المقالات

قراءة في شكّل الشرق الأوسط الجديد والهيمنة الأمريكية بعد تنصيب بوتين؟ بقلم: ناجح النجار- صحفي وباحث في الشأن الدولي والإقليمي

لقد نجح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تعزيز مكانته داخليًا وخارجيًا لاسيما في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، مستغلا في ذلك ملف غزة ودعم روسيا الكبير لغزة في مجلس الأمن والأمم المتحدة وإدانتها جرائم الكيان المحتل، مما يؤكد أن المؤشرات والمعطيات ستفضي إلى عالم جديد متعدد القطبية، وعلاقات كبيرة وواسعة أكثر نفوذا في منطقة الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة بعدما تم تنصيب بوتين لفترة رئاسية جديدة في 7 مايو 2024.

نعم استطاع بوتين بامتياز في تعقيد الموقف والمشهد المتأزم في الملف الأوكراني وفي ساحة المعركة أكثر أمام حلفاء كييف الغربيين، وهو ما جعل الدب الروسي في وضع أفضل يسهم في تطوير سياساته الإقليمية بما يحقق فوائد كبيرة وإضافية لروسيا في مواجهتها الشاملة مع الغرب.

انطلاقا من هذه المعطيات على الأرض، فإن رجل الكرملين سيواصل سياساته ودعمه للملف الفلسطيني في ظل العدوان المتواصل على غزة وشعبها، وهو ما يسلط الضوء على ازدواجية المعايير لدى الغرب والأمريكان المتشدقين بالديمقراطية المزعومة تلك التي ذهبت أدراج الرياح، وهو ما عبر عنه بكل صراحة أحد مرشحي الرئاسة الأمريكية.

إن سياسة روسيا في الفترة الأخيرة قد أعطتها زخمًا ودعمًا عربيًا وأفريقيا، بالتزامن مع دعم الغرب وواشنطن للمجازر في غزة، وهو ما سيضاعف كثيرا من الفوائد الكبيرة للجانب الروسي، لاسيما أن الكرملين يولي اهتمامًا واسعًا لدعم أي تحرك فلسطيني أو عربي أو إسلامي في المحافل الدولية، ولكن مع ترك “شعرة معاوية” لعدم قطع كل قنوات الاتصال مع الكيان الصهيوني.

كما نجحت روسيا بقيادة بوتين خلال 4 فترات رئاسية ماضية، من استعادة جزء كبير من النفوذ الدولي المفقود بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، كما تمكن بوتين، بسياساته من حماية الاقتصاد من التهديدات الخارجية؛ كـ الحصار الأمريكي الغربي الذي فُرِض على روسيا بعد استعادة شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم تصاعدت وتيرتها لتبلغ مستويات هائلة وغير مسبوقة في التاريخ، بعد بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا.

أيضًا لا يغفل رجل الكرملين التوازن في علاقاته مع إيران من جهة، ومع الدول العربية والإسلامية التي تحول بعضها إلى شريك استراتيجي لروسيا على الصعيد التجاري والسياسي والاقتصادي ومنهم دول: مصر والسعودية والإمارات من جهةٍ أخرى.

ومن الملاحظ أن ميزان التبادل التجاري مع غالبية البلدان العربية ارتفع إلى مستويات كبيرة خلال العامين الماضيين على الرغم من العقوبات المفروضة على روسيا، حيث ينعكس الأمر على سياسات روسيا تجاه ملفات إقليمية أخرى حساسة مثل الوضع في ليبيا واليمن، وفي الحالين تقوم سياسات بوتين على تنسيق الخطوات والتحركات مع الأطراف الفاعلة في الملفين.

اقتصاديًا وداخليًا

لقد نجحت إدارة الرئيس بوتين من جعل الاقتصاد الروسي أكثر قدرة على استيعاب الصدمات الكبيرة مثل العقوبات سالفة الذكر، وهو ما سمحت به وفرة الموارد المالية الكبيرة لروسيا، وديونها الخارجية المنخفضة، وقدرة الكرملين على التعبئة الداخلية والحشد في مواجهة التهديدات الخارجية، دون اللجوء لاقتصاد الحرب.

ورغم المعارضة الداخلية، إلا أن بوتين لا يزال يتمتع بدعم داخل المجتمع الروسي، تمثّل مؤخرًا في حصوله على نسبة 87.28% من مجموع أصوات الناخبين، فيما سجلت المشاركة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الفترة من 15-17 مارس الماضي رقما قياسيا في تاريخ روسيا الحديثة بلغت 77.44% ممن لهم حق الاقتراع، حيث صوت 87.1 مليون مواطن.

وعلى ما يبدو أن الأمر ليس فقط فيما حققه بوتين خارجيًا، بل في استعادته لهيبة الدولة الروسية في المحافل الدولية، حيث يعد أول رئيس سياسي منذ عقود عديدة تبدأ معه روسيا في توسيع نفوذها وأراضيها، واستعادة أراض كانت مملوكة لها تاريخيا وفق وجهة النظر الروسية وهذا ما ذكره بوتين صراحة بالقول “إن أوكرانيا أرض روسية وخطأ لينين زعيم الثورة البُلشفية في إعطائها حق الحكم الذاتي”.

حيث السيطرة على شبه جزيرة القرم، وجمهوريتي دونباس ولوغانسك ومنطقتي خيرسون وزابوروجيه، كما تضع روسيا الآن كل من بريدنيستروفيه وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية تحت الحماية، بينما عاد مئات الآلاف وآلاف المواطنين الروس إلى ديارهم، وهو ما قد ظهر عبر الاستفتاءات واستطلاعات الرأي مدى شعبية مثل هذه الإجراءات، ورغبة الشعب الروسي في العودة إلى أراضيه.

بالأخير. سوف تشهد سياسات الرئيس بوتين في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بعدما تم تنصيبه رئيسا لفترة جديدة تغييرات كبيرة وربما جذرية، خصوصًا مع غالبية البلدان العربية، لاسيما بعد انضمام عدد من الدول لمجموعة “بريكس” وهي مصر ودولة الإمارات والسعودية مع تعاظم النفوذ الروسي في منطقة الساحل الأفريقي، وهو ما جعل روسيا تحشد أكبر قدر ممكن من الشراكة القوية والتجارية مع دول المنطقة والقارة عمومًا، مما ساعد موسكو في التغلب على العقوبات وتعقيد الوضع المتأزم بشكل أكبر أمام السياسات الغربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى