حان وقت التلاقي و الحوار والتفهم و التفاهم، فماذا ننتظر ؟!المؤرخ و الكاتب السياسي د. حسن محمود قبيسي

في تقييم ما حدث وأخذ العِبَر ْ؛ لا تُقرأ المجريات قراءة موضوعية شفافة إلا بما و صلت إليه بدوافعها و مسبباتها وشعاراتها وتهيؤاتها ، في الزمان والمكان والظروف المحيطة بالعاملين فيها ، وفي غير ذلك إفتراء وغوغائية مغرضة تضليلية لستر ما اقترف سلطان الزمان ، وما يضلون إلا مريدي السلطان .
«ونظر موسى الى الشمال، نحو جبال لبنان وقال: وهذا الجبل؟ اجاب الله وقال: اغمض عينيك. هذا الجبل هو وقف لي. لن تطأه قدماك لا انت ولا الذي سيأتي من بعدك».(تثنية الاشتراع: 3/25، 32/52، 34/4. صدّق لبنانيون ذلك وانتشوا، ورأوا فيه أمجادًا أعطيت لرأس كنيستهم « مجد لبنان اُعطي له » .
في لبنان ( حسب تسمية اليوم ) كانت ساحة الصراع بين معاوية و خلفائه مع البيزنطيين ،وبعدهم كان ساحة الصراع بين الفاطميين والفرنجة ، ثم بين ايطاليا والسلطنة العثمانية من خلال فخر الدين المعني الثاني ، وبعدها حاول كل من نابليون بونابرت و والي عكا أحمد باشا استقطاب بشير الشهابي الثاني الذي وقف على الحياد ، خوفًا، للوقوف معه في حربه ضد الآخر .
بعد ذلك كان مطمع الدول الأوروبية الكبرى الخمس ، فكان الصراع على النفوذ فيه حتى وصف المستشار النمساوي مترنيخ جبل لبنان : « هذا البلد الصغير في حجمه، الكبير في أهميته» ، معتبرًا أنه « إذا هدأت في هذه الولاية هدأت في السلطنة العثمانية ، وإن هدأت الأمور فيها هدأ العالم »
وبعد اندحار العثمانيين كان شأن آخر . دخلت أنظمة عربية ساحة الصراع فكانت فتن ومحن .
لا يختلف اثنان أن في أهم مسببات وأسباب ما و صلنا إليه افتقارنا إلى دولة رعاية وحماية، عصرية وعادلة .
لانناقش إن في لبنان قامت دولة ، دولة جباية ، يهيمن عليها الأقوى بين المكونات الملية مع مكاسب محدودة لبقية الرعايا ، أدارت و تدير شؤونه «عصابة » متسلطين حفاظًاعلى امتيازات الملة بمسمى حقوقها، أو انتزاع تلك الامتيازات / الحقوق لأبناء الملة ورعيتها، وما من مواطن واعٍ يحترم نفسه يرضى بدولة كهذه، وباستثناء الحقبة الشهابية لم يعرف لبنان الدولة العصرية .
أضرت الهيمنة الفئوية في لبنان بالمهيمن فكان هدفًا للتصويب والانقلاب عليه للتخلص من هيمنته، فخاف من الكثرية العددية – أو ادعى ، وقد يكون تحسبًا – ومترس وراء خوفه وتخوفه؛ فكان ذريعة للتضييق على باقي المكونات – ولبنان مع الأسف ما زال تجمع مكونات لم تبنِ وطنًا ولا حتى كيانًا وطنيًا- . كانت الطائفة أولًا ؛فعمت المحسوبية وتفشى الفساد وشُلت « الدولة» ومسخت الوزارات و الإدارات و… سابت .
وأصاب الحرمان باقي المكونات من كافة المذاهب والطوائف ، بنسب متفاوتة، فكان غبن وكان خلل في الانماء والتطور، وبالتالي خلل في تقديم الخدمات الحياتية و فروقات في الدخل الفردي وفي مستوى المعيشة .
فتفرق اللبنانيون وانقسموا حول البديهيات وبينها تحديد الشقيق والصديق و الحليف و العدو ، من شعوب الأرض ودولها .
لذا ، نتوقع مع الأسف فتن بعناوين متعددة : الصلح مع العدو الصهيوني الطامع في أرضنا و ثرواتنا ، والمطالبة بنزع سلاح المقاومة ، وهومطلب أكثر تطرفًا من مطالبة العدو الصهيوني بانسحاب المقاومة وهي ناس وبيئة و فكر ومناخ و روحية، و بإبعاد الصواريخ كيلو مترات إلى جنوب الليطاني ، ومداها أبعد مما يطالبون بإبعاده إليه .
