَ اللَّهِ تَعَالَى لِهَذَا الْكَوْنِ الْعَظِيمِ، ويتدبرُ آياتِه، ويرى عظيمَ سُلطانِه، كما يتلمسُ روائعَ حِكمتِه.

تُعَبِّرُ الصَّلَاةُ عَنْ رَغْبَةِ الْإِنْسَانِ فِي التَّوَاصُلِ الْعَمِيقِ مَعَ الْخَالِقِ، حَيْثُ تَنْغَمِسُ نَفْسُ الْمَرْءِ فِي تلْكِ اللَّحَظَاتِ الْخَاصَّةِ بِحُبٍّ خَالِصٍ وَتَفَانٍ، كَأَنّمَا يُصَافِحُ فِيهَا الْعَبْدُ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ وَفِكْرِهِ. إِنَّهَا لَحْظَةُ تَحرِيرٍ لِلنَّفْسِ، حَيْثُ تَسَبَحُ فِي بَحْرِ السَّكِينَةِ، وَتَتَخَلَّصُ مِنْ أَثْقَالِ الدُّنْيَا وَهُمُومِهَا.

يَتَوَسَّعُ الْوِجْدَانُ حُسْنًا فِي لَحَظَاتِ الْخُشُوعِ، تَفَكُّرًا وَتَأَمُّلًا، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الْمَكَانُ الطَّيِّبُ لِلصَّلَاةِ إِلَى مَرْكَزٍ رُوحِيٍّ يَتَجَسَّدُ فِيهِ تَوَاصُلٌ حَقِيقِيٌّ مَعَ اللهِ، فَتَنْطَلِقُ الرُّوحُ فِي رِحْلَةِ تَدْبِرٍ تُلَامِسُ أَسْرَارَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ.

تَتَجَلَّى آثَارُ الصَّلَاةِ فِي الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ، حَيْثُ تَمْنَحُ الرُّوحُ قُوَّةً لِمُوَاجَهةِ مُغْرِيَاتِ الدُّنْيَا، وَتُحَافِظُ عَلَى سَمْوهَا. إِنَّهَا لَا تَقْتَصِرُ عَلَى تَقْدِيمِ الطَّاعَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وهو أمرٌ عظيمٌ كريمٌ ومطلوبٌ، بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى تَأْثِيرَاتٍ سُلُوكِيَّةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ تَجْعَلُ الْإِنْسَانَ أَكْثَرَ تَسَامُحًاً وَرِفْعَةً. فإنّ تَحْقِيقَ صِلَةٍ قَوِيَّةٍ مَعَ اللَّهِ يُعَزِّزُ التَّعَايُشَ الْإِنْسَانِيَّ وَالْفَهْمَ الْعَمِيقَ لِلْمَعَانِي الْحَيَاتِيَّةِ المُتَنوِّعَةِ.
“اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ”. (قرآن كريم، سُورةُ العَنكبوت)

