المقالات

متى يخلع “المثقف” العربي قناع العهر الفكري؟ عماد العيسى ….

في لحظة تاريخية وجودية فارقة تقف فيها المنطقة العربية على حط الزلازل، وتُباد فيها شعوب بأكملها على الهواء مباشرة ، سقطت الأقنعة العاجية عن وجه ما يُسمى (النخبة)، فلم تعد المسألة مجرد قصور في الكلام أو ترف في الصالونات، بل خيانة صريحة وواضحة المعالم لدور الوعي، إن المشهد اليوم لا يحتاج مرثيات مائعة، بل يتطلب تشريحاً عارياً لبنية هذه (النخبة) ، التي تحول أغلبها إلى عبء فوق عبء المذبحة.
إذا أردت أن تفهم سبب التردي فعليك ان تنظر إلى خارطة العفن، فانظر إلى تلك الأنماط التي تسيدت الساحة ومارست التضليل جهاراً نهارآ …
1 . مثقف السوق والتاجر… بائع كلام رخيص، لا يكتب إلا ما يطلبه الجمهور أو الممول، يبيع الفكرة حسب الطلب، ويقيس مساحات وطنيته بحجم (المشاهدات) واللايكات ورصيد البنك.
2 . مثقف الفصيل والحزب… هو مرتزق أعمى، معيار الحقيقة عنده هو (من قال؟) وليس (ماذا قال؟) ، يدافع عن خيانة حليفه، ويسلق صواب خصمه بألسنة حداد.
3 . مثقف الزاوية… فهو الأعمى الذي يرى الواقع من زاوية واحدة (أبيض أو أسود)، أو ذلك الذي يصنع قضايا وهمية ،ليشغل الناس عن الفاجعة الكبرى ويستهلك طاقتهم في الكلام الفارغ.
4 . المثقف التابع والدبلوماسي… إما مسخ ينقل نماذج غربية جاهزة، بلا نقد ولا مراعاة لهوية مجتمعه، أو جبان ( يمسك العصا من المنتصف)، يدوّر الزوايا ليتحول حياده إلى تمييع للحقيقة وهروب من المسؤولية.
5 . الفنان المنفصل… صاحب الخيال الذي حول إبداعه إلى ملاذ سلبي بالكامل، هاربآً من الواقع تحت دعوى (الجمال)، وكأن الحريق الذي يأكل الدار مجرد لوحة زكية يمكن مناقشة ظلها بشكل الالوان التي يحب .
ولكن، هل خلت الأمة من الأطهار؟ قطعاً لا، هناك (مثقف الوجع) و(صانع الوعي)، أولئك الشرفاء الذين يفهمون الأسباب ، ويربطون الأحداث ويساعدون الناس على التفكير، وهم كُثر في هذا الوطن المكلوم،لكن الخطيئة الكبرى التي لا تقل إجراماً عن فعل المرتزقة،تكمن في أن هؤلاء الشرفاء وضعوا أنفسهم طوعاً (خارج الإطار)، تحصنوا بالصمت، وتذرعوا بالمرارة والإحباط، واعتزلوا الميدان ليتفرجوا على المأساة من بعيد.
صمت الشريف في زمن الإبادة ليس زهداً، بل هو التواطؤ بعينه،بل هو العهر بحد ذاته، إن انسحاب أهل الحق هو بالضبط ما أفسح المجال لتجار الكلمة ،وتجار السياسة ليتسيدوا المشهد ويقودوا الشارع نحو العمى، و ( الشرمط….. )
إن الشارع العربي لا يحتاج اليوم إلى (مستكين) ، يبيع الأوهام ويربد على الأكتاف، بل يحتاج إلى (المثقف الطبيب الجراح)، ذلك الذي يتخذ موقفه مع الحقيقة والمصلحة العامة ،لا مع السلطة ولا ضدها لمجرد العناد ،المثقف المطلوب هو من يملك الوقاحة الأخلاقية، ليمسك (المشرط) ويفحص الواقع، يشخص الداء، يحدد الأسباب، يفرق بين الحقيقة والوهم، ويضع يده على أصل البلاء ليصف
العلاج المر بلا مجاملة.
على الشرفاء الصامتين أن يدركوا أن الثقافة ليست ترفاً، بل هي أداة إنقاذ وبناء، استيقظوا من غيبوبة اليأس وصمت الكبرياء، وانزلوا إلى الساحة لمواجهة الأسئلة الكبرى بلا خوف .
كيف نحمي هذا الإنسان؟ كيف نحافظ على الأرض والهوية؟ كيف نواجه الإبادة والتفكك؟ وكيف نبني رؤية سياسية واقتصادية تنتشل المأساة وتحولها إلى مشروع نهوض؟
خروجكم من جحور الصمت إلى قلب المعركة ليس خياراً، بل فرض عين، فألتاريخ لن يرحم من ملك أدوات التشخيص والعلاج، ثم ترك الجسد العربي يموت بين أيدي السحرة وتجار الدم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى