مصر تستضيف الدورة الثانية للمنتدي الحضري العالمي تعزيزًا لجهود التنمية الحضرية المستدامة

د. شيماء محجوب \ خبير اقتصادي للتخطيط والتنمية المستدامة
هناك اتفاق عالمي متزايد على أن استراتيجيات التخطيط العمراني والحضري وسياساته تسهم في النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة الاجتماعية والبيئية، ومن أجل ذلك تم وضع التخطيط العمراني كأداة هامة لتشكيل مستقبل مستدام وعادل للجميع، الذي يمكن من خلاله تحقيق التنمية المتوازنة المكانية والإقليمية.
وإذا كان مصطلح التنمية المستدامة قد وضعت أول جذوره في عام 1987 بعد ظهور تقر ير لجنة “Brudtland” مستقبلنا المشترك “our common future” والذي أعدته اللجنة العالمية للبيئة والتنمية فى عام 1987، فإن فكرة التنمية العمرانية المستدامة ظهرت في عام 1992 في مؤتمر القمة “Rio de janeiro” ومؤتمر “UN-Habitat” في عام 1996 والذي أوصي بحق كل فرد فى أن يمتلك مساحة مخصصة للسكن. وفي عام 2000، ظهرت أفضل الممارسات للتنمية العمرانية المستدامة في مؤتمر “Urban 21″، و في 2002 تم تناول المفهوم من جديد في مؤتمر”johnhaunsperg”.
هذا، وقد جاء عام 2006 ليتم التركيز علي الدور المحوري للتخطيط في الاستدامة الحضرية، والذي بدوره سيحقق منافع كبيرة، ضمن فعاليات “world urban forum”. وفي عام 2012 تم التأكيد علي تنمية الأحياء الفقيرة من أجل الاستدامة في” Rio de janeiro” بتوفير أماكن صالحة للسكن، حياة صحية، مع إنشاء مشروع لتحسين البيئة وعلي رأسها سبل لتحسين الاستخدام الكفء للطاقة بحيث يتم خضوع كل المباني الجديدة حتي الخاصة منها في مرحلة الإنشاء، واستخدام مواد بناء مستدامة، والذي يعزز من جودة الحياة، ليتم تجربة ذلك في أكثر المدن فقرًا حتي يتم تعميمه علي باقي المدن والمناطق الأخري.
وفي عام 2016، تمثلت الخطة الحضرية الجديدة [1] في رؤية لمستقبل أفضل وأكثر استدامة، يتمتع فيه جميع الناس بحقوق متساوية، ويتاح لهم الاستفادة من الفرص التي يمكن للمدن أن تقدمها، وهو ما أدي إلي إعادة النظر من قبل المجتمع الدولي في النظم الحضرية والشكل المادي للمدن من أجل تحقيق هذه الرؤية.
وقد كان من أهم نتائج ذلك، في سياق خطة التنمية الأممية المستدامة 2030، وغيرها من الأطر الإنمائية العالمية، التركيز على أهمية التخطيط وإدارة التوسع الحضري، و أن المدن يمكن أن ينظر اليها كمصدر وأساس لحلول مختلف المشكلات التنموية، بدلاً من اعتبارها أساسًا للتحديات التي يواجهها العالم اليوم. وبالتالي، يتم اعتبار هذا التوسع العمراني أداة قوية للتنمية المستدامة في كل الدول أيًا كانت درجة تقدمها. وتعرض هذه الخطة، معايير ومبادىء التخطيط، التطوير، والإدارة من أجل تحسين المناطق الحضرية في ركائزها الخمس التنفيذية والتي تتألف من النقاط الموضحة بالشكل أدناه:
ويتضح من الشكل المقابل، أن هناك ارتباط وثيق بين التحضر وتحقيق التنمية المستدامة، الأمر الذي يوضح الربط بين التنمية الحضرية وخلق فرص العمل اللائق داخل النشاط الاقتصادي وتحسين نوعية الحياة بشكل كامل.
كما يوضح الشكل الفاعلين الأساسين في منظومة التنمية العمرانية، حيث مثلت هذه الركائز مصدرًا من مصادر مستويات صنع القرار داخل الأجهزة الحكومية، من المستويات التخطيطية الأعلي علي المستوي القومي، وحتي المستويات المحلية في التنفيذ، ومنظمات المجتمع المدني، القطاع الخاص، ممثلين عن المحليات…
ومن هنا فإن التنمية الحضرية العمرانية المستدامة ركزت علي “تحسين نوعية الحياة في المدينة” بما يتضمنه ذلك، فضلاً عن الجانب العمراني، جوانب ثقافية، بيئية، اقتصادية، مؤسسية، اجتماعية، وسياسية ودون ترك أية أعباء للأجيال القادمة متمثلة في استنزاف الموارد.
