سيبقى وليد جنبلاط كما عرفناه، معضلات كبيرةبقلم الشيخ ماهر حمود

لقد اشتهر الزعيم وليد جنبلاط بأنه السياسي الوحيد الذي يعتذر عن أخطائه بشهامة نادرة، نذكر ذلك، أثر حرب “العلمين” في بيروت تشرين الثاني عام 1985، ثم اعتذاره عن تلقي رشوة من صاحب مسبح
الكوستا برافا، ومثال هذا كثير…الخ.
وهذه لا شك من حسناته التي ينبغي أن يحترمها الجميع، لكن من دون شك أن جنبلاط ، في هذه المذكرات، بالغ في إدانة نفسه وحزبه وفريقه والحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، وصولا إلى جلد الذات، وإن كان قد تفلتت منه عبارات يؤكد من خلالها التزامه بالأهداف الكبرى التي انطلقت من أجلها الحركات الوطنية والمقاومة الفلسطينية، وانه ليس مطلوبا من جنبلاط بالتأكيد أن يعطينا أجوبة عن المعضلات التي عجز الجميع عن الإجابة عنها ولكن لابد لنا من كلام:
المعضلة الأولى: إن أهم ما في الكتاب دون شك، تلك الإشارة إلى أن الذي حرض الشهيد كمال جنبلاط على الهجوم على سوريا، وخاصة على الطائفة العلوية، من منطلق مذهبي محض، حسب الكلام الوارد، هو درزي من فلسطين المحتلة، استطاع أن يكسب ود كمال جنبلاط بشكل لافت، واستطاع أن يشاطره
الجلسات الخاصة، ثم تبين أنه على علاقة بالسفارة البريطانية لان دبلوماسيا بريطانيا من أصل لبناني سأل عنه لاحقا، بعدما طرده وليد جنبلاط من قصر المختارة.
إشارة كافية لتأكيد نظرية المؤامرة، حيث أن وليد جنبلاط يؤكد أن الذي دفع الأسد إلى اغتياله ليس معارضته للدخول السوري إلى لبنان عام 1976 فقط، بل الهجوم المقذع على الطائفة العلوية، ولقد قال ذلك في أكثر من مناسبة.
السؤال المعضلة كيف استطاع إنسان مثل (حافظ العجمي) أن يؤثر على علم من أعلام الثقافة والفكر،
وخبير في التاريخ الإنساني، مثل كمال جنبلاط، لا شك أنه تلقى تدريبا عاليا جدا لدى أجهزة المخابرات التي تهدف دائما لتحقيق مبدئها الأشهر (فرق تسد) بزرع الشقاق والنزاع بين فئات المجتمع، وتبقى الفتن على انواعها هي سلاح الاستعمار الاقوى.
المعضلة الثانية: هذا التناقض الحاد بين حقوق الإنسان، والعدالة وحرية الرأي، والليبرالية وما يرتبط بكل ذلك من حياة سياسية حرة، وبين التوجه السياسي الصارم في وجه الغطرسة الأميركية والعربدة الإسرائيلية: هل يستطيع أي نظام أن يعطي الحرية للأحزاب السياسية ويسمح بحرية الصحافة والتعبير، وهو يقود معركة حقيقية ضد مشروع أميركي مستعد لأن يسحق الجميع من اجل مصلحة أمن اسرائيل؟، هل يستطيع؟، وكلنا يعلم ان امكانبة الاختراق الاميركي والغربي بشكل عام للصحافة وللحياة السياسية، امر
سهل جدا بالنسبة اليهم، بسبب قدراتهم المالية الهائلة، وخبراتهم المخابراتية المتقدمة، والتي يستطيعون من خلالها انشاء احزاب كاملة، وتحريك مجتمع كامل وما الى ذلك ؟ كما ان كثيرا من ابناء وطننا، للاسف، مستعدون لتجنيد انفسهم للخارج.
هل كان يمكن لعبد الناصر، مثلًا، أن يقود حربا ضروسا بدأت بتأميم القناة والحياد الإيجابي والسد العالي…الخ، وهنالك جهات فاعلة يمكن شراؤها بسهولة أو تسييرها ضد هذه المشاريع التي يعتبرها الغرب تحديا سافرا لسلطاته، خاصة في تلك المرحلة.هل كان حافظ الأسد يستطيع أن يقف في وجه المشروع الأميركي الذي يهدف إلى إخضاعه، كما خضعت مصر وغيرها، وهو في نفس الوقت يدعم المقاومة ويفتح لها أبوابا، وأن يترك في نفس الوقت المجال للمعارضة بأن تستعمل كل القدرات التي تسخر لها، فتشوش، بالحد الأدنى على مشروع كان في وقته تاريخيا؟؟؟.