و نطالب بدولة القانون و نطالبها بالضرب بيد من حديد على من يحاول إثارة الفتن وتحريض لبنانيين على مواطنيهم وتنفيذِ قانون العقوبات اللبناني بحق محرضي العدو الصهيوني على قتل اللبنانيين ،تنفذيه بمادتيه : المادة 295 و المادة 296 عقوبات.
فالفتنة انتحار المجتمع ومذبحة الوطن، وهي سلاح العدو الصهيوني الأشد فتكًا والأوجع ، وهو ما بدأ العمل عليه بعدما سبقه إليها عملاؤه وتصويرهم – على الطريقة الأمريكية و الغربية – اعتداءاته دفاعًا مشروعًا على النفس .
صحيح أن إحباط أهداف العدوان هزيمة مذلة للمعتدي ونصف انتصار للمقاوم ، والنصر يكون بتحقيق مكتسبات .
وأن لا نستسلم وسط كل هذه المجازر والتخاذل العربي و الإسلامي والصمت الدولي؛ فتلك بطولة وانتصار.
وسيكتب التاريخ أن مقاومًا لبنانيًا وصاروخًا ومسيرة انطلقوا من ارضنا، عرّوا عرب الرايات البيضاء و المؤتلفة قلوبهم، وهزموا سادتهم الصهاينة.
لكن لابد بعد المقاومة البطولية لمجاهدي المقاومة الإسلامية ،لا بد من مراجعة نقدية بناءة على خلفية وطنية يشارك فيها كل ذي خبرة و معرفة بأن المدخل إلى أسس التخطيط الاستراتيجي العسكري الإحاطة بإمكانياتنا و قدرتانا و مثلها عند العدو ، دون مبالغة و لا تسخيف أو استخفاف ، وعلى ضوئها يؤخذ قرار المباشرة وإلى حد ما المواجهة هجومًا و دفاعًا . والمؤكد أن قيادة المقاومة العسكرية على معرفة شاملة دون مبالغة بقدراتها وإمكانياتها وقد ثبت ذلك بصمود مقاتلينا في ملاحم جبل عامل …
والمواجهة لها متطلباتها واستعدادتها على الأصعدة السياسية الرسمية و العسكرية و الشعبية أحزابًا و حركات و منظمات وجماهير و بيئة حاضنة .
فتعالوا نتصدى للعدوان الصهيوني التدميري المتواصل منذ 1923( اتفاق الانتدابين الفرنسي و البريطاني على اقتطاع أراضٍ لبنانية وإلحاقها بفلسطين المرسوم أن تقام عليها « إسرائيل »)على لبنان و شعبه أولًا ، ثم نتفق على أي لبنان نريد وبأي نظام سياسي ، وفي صلبه قانون انتخابي عصري وعادل ، واستكمال تنفيذ ما لم ينفذ كإلغاء الطائفية السياسية والإنماء المتوازن ، وتوضيح المبهم حول صلاحيات- لا امتيازات – رئيس الجمهورية والحكومة الحصرية و التشاركية بإجراء المشاورات لتشكيل الحكومات والمهل، وعلى سياسة دفاعية و عقيدة قتالية وتجهيز الجيش عددًا وعتادًا ( وتنوع مصادرها) دفاعًا عن لبنان و شعبه، ثم نناقش تدبير أمر سلاح المقاومة الثقيل.
قد يكون لبنان أصغر وأفقر الدول العربية ، وشعبه الأكثر وعيًا وعنفوانًا ونصرة للقضايا المحقة ،و عصبية جاهلية مدمرة والأضعف حصانة مواطنية ، ووشعبه أكثر من اِتُهم بالأرهاب و المروق و العنصرية والتعصب المذهبي ،وهو أكثر من أنهكه الدفاع عن العرب و قضاياهم ، وأنهكته صراعاتهم فيما بينهم كما أنهكته صراعات الدول الإقليمية والأجنبية على النفوذ وسيطرتها على مقدراته و« ضبط » تطلعاته؛ فكان من خلال ارتباطات لبنانيين بخارج حدوده « كيس ملاكمة » يتلقى الضربات ولا يتأفف ، وكان في كثير من الأحيان كبش فداء وجوائز ترضية لأنظمة وملحقاتها. وتحضرني هنا أبيات للشاعر اللبناني بشارة الخوري (الأخطل الصغير) :
أفحتمٌ عليّ إرسال دمعي كلما لاح بارق في محيّا
يا حبيبي لأجل عينيك ما أل قى وما أول الوشاة عليّا
أأنا العاشق الوحيد لتلقى تبعات الهوى على كتفيّا
فيا وحدنا ….
تعالوا نتصارح ونتحاور و نرسم غدنا ومستقبل أولادنا . فنحن الأقرب إلى بعضنا والأكثر تشابك مصالح، وتأثرًا بما يصيب أي فريق منا.
بالتفافنا و تكاتفنا ووحدتنا خلاصنا . وبها يحترمنا العالم كله .


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development