في سياق متصل، فقد تم الاعتراف بما يسمي “السكن الملائم”، كجزء من الحق في المستوي المعيشي الملائم، وذلك بداية من عام 1948 ضمن الإعلان العالمي لحقوق الانسان، ثم في الميثاق الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، وقد تم الاتفاق و الإعلان عن الشروط الواجب توافرها حتي تلبي بالمفهوم ضمن أوراق مؤتمر الأمم المتحدة للسكان والتنمية المستدامة كما يلي:
أمن الحيازة: حتي يكون السكن ملائمًا فلا بد من ضمان الحماية القانونية من الاخلاء القسري أو ما شابهه من تهديدات.
توافر الخدمات، الموارد، المرافق، والبنية التحتية من الماء الصالحة للشرب، الصرف الصحي الملائم، الطاقة اللازمة للطهي والتدفئة، أو الإنارة، أو تخزين المواد الغذائية، والتخلص من النفايات.
القدرة علي تحمل تكاليف المسكن بما ينفي حدوث التهديد لشاغلي المساكن.
صلاحية المسكن من حيث ضمان السلامة الجسدية، وتوفير المساحة الكافية، والأمن من البرد والرطوبة والعوامل المناخية الأخري، أو تهديدات أخري.
امكانية الوصول، بمعني أن يأخذ في الاعتبار الاحتياجات الخاصة للفئات المحرومة والمهمشة دون إقصاء أحد.
تنتفي صفة الملاءمة للسكن إذا كان منقطعًا عن فرص العمل، خدمات الرعاية الصحية، المدارس، خدمات مراكز الأطفال، وغير ذلك من المرافق الاجتماعية، وبالطبع بعيدًا عن المخاطر بأنواعها بما فيها مخاطر التلوث البيئي.
وأخيرًا لا بد أن تتضمن ملاءمة السكن احترام التعبيرعن الهوية الثقافية.
ويمثل هدف التنمية العمرانية الهدف الحادي عشر من الأهداف الأممية للتنمية المستدامة، والذي تم النص عليه في التقرير الوطني لمتابعة أهداف التنمية المستدامة كما يلي[2]: “يقتضي العيش الجيد في المدن الحصول علي المسكن، الخدمات الأساسية، وسائل النقل المأمونة والمستدامة، المساحات الخضراء والأماكن الثقافية، استنشاق الهواء الجيد، وتوفير الحماية من تداعيات تغير المناخ، ويتناول هذا الهدف الحد من الأثر البيئي للمدن عن طريق منع التلوث أو إدارة النفايات”
كما يمثل أحد محوري البعد البيئي، والمحور العاشر من المحاور المتضمنة فى رؤية واستراتيجية مصر: 2030، والذي ينص علي ما يلى: “بحلول عام 2030 تكون مصر بمساحة أرضها وحضارتها وخصوصية موقعها قادرة على استيعاب سكانها ومواردها في ظل إدارة تنمية مكانية أكثر توازنًا تلبي طموحات المصريين وترتقي بجودة حياتهم ذات اقتصاد تنافسي ومتوازن ومتنوع يعتمد على الابتكار والمعرفة، قائمة على العدالة والاندماج الاجتماعي والمشاركة، ذات نظام إيكولوجي متزن ومتنوع تستثمر عبقرية المكان والإنسان لتحقيق التنمية المستدامة وترتقي بجودة حياة المصريين”
علاوة علي ذلك، تنص المادة 236 من الدستور[3] علي ما يلى: “تكفل الدولة وضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة، ومنها الصعيد وسيناء ومطروح ومناطق النوبة، وذلك بمشاركة أهلها في مشروعات التنمية وفي أولوية الاستفادة منها، مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلي، خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور، وذلك علي النحو الذي ينظمه القانون، وتعمل الدولة علي وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلي مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات، وذلك علي النحو الذي ينظمه القانون.”
كما كفل الدستور للمواطنين وفقًا لمادته 78[4] الحق فى ذلك المسكن الملائم والآمن والصحى، بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية. وتلتزم الدولة بوضع خطة وطنية للإسكان تراعى الخصوصية البيئية، و تكفل إسهام المبادرات الذاتية والتعاونية فى تنفيذها، وتنظيم استخدام أراضى الدولة ومدها بالمرافق الأساسية فى إطار تخطيط عمرانى شامل للمدن والقرى استراتجية لتوزيع السكان، بما يحقق الصالح العام وتحسين نوعية الحياة للمواطنين و يحفظ حقوق الأجيال القادمة. كما تلتزم الدولة بوضع خطة قومية شاملة لمواجهة مشكلة العشوائيات تشمل إعادة التخطيط وتوفير البنية الأساسية والمرافق، وتحسين نوعية الحياة والصحة العامة، كما تكفل توفير الموارد اللازمة للتنفيذ خلال مدة زمنية محددة.
وتجدر الإشارة إلى أن الرؤية التنموية، كما وردت بالمخطط الاستراتيجي القومي المحدث للتنمية العمرانية، تتمثل فيما يلى: “مجتمعًا متوازنًا متمسكًا بالهوية الوطنية وبموروثه الثقافي وقيمه الدينية والحضارية، يتمتع فيه المواطنون بكافة رغد العيش وجودة الحياة في إطار منظومة بيئية متكاملة ومناخ ديموقراطي دافعًا للتنمية المستدامة والمشاركة المجتمعية الفاعلة”
ومن ثم تمثلت الأهداف الاستراتيجية للتنمية العمرانية، التي يجب تحقيقها بحلول عام 2030 علي زيادة المساحة المعمورة، بما يتناسب مع توزيع الموارد وحجم وتوزيع السكان استغلال الموقع الاستراتيجي لمصر إقليميًا ودوليًا ، والارتقاء بمستوي جودة البيئة العمرانية.
وفي إطار الركائز الأساسية التي ارتكزت عليها التنمية المستدامة لتحقيق أهدافها وهي (1): الكفاءة الاقتصادية، عن طريق الاستغلال الأمثل للموارد، و(2): العدالة الاجتماعية، عن طريق التوازن السكاني والحد من الفقر، و(3): مواجهة المخاطر الطبيعية والأمنية عن طريق تحقيق الأمن الداخلي والخارجي، إضافة إلي المخاطر البيئية، فإن تحقيق أهداف التنمية العمرانية يأتي بالدرجة الأولي ضمن إطار تحقيق العدالة الاجتماعية جنبًا إلي جنب إلي تحقيق التوازن البيئي، وذلك عن طريق الإنطلاق في التنمية الإقليمية، وإعادة توزيع السكان فى إطار تنمية إقليمية مكثفة ومركزة وذلك وفقًا للآليات التالية:[5]
التركيز على تنمية المناطق الفقيرة (شمال ووسط الصعيد كأولوية أولى).
تبنـــى إســـتراتيجية الانتشـــار فـــى مجتمعـــات عمرانيـــة بأحجـــام ســـكانية صــغيرة ومتوســطة، بأنمــاط ووظــائف مختلفــة (خــدمات إقليميــة – بنيــة متطــورة- خدمات زارعية – تنمية سياحية).
دعم وتعظيم تكامـل أدوار ووظـائف وأحجـام المسـتقرات القائمـة والمـدن الجديدة.
ولذلك، فقد تم توجيه عملية التنمية الحضرية في مصر كنهج مستدام لتحقيق الرفاه والاندماج الاجتماعي والحفاظ علي الميراث الثقافي.
ولعل المبادرة الرئاسية ” حياة كريمة ” تجسيدًا لكافة محاور الاستدامة والذي تم فيه مراعاة البعد البعد الاقتصادي، الاجتماعي، الثقافي، والبيئي. التركيز علي نهج ” الحضر- الريف” الذي توصي به الأمم المتحدة من أجل توفير كافة الخدمات الأساسية منها السكن الكريم والصرف الصحى ومياه الشرب والتمكين الاقتصادي وتوفير فرص العمل لأبناء القرى لتحسين دخل الأسر . الأمر الذي جعل منها نموذجًا يحتذي به في تحسين جود ة حياة الشعوب. وبالتالي هي مبادرة يمكن نقلها على مستوي الدول الأفريقية لتحقيق طموحات شعوب القارة .
وختامًا لا بد من الإشارة إلي أن استضافة مصر لهذا العام للمنتدي الحضري العالمي في دورته الثانية عشرة WUF-12 ، كأكبر فعالية دولية معنية بمناقشة موضوعات التنمية الحضرية المستدامة، ما هو إلا نتاجًا متميزًا لتحقيق الشراكات مع عدد من الدول الإقليمية والدولية ومنظمات الأمم المتحدة وبرامج التعاون ووكالاتها الدولية العاملة في مصر.
جاء ذلك بناء على التوصية التي أصدرتها بالإجماع لجنة الاختيار بالبرنامج في ضوء ما تميز به الجانب الموضوعي للملف المصري، وستكون بذلك المرة الأولى التي سينعقد فيها المنتدى في إحدى الدول الإفريقية منذ دورته الافتتاحية التي نظمها البرنامج بمقره في نيروبي في عام 2002.
وهو ما يعكس الجهود والانجازات التي حققتها الدولة المصرية في ملفات التنمية الحضرية المستدامة، من خلال إنشاء المدن الذكية والمجتمعات العمرانية الجديدة وإعادة تأهيل وتطوير المناطق العشوائية وتوفير أماكن للسكن اللائق منخفض التكلفة، وذلك في إطار الأهداف المشار إليها بعاليه، من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وما ينبثق عنها من أهداف وطنية تجسدت في رؤية واستراتيجية التنمية المستدامة مصر 2030.
[1] مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالإسكان والتنمية الحضرية المستدامة، “الخطة الحضرية الجديدة”، 2016.
[2] الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، “التقرير الوطني لمتابعة أهداف التنمية المستدامة”، 2018.
[3] “تحديث المخطط الاستراتيجى القومي لمصر”، 2017، مصدر سبق ذكره.
[4] يحيي شوكت،سياسات الإسكان في مصر: بين استمرار سياسات الماضي ووضع سياسات عادلة للمستقبل، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، القاهرة، 2014، ص 4.
[5] المصدر:
- المصدر السابق.
- وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري، “وثيقة استراتيجية التنمية المستدامة، رؤية مصر: 2030″، 2016، مصدر سبق ذكره.




Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development