قَالَ لِي صَاحِبِي: تَعَدَّدْتُ آرَاءُ الْمُحَلِّلِينَ فِي عِلْمِي النَّفْسِ وَالِاجْتِمَاعِ حَوْلَ تَفْسِيرِ سُلُوكِ الِانْسَانِ، غَيْرَ انَّهُمْ اتَّفَقُوا أَنَّ مِنْ دَوَافِعِ الْمَرْءِ أَنّه يَسْعى إلى تَحقِيقٍ دَوْرٍ جَيِّدٍ وَمُؤَثِّرٍ وَفَعَّالٍ، فَقُلْ لِي، يا صَديقُ، أَيْنَ مَكَانَةُ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ؟ أَجَبْتُهُ: نَعَمْ، يا صاحِ، اسْمَعْ عَنِّي، بِالْإِضَافَةِ إِلَى الدَّوْرِ الْخَاصِّ الَّتِي تُؤَدِّيهَا الصَّلَاةُ فِي التَّرْبِيَةِ، بِاعْتِبَارِهَا:” تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ”، وَجَعْلَ الْمُصَلِّي أقْرُبَ الَى اللهِ، الَا انَّهَا فِي مَسْأَلَةِالدَّوْرِ الِيَّ يَبْحَثُ عَنْهُ الْإِنْسَانُ فَإنّ لَهَا عَظِيمَ الْأَثَرِ؛ فَهِيَ الَّتِي تَجْعَلُ لِلْإِنْسَانِ دَوْرًا مُهِمًّا عِنْدَمَا يُصَلِّي، ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ لِلْمَرْءِ دَورٌ بِأَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ العظيمِ، العَلي الأعلى، الحليمُ الكريمُ، القاهرُ ذو القُوَّةِ المَتين، مُخْلِصًا، خَالِصًا.هُوَ رَبُّكَ اللهُ وَحْدَهُ، عَظِيمُكَ الْإِلَهُ وَحْدَهُ، نَجِيُّكَ الرَّبُّ وَحْدَهُ، قَرِيبُكَ الَّذِي تَدْعُوهُ هُوَ اللهُ نَفْسُهُ، أَنْتَ تُصَلِّي: لِمَنْ خَلَقَكَ حَقًّا، وَرَبَّاكَ حَقًّا، وَرَزْقُكَ حَقًّا، وَهُدَاكَ حَقًّا، وَأَنْعَمْ عَلَيْكَ حَقًّا، وَأرْشِدَكَ حَقًّا، وسترَ عنكَ حقاً، وصفحَ عنكَ حقًا، وأصلحَ أمورَك حقًا. إِنَّهُ يَسْتَمِعُ نَجْوَاكَ، وَيَقْبَلُ صَلَاتَكَ وَدَعَاكَ، وَيَسْمَعُكَ حِينَ تَتْلُو آيَاتِهُ، وَتَأْخُذُ بِأَحْكَامِهِ، وَتَعْمَلُ بِوَصَايَاهُ، وَتَجَتَنِبُ مَعَاصِيهِ، وترجو عافيتَهُ ورأفتَهُ وعطايَاهُ ورحمتَهُ ورِضاه…أَبْعَدَ كُلِّ ذَلِكَ، يَا صَاحِ، أَلَّا يكُونُ للصَّلَاةِ دورًا في تكوينٍ مَنْزِلِ الحُسنِ للرُّوحِ الحائرةِ، ولِلنَّفْسِ الْمُتْعِبَةِ، فَتَلْجَأُ إِلَى رَبِّهَا، فَتَجِدُ نَفْسَهَا فِي حِصنٍ حَصِينٍ، عِنْدَ رَبِّ رَحْمَنٍ رَحِيمٍ، عَفُوٍ كَرِيمٍ، إنّهُ خَيْرُ الْمَسْؤُولِينَ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ وَلاَ تَشُكُّونَ، فَإِنَّكُمْ تَعْمَلُونَ…وَكُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي الصَّلاَةِ بِإِيمَانٍ، تَنَالُونَهُ». (إنجيل متى، ٢١)

فِي النِّهَايَةِ، تَظَلُّ الصَّلَاةُ لِلهِ لَحْظَةً رُوحِيَّةً كاملِلةً بأبعادِها فَرِيدَةً، لَكَ أَنْ تَجِدَهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ اوْ أَكْثَرَ، تَتَسَلَّلُ إِلَى أَعْمَاقٍ نَفْسِيَّةٍ وَتُلَامِسُ الْجَوَانِبَ الْوِجْدَانَيَّهِ، فَتَحْمِلُ مَعَهَا ثِمَارَ الطَّمَأْنِينَةِ وَالْهُدُوءِ الَّذِي يُعِيدُ الْإِنْسَانَ إِلَى تَوَازُنِهِ الْحَقِيقِيِّ فِي هَذَا الْكَوْنِ الْوَاسِعِ.

هَكَذَا، تَظَلُّ الصَّلَاةُ لِلَّهِ لَحْظَةَ تَعْبِيرٍ عَنْ عِشْقِ الْإِنْسَانِ لِرَبِّهِ، الَّذِي خَلَقَهُ فَسَوَّاهُ، وَأَجْزَلَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ وَأَعْطَاهُ، وَتَحَنَّنَ عَلَيْهِ فَهَدَاهُ وَرَعَاهُ، لِتَتَرَكَّزَ الرُّوحُ الْبَشَرِيَّةُ الضَّائِعَةُ ما بين البردِ والصّقيع، والحَرِّ والهَجيعِ، فتجدَ نفسَها فِي حِضْنِ الْإِيمَانِ الدّافِئ، وَتَتَسَلَّلُ فِي أَعمَاقِ الْحَقِيقَةِ مُحَمَّلَةً بِأَثَرٍ طَيِّبٍ يَمْتَدُّ لِيُؤَثِّرَ فِي كُلِّ جَوَانِبِ الْحَيَاةِ الإنسانية.

مَعَ تَحِيَاتِي
أ.د.غَازِي قَانْصُو
صَبَاحُ الْأَحَدِ فَيَى٢٨-١-٢٠٢٤

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى