المقالات

حارث سليمان: من فوّض حزب الله الدفاع عن قرى شيعية في سوريا؟

كشفت وقائع مقتل عدد من عناصر وكوادر “حزب الله” في سوريا وجهاً جديداً من وجوه الفتنة السنية الشيعية التي يسعى اليها الحزب، وأسقطت القناع الذي كان يختبئ خلفه ويوهم الناس بقداسة دوره، بعدما حوّل وجهته الجهادية من منازلة العدو الإسرائيلي في الجنوب، الى الداخل السوري لمقاتلة وقتل الشعب السوري الثائر من أجل حريته وكرامته ودفاعاً عن عرضه، وهو بات يجاهر من دون مواربة بوقوفه مع الجلاد في وجه الضحية.
المذهل في الأمر أن هذا الحزب العقائدي الذي كان يتخذ من سيرة الإمام الحسين ومظلومية أهل البيت، ويردد مقولة إنتصار الدم على السيف، بات اليوم سيفاً مصلتاً على رقاب الأطفال والنساء والشيوخ في سوريا، وسيفاً مغمساً بدماء الأبرياء دفاعاً عن نظام القتل والقمع والتدمير والإستبداد. لا بل تحوّل الحزب جزءاً أساسياً من هذا النظام الذي يرتكب جرائم إبادة جماعية قلّ نظيرها في التاريخ.
بغض النظر عن الفكر العقائدي الإديولوجي الذي ينطلق منه “حزب الله” ليبرر إنخراطه في الأحداث السورية، فإن ثمة أسئلة كبيرة تحتاج الى أجوبة، وهي: كيف يفسّر هذا الحزب للبنانيين وللعرب وللمسلمين في العالم هذه الإستدارة، ونقل “واجبه الجهادي” من الجنوب الى داخل سوريا؟، وما هي الرسالة الدينية السامية التي يواجه من أجلها شعب سوريا الأعزل؟، هل يفهم “حزب الله” أن جهاده لم يعد موجهاً ضدّ الثوار في سوريا، إنما نصب حالة عداء لا مثيل لها مع جزء كبير من المسلمين في سوريا وفي لبنان والعالم العربي والإسلامي أيضاً؟، هل يعقل أن الحزب بات يجاهر بأنه يقوم الآن بجهاد مذهبي وكأن قتل المسلمين في سوريا وفي لبنان كما فعل في السابع من ايار وفي عائشة بكار وبرج أبي حيدر بات واجباً جهادياً مقدساً؟ مع العلم ان تعريف “الواجب الجهادي” انما هو الدفاع عن الدين وليس عن نظام؟. هل يدرك “حزب الله” الذي يخطف اليوم الطائفة الشيعية رغماً عن إرادتها، أنه يحاصر طائفته ويضعها في موقع المضطهد بعد سقوط النظام السوري الساقط لا محالة؟، كيف سيؤمن مقومات بقائه بعد زوال الأسد وحكمه الإستبدادي؟، واي قنوات تركها للإتصال والتواصل مع إيران في مرحلة ما بعد ديكتاتور دمشق؟.
كل ما يجري في الأيام والأشهر الأخيرة، بدّدت الأفكار التي كانت تقول إن “حزب الله” قارئ جيد في السياسة، ومحترف في التعاطي مع مجريات الأحداث، بدليل أن الخيارات التي لجأ اليها باتت أقرب الى مغامرات الإنتحار، التي لن يدفع ثمنها لوحده، إنما يأخذ لبنان كلّه الى
الهاوية وخصوصاً أبناء الطائفة الشيعية الذين لا ناقة لهم ولا جمل في هذه المغامرات القاتلة.
أمام مجازفات “حزب الله” الخطيرة، كان لمبادرة رئيس كتلة “المستقبل” النيابية الرئيس فؤاد السنيورة، تجاه عدد من الشخصيات الشيعية الوطنية، دور في محاولة تدارك “خطورة تورط “حزب الله” في الصراع العسكري الدائر في سوريا ومناصرة فريق ضد فريق تحت عنوان “الواجب الجهادي”، والانخراط بعمل عسكري يعرض لبنان لمخاطر لا قدرة له على تحملها، ويدخله في اتون لا خروج منه ويهدد العيش المشترك في لبنان والمسلمين والعرب بفتنة كبرى ما بعدها فتنة”.
لذلك اعتبر الكاتب والمفكر الدكتور محمد علي مقلّد، أن “حزب الله يقاتل في سوريا ليس دفاعاً عن النظام السوري إنما دفاعاً عن مشروع الشيعية السياسية الذي يعمل لأجله، وهذا ما نبهنا من خطورته على الشيعة وعلى البلد مراراً”. وأكد مقلد لـ”المستقبل”، أن “هذا المشروع تكرر مرتين وفشل، مرة من خلال المارونية السياسية، ومرة أخرى من خلال السنية السياسية، من خلال الحركة الوطنية”. وقال “لا شك أن ما يقوم به حزب الله خطير للغاية، فهذا المشروع سيكون مصيره كمصير كل المشاريع المذهبية، ودفاع حزب الله عن هذا المشروع لا يمكن أن يستمر الا بدعم خارجي وهذا الدعم يأتيه من النظام السوري ومن إيران، وأعتقد أن هذا الدفاع هو دفاع الرمق الأخير”. واعتبر أن “حزب الله لا يدافع اليوم عن النظام السوري الذي إرتكب الكثير من الجرائم والمجازر بحقه بدءاً بمجزرة ثكنة “فتح الله” وصولاً الى مجزرة الشيخ عبدالله وإقليم التفاح، ولذلك فإن الحزب الذي يقاتل مع النظام السوري، إنما يقاتل من أجل مشروعه”. وتعليقاً على مبادرة السنيورة رأى مقلد أنها “مبادرة جيدة ومطلوبة وكنا بحاجة لأحد ليطرح مبادرة للملاقاة الى منتصف الطريق”. وأضاف “إن المبادرة ضرورية حتى لو لم يتجاوب معها حزب الله اليوم لكن الظروف المحيطة بالبلد والمنطقة ستفرض عليه ذلك في المستقبل، أعتقد أن هناك عقلاء في “حزب الله”، وإن كان الصوت الأعلى عنده هو أصوات قرقعة طبول الحرب”. ورأى أن “هذه المبادرة إن لم تؤت اليوم ثمارها فهي ستثمر غداً بعد زوال النظام السوري”.