سيظن القارئ هنا، إني أدافع عن القمع والقتل والإرهاب الرسمي، ولست في هذا الصدد، وأنا ومن معي كنا بشكل أو بآخر بعض ضحاياه، بالتأكيد لست في مجال الدفاع، ولا أرضى بذلك أبدا ولا أبرره، ولكنني احاول أن أقرأ الأمر من وجهة نظر الآخرين، ومن أجل ذلك سمي’ت هذا معضلة، وأنا بدوري لا أجد لها جوابا، ونقول هذا كله ونحن نحسن الظن بالشعارات التي رفعت من قبل هذه الانظمة وهؤلاء الزعماء، ولكننا اذا اطلقنا سوء الظن وصدقنا الكثير من الكتب والتقارير التي تؤكد انها كانت شعارات وهمية، فالامر يصبح شيئا آخر بالتأكيد.
وتزداد، هنا المعضلة، لتصبح معضلات… عندما يعجز وليد جنبلاط او غيره عن ادانة القمع والقتل وظلم السجون، في انظمة يحتاجون الى دعمها، ويخشون سطوتها: هل يستطيع احد ان يتحدث عن سجون السعودية، مثلا، او البحرين اوغيرهما، وقد ثبت لدى الجميع وقوع جرائم لا يمكن ان تبرر ولا يتضاءل حجمها بمرور الزمن.
المعضلة الثالثة: الفشل: لقد رفعت الحركة الوطنية التي كان يرأسها الرفيق جنبلاط شعارات كبرى، لم يتحقق منها شيء ملموس، وكذلك المقاومة الفلسطينية التي غرقت في التجاوزات، كما كانت تسمى، وتحولت أو تحول بعضها إلى مجموعات متخصصة في سرقة السيارات وفرض الخوات وغير ذلك، هذا فضلا عن الدخول في حروب الزواريب والخصومات المحلية وصراع الاحزاب وغير ذلك، ولكن هذا لا يلغي وجود ابطال، كالذين صمدوا في الشقيف من الكتيبة الطلابية، ومن صمدوا في صيدا وبيروت، وآخرون لا تعلمونهم، الله يعلمهم.
ونحن بدورنا، كنا نظن او نحلم بأن يكون التيار الإسلامي الشامل هو البديل عن اليسار واخفاقاته وعن المقاومة الفلسطينية وتشظياتها، ولكننا شهدنا أيضا إخفاقات وانقسامات بشعه، بل وشهدنا أيضا قدرة المخابرات على اختراق الجسم “الإسلامي”، حيث استطاع الأميركي بشكل مباشر أو غير مباشر انشاء داعش وغيرها، وليس كما قال جنبلاط، بالتأكيد، أن سوريا ساهمت في إنشاء داعش من خلال إطلاق سراح الأسرى.
اذن قدر في هذا المشرق، هل نحن جميعا نعيش بقدر واحد هو الفشل؟؟؟.
المعضلة الرابعة: اليمين المسيحي: لا شك أن حق جنبلاط أن يفخر بمصالحة الجبل مع البطريرك صفير عام 2001، ولا شك أنها خطوة تاريخية، ولا شك أنها تصحيح لخطأ جسيم، لم يكن هو مسؤولا عنه، فلولا هجوم القوات اللبنانية على الجبل خريف 1983، ولاحقا في صيدا ربيع 1985، لما حصل تهجير للمسيحيين، وهنا نحييه تحية حارة لما ذكره عن نصيحته لبشير الجميل عام 1982 ثم للاباتي نعمان وغيرهما، وتحذير من أن الهجوم على الجبل ستكون له عواقب وخيمة، ولكنهم لم يستجيبو وصدقوا أن الإسرائيليين سيكونون عونا لهم وسندا، فوقعوا في الفخ، لا شك إن إقدامه على هذه المصالحة التاريخية امر جلل يستحق عليه الشكر والثناء، ولكن هل انتهت المعضلة؟ هل اتعظ (اليمين المسيحي الانعزالي)، كما سماه من التجارب؟ ألا نسمع اليوم أصواتا ناشزة تريد الصلح مع إسرائيل، وتعتبر أن تسليم سلاح المقاومة سيؤمن الأمن والسلام والازدهار للبنان، )ما متت، ما شفت مين مات(، بل لقد ماتوا ورؤا الموت ولم يتعظوا.
