كخطوة ناقصة \ د. قصي الحسين

ما فعل المسؤولون في لبنان، عبر المائة عام التي مضت أمرا وأتموه. كل ما كانوا يفعلونه. أو يقدمون على فعله، يأتي ناقصا بعد حين، فيندمون.
تلاوة فعل الندامة في حياة اللبنانيين، صارت من تراثهم. نادوا بالحرب على تركيا في أول القرن للخلاص من الإحتلال، وندموا. نادوا بلبنان الكبير، وخاضوا المعارك من أجل تحقيقه. وعقدوا المؤتمرات، وشاركوا في جميع المؤامرات. وإقتتلوا: ناس مع أم العروس. وناس مع أم العريس. ناس مع ستي. وناس مع سيدي. وأنقسموا. ثم إجتمعوا وأجمعوا. ولم يلبثوا بعد لأي أن ندموا.
خاض اللبنانيون جميع أنواع المعارك للخلاص من الإنتداب. شنعوا بأهل الإنتداب. وأبلوا فيهم. وثاروا وهاجوا وماجوا. وإفتعلوا وإنفعلوا. وحملوا في المسيرات. أصغر مسيراتهم، كانت، دونها خرط القتاد. ثم لم يلبثوا أن ندموا.
طالبوا أمم العالم بالإستقلال. ووقفوا وإستوقفوا. وبكوا وإستبكوا. وفعلوا ما لم يفعله عاقل ولا مجنون. ودفعوا من الدماء. وقدموا من الشهداء. وخرجوا إلى الشرق والغرب، يطالبون بالإستقلال. ثم لم يلبثوا أن ندموا.
خاضوا الثورات. خاضوا الإنقلابات. تحالفوا مع شياطين العالم. لم يدعوا شيطانا يرتاح، إلا وأثاروه وقلبوه وطالبوه بأن يكون إلى جانبهم. وحين إستبانوا، ندموا.
ضاق بهم لبنان، فخرجوا فجأة للبننة العالم. شاركوا في جميع أعمال التأليب. وفي جميع أعمال التخريب. قالوا بأنهم من أصحاب الحضارات التي ضاقت الأرض بها. أنهم من فينيقية. أنهم أهل البحار. أنهم أهل الإمارة. وأهل التجارة. وأهل الصناعة. وأهل الزراعة. وأبناء الحيل. وأبناء الحيلة و الحرف. وأبناء الحروف الذين أولدوا الحرف. ثم إنكشف أمرهم في عيون العالم. فخابوا وندموا.
نادوا للبننة سوريا وللبننة سوريا الكبرى. نادوا للبننة العرب. نادوا للبننة العالم. وحين إستفاقوا على سخفهم وعلى هزالهم. وهزال أفكارهم. على جنونهم وعلى مجونهم، أدركوا سخف المقالات التي يقولونها. وسخف القضايا التي يعرضونها. وسخف الرايات التي يرفعونها. فندموا.
خرجوا لتحرير إفريقيا. وخرجوا لتحرير أميركا اللاتينية. وخرجوا لتحرير أسيا. خرجوا لتحرير الجزائر. وتحرير أريتريا. وتحرير العراق. وتحرير ليبيا. وتحرير إيران. وتحرير مصر. وتحرير موسكو. وتحرير واشنطن. وتحرير بكين، ومعها سيول وهانوي وعمان والقدس وعموم فلسطين. وحين هدأوا، أدركوا شناعة ما قاموا به. و ندموا.
نادوا على أنفسهم بالتقسيم. ونادوا على أنفسهم بالإنعزال. ونادوا على أنفسهم بالوحدة العربية. وبالوحدة الإسلامية. وبالوحدة من ضالمحيط الهادر إلى الخليج الثائر. وحين هدأوا. وأدركهم ضحى الغد، ندموا.
ينادي اللبنانيون في المواسم على الإنتخابات يتضاربون بالخشب ويتضاربون بالتنك. ويتقاذفون بالحجارة. يقوسون على بعضهم. يدركبون الحجارة في دروب بعضهم البعض، ويسدون على إخوانهم النوافذ والدروب والطرق. يتشاتمون من الصباح حتى المساء لأجلها. يخونون بعضهم بعضا.يلعنون بعضهم جهارا ونهارا لأجلها. يكفرون بعضهم. يرمون مللهم ونحلهم، بأشنع الأوصاف. يتراشقون بالخيانة والتبعية والعمالة. ويتهمون بعضهم برائحة الزفت تنبعث من ثيابهم. يهيجون بعضهم مثل الثيران ب”الأخضر”، بالدولار. وبالأصفر الرنان. وحين تضع الإنتخابات أوزارها، يلعنون الإنتخابات وزورها وتزويرها، والمزورين فيها. ثم يعودون إلى بيوتهم، وإلى مكاتبهم. وإلى أحزابهم، يتلون فعل الندامة.
يتحضر اللبنانيون اليوم، لإنتخابات الرئاسة. رئاسة الجمهورية. ويتحضر اللبنانيون اليوم لترسيم الحقول النفطية. ويتحضر اللبنانيون اليوم للتوحد. ويتحضرون للإنقسام. ويتحضرون للحياد. ويتحضرون للإندماج في جميع الحقول. ومع جميع البلدان، وفي جميع المعارك. وكأنهم ما عاشوا سابقا. بل كأنهم أطفال، لا رجال. كأنهم أبناء اليوم. ليس لهم تجارب سابقة، لا في السلم ولا في الحرب.
كخطوة ناقصة، يسيرون في أية مسيرة. كخطوة ناقصة، يخطون على أية أرض يدعسون طينها. كخطوة ناقصة، تأتي جميع أعمالم. تأتي جميع مواقفهم. تأتي جميع إعلاناتهم. تأتي جميع مطالبهم.
كأنهم أتوا إلى الحياة، من أول الدهر، كفعل ناقص. كخطوة ناقصة.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development