بدوره إعتبر عضو اللجنة التنفيذية في حركة التجدد الديمقراطي الدكتور حارث سليمان، أن “إنخراط حزب الله في أحداث سوريا بحجة الدفاع عن قرى لبنانية في سوريا، يناقض سياسة النأي بالنفس التي تتبعها الحكومة، كما يناقض إعلان بعبدا الذي التزمت به كل الأطراف
السياسية بعدم التدخل عسكرياً بما يجري في سوريا”. وأكد سليمان في تصريح لـ”المستقبل”، أن الحزب ” يثير تساؤلات حول الأجندة السياسية والعسكرية الحقيقية له ولدوره”. وقال “كلما أضاف الحزب وظيفة جديدة لسلاحه، فقد التأييد لهذا السلاح. واليوم بعد أحداث السابع من ايار يضيف هدفاً جديداً وهو الدفاع عن نظام بشار الأسد وهذه قمة الخطايا التي يرتكبها”. ورأى أنه “لا يستطيع الحزب إدعاء الدفاع عن الوطن ضد الإحتلال وفي نفس الوقت يقف مع الإستبداد، وهذا الدعم للنظام السوري جعل المسألة تتخذ طابعاً مذهبياً، وهو بذلك بدأ يعرّض الشيعة لأخطار كبيرة في لبنان وفي العالم العربي ويعرض مصالحهم في دول الخليج للخطر الشديد”. وسأل “كيف يدعي دفاعه عن قرى لبنانية في سوريا؟، ومن فوضه بالدفاع عن هذه القرى؟، هناك أساليب تتبعها الدول لحماية رعاياها الموجودين في دول أخرى لا أن تجرد جيشاً للدخول الى هذه الدولة لحمايتهم”. ودعا سليمان حزب الله الى “الإستفادة من تجربة النائب وليد جنبلاط عندما أخرج دروز سوريا من الأزمة وجعلهم خارج الإستهداف من أي طرف من الأطراف المتصارعة في سوريا”، معتبراً أن حزب الله “لا يستطيع أن يرسل أولاد الناس الى سوريا ليقتلوا هناك ويترك أهلهم يعيشوا مرارة خسارة أبنائهم، ولا أعتقد أن الحزب قادر بعد الآن على إقناع جمهوره بهذه المسألة التي تسيء الى شهدائه الذين سقطوا في مواجهة العدو”.
جريدة المستقبل – 12/10/2012

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى