تفعيل مرافق طرابلس الكبرى: رئة اقتصادية لأزمة لبنان الخانقة \ كتب غسان حلواني

تشهد مدينة طرابلس وشمال لبنان تناقضاً صارخاً يتمثل في كونها المنطقة الأغنى بالبنى التحتية والقدرات البشرية والمرافق الحيوية، بينما تصنف عاماً بعد آخر كـالأفقر على البحر الأبيض المتوسط. فهي تمتلك “الميمات الست” الاقتصادية: المرفأ، محطة السكك الحديد، معرض رشيد كرامي، مصفاة طرابلس، مطار القليعات، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، لكنها جميعاً تعاني من عقود من الإهمال الحكومي والتعطيل المتعمد.
في الوقت الذي يغرق فيه لبنان في واحدة من أطول وأشد الأزمات الاقتصادية والمالية وطأةً على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، يبرز تفعيل هذه المرافق كأحد الحلول الجذرية القادرة على إنعاش الاقتصاد الوطني وتخفيف معاناة سكان الشمال، حيث يعيش 57% من سكان طرابلس عند خط الفقر أو دونه، بينما يعاني 26% من فقر مدقع.
الأزمة الاقتصادية اللبنانية في سياقها الدولي
انخفض الناتج المحلي الإجمالي للبنان من حوالي 55 مليار دولار عام 2018 إلى حوالي 33 مليار دولار عام 2020، مع تراجع حاد بنسبة 38% بالقيمة الحقيقية. ويقدر البنك الدولي الأضرار والخسائر الاقتصادية الناجمة عن النزاع الأخير بنحو 14 مليار دولار، فيما تقدر احتياجات إعادة الإعمار بحوالي 11 مليار دولار.
أما على الصعيد الدولي، فإن التضخم العالمي المرتفع وتقلبات أسواق الطاقة والنقل قد زادت من أعباء لبنان الاستيرادية. لكن ثمة فرصة، إذ يشير خبراء الاقتصاد إلى أن لبنان يمتلك أصولاً في سياق عالمي يشجع على “nearshoring” (التصنيع القريب): رأس المال البشري، والموقع الجغرافي، والمرافق غير المستغلة. ومع انخفاض التضخم العالمي إلى 15.2% عام 2025, يمكن للبنان الاستفادة من هذه النافذة لإعادة هيكلة اقتصاده، شرط تفعيل بنيته التحتية.
المرافق المعطَّلة في طرابلس الكبرى: ثروات بانتظار الاستثمار
مرفأ طرابلس: بوابة إقليمية معطلة
مداخيل مرفأ طرابلس في سبعة أشهر لم تتعدَّ الستة ملايين دولار، علمًا أن مرفأ بيروت حوّل للخزينة العامة 12.5 مليون دولار في شهر واحد. يُظهر هذا الفجوة الهائلة في الاستغلال الأمثل للمرفأ، الذي يمكنه – بحسب مديره الدكتور أحمد تامر – أن يلعب دورًا مهمًا في تنشيط الحركة الاقتصادية وجذب المستثمرين، لا سيما عبر تفعيل المنطقة الحرة فيه.
مطار القليعات (رينيه معوض): حلم يتجدد
بعد عقود من الانتظار، أطلق رئيس الحكومة نواف سلام في يونيو 2026 مشروع تطوير وتشغيل مطار القليعات. تشير دراسات المجلس الدولي للمطارات إلى أن كل مليون مسافر سنويًا يدعم ما بين 900 و1200 فرصة عمل. ومن المقرر أن تبلغ قدرته الاستيعابية 114 ألف مسافر في السنة الأولى، ترتفع إلى نحو 600 ألف سنويًا بحلول السنة الرابعة. ويُعد المطار “ركيزة أساسية لإنعاش الاقتصاد الوطني وفك العزلة عن المناطق الشمالية”، خاصة أن السفر من الشمال إلى مطار بيروت يستغرق وقتًا أطول من الرحلة الجوية ذاتها إلى بعض الدول العربية.
سكة الحديد: إحياء الربط الإقليمي
في مايو 2026، أطلق لبنان مناقصة لتحديث خط سكك الحديد بين طرابلس والعبودية على الحدود السورية. ويهدف المشروع إلى ربط مرفأ طرابلس بالمشاريع الإقليمية للنقل، وتعزيز دوره كمركز لوجستي يربط لبنان بسوريا وتركيا والأردن والسعودية. ويُعتبر خط السكة “جزءًا من منظومة اقتصادية واحدة” مع المرفأ والمنطقة الاقتصادية الخاصة، قادر على خلق مسار متكامل للشحن من المرفأ إلى سوريا فالعراق والخليج.
مصفاة طرابلس وخط أنبوب النفط
تُعد إعادة تأهيل وتشغيل مصفاة طرابلس “مشروعًا وطنيًا بامتياز”. وقد أشاد تجار الشمال بالتوجه نحو إعادة تفعيلها، معتبرين أنها “خطوة استراتيجية من شأنها إعادة الحياة إلى أحد أبرز المرافق الاقتصادية في شمال لبنان، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة وتحريك العجلة الاقتصادية”. ويرتبط لبنان بالعراق بخط أنابيب “كركوك – طرابلس”، الذي يُعد ممرًا حيويًا للطاقة.
المنطقة الاقتصادية الخاصة: إطار استثماري متكامل
أنشئت المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس عام 2008، بهدف تشجيع الاستثمارات الوطنية والأجنبية في المجالات الصناعية والتحويلية والسياحية. وقد اعتمدها المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة ضمن مشاريعه الوطنية. ويرى الخبراء أن تفعيلها يستطيع استقطاب الاستثمارات الأجنبية والمحلية وتحويل طرابلس إلى ميناء إقليمي رئيسي ومركز تجاري محوري.
آثار التفعيل على واقع الأزمة الاقتصادية
أولاً: تخفيف البطالة والفقر
تجاوزت نسبة البطالة في طرابلس 75%. ويرى خبراء أن تفعيل المرافق سيُحدث أثرًا مضاعفًا: فكل مشروع يستقطب استثمارات ويخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. فالمطار وحده يدعم آلاف الوظائف, والمصفاة تفتح آفاقًا للصناعات المرتبطة، والمنطقة الاقتصادية الخاصة تجذب الشركات.
ثانيًا: تعزيز الإيرادات العامة
تعطيل المرافق يكلف الخزينة “خسارة موارد هامة في وقت هي بأمس الحاجة لتأمين واردات وتمويل الحد الأدنى من الخدمات العامة”. تفعيل المرفأ وحده يمكن أن يضاعف الإيرادات عشرات المرات، كما أن تشغيل المطار والمصفاة يدران عوائد ضريبية وجمركية.
ثالثًا: تحفيز القطاعات الإنتاجية
لا يمكن تحقيق الاستقرار الأمني دون حلول اقتصادية جذرية تضمن تأمين فرص العمل وتعزيز الإنتاج. فالمرافق تشكل منظومة متكاملة: المرفأ يستقبل البضائع، السكة تنقلها، المطار ينقل الركاب والبضائع السريعة، والمصفاة تؤمن الطاقة، والمعرض يستقطب التجارة.
رابعًا: إعادة التوازن التنموي
يعاني لبنان منذ عقود من اختلال تنموي حاد، إذ تستقطب العاصمة وجوارها القسم الأكبر من الاستثمارات والخدمات. تفعيل مرافق الشمال يُصحح هذا الخلل ويعيد دمج المنطقة في الدورة الاقتصادية الوطنية.
آراء الخبراء والاقتصاديين
توفيق دبوسي، رئيس غرفة طرابلس ولبنان الشمالي، يؤكد أن مرافق طرابلس هي “مصادر غنى للمالية العامة وعناصر جاذبة للاستثمارات، سواء لصالح القطاعين العام والخاص أو للمشاريع الاستثمارية العربية والدولية.
وزير الأشغال فايز رسامني يعتبر أن الجدوى الاقتصادية لمشروع سكة الحديد “واضحة جدًا”، وأنه سيسهم في تعزيز موقع مرفأ طرابلس كمركز إقليمي للنقل.
رئيس الحكومة نواف سلام يرى في مطار القليعات “قرارًا سياسيًا ووطنيًا وإنمائيًا” بألا تبقى منطقة عكار خارج أولويات الدولة.
الخبير الاقتصادي الدكتور أنيس أبو دياب يشير إلى أن إحياء خط أنبوب النفط المرتبط بطرابلس يمكن أن يحقق فوائد متعددة للبنان.
التحديات والعقبات
رغم الإمكانيات الهائلة، يواجه تفعيل هذه المرافق تحديات جمة:
1.المركزية القاتلة: تتركز القرارات والموارد في بيروت رغم أن طرابلس لا تقل عنها في الموارد أو البنى التحتية أو القدرات البشرية.
2.المحاصصة السياسية: تعطيل المرافق مرتبط بـ”عوامل سياسية ومنافع شخصية لجهات تستفيد من الوضع الحالي”.
3.ضعف الاستثمار: تحتاج المشاريع إلى استثمارات ضخمة يعجز القطاع العام عن تأمينها، ما يستدعي تفعيل قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
4.الأوضاع الأمنية: توترات المنطقة وانعكاسات الحرب الإسرائيلية تعيق التنفيذ.
إنّ تفعيل مرافق طرابلس الكبرى يشكل فرصة استثنائية لإنعاش الاقتصاد اللبناني المنهار، وتخفيف معاناة سكان الشمال، وإعادة التوازن التنموي بين المناطق. فهو ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية في ظل أزمة اقتصادية هي الأسوأ في التاريخ الحديث. ومع تراجع التضخم العالمي واستقرار نسبي في سعر الصرف، قد تكون هذه اللحظة مناسبة لإطلاق هذه المشاريع التي طال انتظارها. لكن النجاح مرهون بـالإرادة السياسية والشفافية والشراكة الفاعلة مع القطاع الخاص، وإلا ستبقى طرابلس “المدينة الأفقر على شاطئ المتوسط” رغم ثرواتها المعطلة.

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development