نعم مشكلة هذا اليمين الانعزالي انه يأخذ معه الأبرياء والمواطنين الأعزاء، شركاء الوطن، والذي لا يقوم الوطن من دونهم، لابد من إيجاد حل لهذه المعضلة، هل نستطيع؟.
المعضلة الخامسة: فليسمح لنا وليد جنبلاط أن رأيه في حزب الله ليس صحيحا، وأن حزب الله كان في السابع من أيار 2008 يدافع عن نفسه، وأن موقف جنبلاط من شبكة الاتصالات كان خطأ تاريخياً، ومع أننا سمعنا لاحقا أنه اعترف بهذا الخطأ، ولكنه في الكتاب لم يكن شفافا بالشكل الذي تعودنا عليه، نرجو أن يعيد كتابة هذه الفقرة بشكل أو بآخر.
أما بالنسبة للنينترات ستأتي الأيام لتثبت للجميع أن الذي استقدمها هو العدو الإسرائيلي وهو الذي فجرها، لا نملك معلومات، ولكن الرسالة تقرأ من عنوانها، اما الحديث عن تزوير الخرائط لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا لتبرير بقاء سلاح المقاومة، فأمر مستهجن، اننا نصدق بالتأكيد الوثائق التي قدمها اهالي شبعا، فهي ادق واصدق من أي تعليق آخر.
اجزم هنا أن رأي وليد جنبلاط في حزب الله هو غير الرأي الذي ورد في الكتاب، اجزم أنه يحترم حزب الله وإنجازاته، ومن ينسى أنه شارك في احتفال بنت جبيل الشهير أثر تحرير 2005 وكان حضوره مميزا، وكأن هذا الكتاب وقد كتب بالفرنسية أصلا موجه للرأي العام العالمي وليس للبنان، ولن يكون هذا مبرراً له بالتأكيد، ولن نبرر له على الاطلاق تشبيه حزب الله بالحشاشين القتلة المجرمين، لقد ذهب بعيداً في هذا، ولن يصدقه في هذا الصدد احد.
وليد جنبلاط سيبقى بالنسبة إلينا الوطني، العربي، الاشتراكي، المعتدل، الفلسطيني، المقاوم، أما الشتائم
التي اطلقها مرات من ساحة الشهداء ليست شخصيته، رغم أنه ذكرها في كتابه، وكما عودنا، لئن طالت به حياة، أطال الله عمره، سيكتب في سنوات قليلة قادمة كتابا آخر أو مقالا آخر أو مقالات يراجع فيها نفسه ويعتذر عن مبالغاته في 14 اذار، واتهاماته غير المستندة إلى ادلة، ويعيد التموضع حيث ينبغي أن يكون حيث شخصيته التاريخية، هكذا نقرأ ما بين السطور، افتخاره بالمشاركة بإسقاط 17 أيار ومواجهته لسياسة أمين الجميل وقتها.
المعضلة السادسة: اغتيال الحريري: جزم الرئيس جنبلاط أن حزب الله هو الذي اغتال الحريري، استنادا إلى أحكام المحكمة الدولية، التي لا يصدقها أحد منذ أن بدأت بالمدعو ميليس وشهود الزور وصولا إلى انعدام الأدلة إلا اتصال هاتفي واحد، وقبل ذلك كان يقول سوريا، ففي الامر تناقض، ولن نستطيع أن نجزم بشيء لأننا لا نملك في هذا الصدد إلا صدق السيد حسن رحمه الله واجزل ثوابه وشفافيته مع فريق عمل يشهد له بالصدق والوضوح، يبقى الأمر معضلة كبرى، ولكن عندما نرى كيف اختفى ذلك “السن” الذي اكتشف له موقع الانفجار وقال التحليل أنه لشاب عاش في الصحراء، نعلم ان في الامر مؤامرة لاخفاء الحقائق.
رحمه الله، لقد كان خسارة كييرة، نعم كنا معارضين له، ولكن لم نكن نتمنى له الموت، كما أن في شخصيته من الطيبة والقدرة الهائلة على التكيف يعجز عنها أكثر الزعماء، ثم ان قيمته تظهر عندما يقارن بآخرين زعموا انهم يمثلون خطه.
بالتأكيد يا أبا تيمور، لم تحل هذه المعضلة بجزمك هذا، اما اعتمادك على المحكمة الدولية فليس من شيمك.
المعضلة السابعة: هل فعلا الربيع العربي، هو ثورات شعبية؟ وهل انتفاضة 17 تشرين 2019 هي
انتفاضة شعبية؟: هل يصدق رجل بحجم وليد جنبلاط، القارئ النهم، المثقف الواسع الاطلاع، هل يصدق أنها ثورات حقيقية؟ أليس من الواضح أن أجهزة المخابرات المتعددة عملت على إشعال هذه “الثورات” المصطنعة؟، أليس واضحا هذا من سياق الأحداث؟، نحن هنا لا نتهم المتظاهرين الذين شاركوا بصدق وإخلاص، وهم الاكثرية، ولكن نتهم الجهات التي تملك مفاتيح واقفالا تستطيع أن توجه الجمهور حيث تريد، وأظن أن النتائج تؤكد ذلك، وقد ذكرت، يا أبا تيمور، أيها العزيز، أن النافذين في مجال العمل المصرفي هربوا اموالهم إلى الخارج، كما ثبت مؤخرا أن إنطوان الصحناوي هرب أكبر قدر من الأموال إلى الخارج قبل وبعد 17 تشرين، كما أنه نصح جهات معروفة بأن يفعلوا ذلك، الموضوع لا يحل بهذه البساطة، إنه معضلة، وبالتأكيد ان خلف تحركات 17 تشرين 2019 والازمة الاقتصادية قرارا خارجيا يهدف الى اخضاع لبنان.
اما الربيع العربي فنتائجه تُظهر اسبابه، وما كتب في مذكرات المسؤولين الاميركيين وغيرهم، كاف لكشف الحقائق.
المعضلة الثامنة: ليس مطلوبا من الزعيم وليد جنبلاط أن يغرد خارج سربه، وأن يخالف هذه الموجة العالمية المسعورة التي تحاصر إيران وتتهمها بأشنع الإتهامات، ولكن كان من المفترض أن يسير بشكل أو بآخر إلى الدور الإيجابي الذي مارسته إيران في دعم المقاومة ومواجهة إسرائيل والسياسة الأميركية في المنطقة.
ومن لوازم شخصيته تاريخيا ان يدين الرؤساء المتغطرسين الغارقين في الاستكبار، المتشبعين بأوهام الاستعمار، فكيف اذا كان عدو ايران اليوم هو “المجنون” ترامب؟؟؟.
المعضلة التاسعة: كيف نستطيع ان نرسم الحدود بين تمثيل طائفة، تمحض الولاء الكامل لزعيمها، وتسير
مع خياراته كلها، وبين الموقف الوطني الذي يتطلب احيانا مخالفة الرأي العام، كما حصل في مواجهة حكمت الهجري، مثلًا، ومواقفه المتصهينة في السويداء، الامر يحتاج الى جرأة حقيقية والى ميزان دقيق، لا يغيب عنه وليد جنبلاط في اكثر الاحوال.
كما لا يفوتنا ان نحيي موقفه الواضح في مواجهة اتفاق الاطار “السخيف”، وكان اوضح موقف، وان لم يكن قد رافقه مواقف اخرى ضرورية في موضوع التفاوض المباشر وغير ذلك.
ان بعض زعماء الطوائف وممثليها يظهرون احيانا اكبر من طوائفهم واكثر تمثيلًا للوطن كله، ونتذكر هنا كلام رفيق الحريري رحمه الله (ما حدا اكبر من وطنه).
المعضلة العاشرة: لن نستطيع في هذا المقال ولا غيره، ان نسبر عمق شخصية وليد جنبلاط، ولن نستطيع ان نضع الحدود بين تمثيله للطائفة وتمثيله لخط وطني يتعرض للصعود والهبوط، وبين ثقافته الواسعة من جهة وخضوعه لظروف وضغوط من جهة اخرى…
يبقى هذا المقال محطة على الطريق ليس إلا… ثمة برنامج تلفزيوني عنوانه (هذا انا).
وليد جنبلاط هذا الكتاب ليس انت، او بالاحرى اكثره ليس انت.
نشر هذا المقال في جريدة الاخبار بتاريخ ٥-٩-٢٠٢٦

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development