المقالات

عناوين طائفية تغطي فشل إنتخاب رئيس الجمهورية.. وميقاتي يتصدى!!.. غسان ريفي

تُعمق الهجمة المبرمجة لإستهداف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وإتهامه تارة بالاستئثار بالسلطة وتارة أخرى بمخالفة الدستور، وطورا بمصادرة صلاحيات رئاسة الجمهورية من المأزق القائم، خصوصا أن من تطوّع حقدا أو لتصفية الحسابات أو مكلفا لهذه المهمة يُشبه الى حدّ بعيد من يرمي الكرة بإتجاه جدار يعيدها مباشرة إليه.

فسياسة تحميل الآخرين مسؤولية الأخطاء والعجز والتخبط والفشل، هي سياسة عقيمة، لا تبني أوطانا ولا تخلق إزدهارا ولا تطورا، بل تضاعف من الأزمات، وهي سترتد عاجلا أم آجلا على أصحابها.

الرئيس نجيب ميقاتي، هو رئيس حكومة تصريف أعمال، ولديه ثوابت لا يحيد عنها، أبرزها أنه عندما يكون على رأس السلطة لا يخوض غمار الانتخابات النيابية، لذلك هو لا يملك كتلة برلمانية لكي يُحمّله البعض مسؤولية عجزهم عن إنتخاب رئيس الجمهورية، والذي يرتبط تعطيله بأمرين أساسيين:

أولا: الانقسام المسيحي ـ المسيحي، وغياب الرؤية الموحدة لدى التيارات المسيحية حول إنتخاب رئيس قادر وقوي.

ثانيا: عدم وصول كثيرين الى سن الرشد السياسي، ما يجعلهم دائما على قارعة إنتظار الإملاءات الخارجية لكي تفرض عليهم رئيسا وفق تصور الخارج.

هذان الأمران، يتناقضان مع أسباب إنتقاد الرئيس ميقاتي في هذا المجال، ويجعل كل التصريحات الصادرة من الجهات التي تتحدث بهذا المنطق “لزوم ما لا يلزم” أو “لذر الرماد في العيون”.

أما حكومة تصريف الأعمال، فهي بالعادة إجراء قانوني ـ دستوري يُتخذ لسدّ الشغور بشكل مؤقت ولفترة قصيرة جدا، وفي حال طالت هذه الفترة، كما هو حاصل اليوم في لبنان الذي دخل شهره السادس عشر من دون رئيس، فلا يجوز لهذه الحكومة أن تقف مكتوفة الأيدي أمام الأزمات التي تتوالد يوميا، من هنا لا يمكن للرئيس ميقاتي الذي ترأس حكومتين في أصعب وأحلك الظروف ونجح خلالهما في حماية البلد من الفتن المتنقلة داخليا ومن البركان الاقليمي الذي أحرق المنطقة برمتها، أن يتمترس خلف تصريف الأعمال، وأن يستقيل من دوره في قيادة البلد وتأمين مصالح اللبنانيين، خصوصا أن المصلحة العامة والمسؤولية الوطنية تتقدمان على النصوص التي وضعت أساسا من أجل خدمة الناس.

من هذا المنطلق وبحكم الضرورة الملحة يتصرف الرئيس ميقاتي وحكومته في إدارة الشأن العام، واللافت أن أكثر التيارات إنتقادا لدوره هي أكثرها إنتقادا للتقصير الحكومي في حال حصل، فكيف يمكن تفسير هذه الأزدواجية في المواقف؟، سوى أن هناك من يريد التعاطي مع ميقاتي وحكومته على قاعدة “عنزة ولو طارت”.

لا شك في أن لبنان يعيش أوضاعا إستثنائية، ولا يجوز التلطي في هذه الظروف خلف عناوين طائفية، لا سيما ما يتعلق بالدور المسيحي والمخاوف من مصادرته، علما أن أحدا في لبنان لا يريد الانتقاص من هذا الدور، وفي مقدمة هؤلاء الرئيس ميقاتي الحريص على الوجود المسيحي ليس في لبنان فحسب بل في هذا الشرق، وذلك بإعتراف قيادات مسيحية عدة وعلى رأسها البطريرك الماروني بشارة الراعي، فمن المستفيد من طرح هكذا عناوين من شأنها أن تودي بلبنان الى المجهول؟.

لبنان في حالة حرب، وفي أزمات إقتصادية وإجتماعية وإنسانية وتربوية وصحية، وهو مطالب بمواقف سياسية لا تقوى عليها حكومات كاملة الصلاحيات، وهل المطلوب من الرئيس ميقاتي أن يقف ويتفرج على الانهيار نحو الدرك الأسفل من جهنم؟.

هل كان المطلوب جيشا بلا قائد وبلا رئيس أركان ليتحول صمام أمان الوطن الى دكاكين يمكن إدارتها سياسيا عن بُعد؟، هل المطلوب إستمرار الفراغ في المؤسسات لتعطيل مصالح الناس؟، هل المطلوب أن يجوع الموظفون وأن يُضرب المعلمون وتُقفل المدارس، وأن يموت المرضى على أبواب المستشفيات وأن تُشرع البلاد لقانون غاب بفعل غياب أي سلطة قادرة على إتخاذ قرار؟.

لم يدع الرئيس ميقاتي مناسبة إلا وأعلنها صراحة بأن “إنتخبوا رئيسا للجمهورية”، وفي جلسة الموازنة قال: “إنتخبوا رئيسا للجمهورية وحلوا عنا”، وذلك لم يكن دعابة أو محاولة للإساءة بقدر ما كان تعبيرا صادقا عن معاناة سياسية طفح الكيل معها، خصوصا إذا كان المعنيون عاجزين عن إنتخاب رئيس الجمهورية والاسهام في عودة إنتظام الحياة السياسية وعمل المؤسسات، فإن عجزهم لا يبرر لهم التطاول على موقع الرئيس ميقاتي الذي يتصدى لهذه الهجمة الشرسة والظالمة بوضع النقاط على الحروف، وبتسمية الأشياء بأسمائها، ما يعتبره بعض المشاركين في الهجمة إساءة الى هذا المقام أو ذاك.

ما يحصل اليوم، لا ينهي شغورا، ولا ينقذ وطنا، ولا يحمي شعبا، ولا يعزز دورا سياسيا لهذا التيار أو ذاك ممن يعانون من أزمات تراجع النفوذ والشعبية، بل على الأقل أن يبادر هؤلاء الى الاعتراف بعجزهم عن إتمام الاستحقاق الرئاسي وأن يخففوا من الممارسات الشعبوية التي ملها المواطنون، وأن يبدأوا بخطوات
جدية لانتخاب رئيس للجمهورية، بدل تحميل رئيس الحكومة تداعيات فشلهم وخلافاتهم وسياساتهم الخرقاء التي لم تجلب على البلاد سوى الويلات.
المصدر: سفير الشمال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى