حين يُرتكَب القتل باسم الله: المسيح يحاكم أوهام القداسة

بقلم: د. جيلبير المجبر
«بل تأتي ساعة فيها يظنّ كلّ من يقتلكم أنّه يقدّم خدمة لله».
إنجيل يوحنا 16:2
حين يصبح القتل عبادةً في عيون القاتل
ثمّة خطرٌ أشدّ من الجريمة نفسها: أن يرتكب الإنسان جريمته وهو مقتنع بأنّه يفعل الخير، وأن يسفك الدماء معتقدًا أنّه يدافع عن الحق، وأن يبرّر اضطهاد الآخرين باسم الله، ثم يقف أمام ضميره مطمئنًّا، لأنّه أقنع نفسه بأنّ ما فعله ليس خطيئة، بل خدمة مقدّسة.
هذا هو التحذير العميق الذي تحمله كلمات السيد المسيح في إنجيل يوحنا. فالمسيح لا يكشف فقط عن اضطهاد سيواجهه تلاميذه، بل يسلّط الضوء على مأساة أخلاقية تتجاوز عصره: قدرة الإنسان على تحويل قناعته الدينية إلى مبرّر للعنف، وعلى الخلط بين ما يتوهّم أنّه إرادة الله وما يرتكبه هو من ظلم.
توقّفوا عند كلمة واحدة: «يظنّ».
لم يقل المسيح إنّ القاتل يقدّم خدمة لله، بل قال إنّه يظنّ ذلك. وبين الحقيقة والوهم تبدأ المأساة؛ ففي تلك المسافة قد تُزهق الأرواح، وتُدمَّر العائلات، وتُهان الكرامات، وتُستباح حقوق الأبرياء، فيما يعتقد الجاني أنّه يقف في صفّ السماء.
أيّ خطر أعظم من إنسان يمنح نفسه سلطة أخلاقية مطلقة، إلى درجة أنّه لا يعود يرى في ضحيّته إنسانًا يستحقّ الحياة، بل عدوًّا يتوهّم أنّ التخلّص منه واجب ديني؟
وأيّ انحراف أخطر من أن يصبح اسم الله، الذي يستحضره الإنسان طلبًا للهداية والرحمة، ذريعةً لتبرير ما يناقضهما؟
إنّ المسيح، بهذه الكلمات، يضعنا أمام سؤال لا يفقد أهميته بمرور القرون: هل يكفي أن يعتقد الإنسان أنّه يخدم الله كي تصبح أفعاله مقدّسة، أم أنّ أفعاله نفسها يجب أن تخضع لمعيار الحق والعدل والرحمة؟
المسيح لا يمنح التعصّب صكّ براءة
لم يترك المسيح مفهوم المحبّة معلّقًا في فضاء الشعارات، ولم يحصرها في دائرة الذين يشبهوننا أو يوافقوننا أو ينتمون إلى جماعتنا.
قال في إنجيل متّى:
«أحبّوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم».
إنجيل متّى 5:44
هذه ليست عبارة جميلة للاقتباس في المناسبات الدينية؛ إنّها امتحان حقيقي للضمير، خصوصًا عندما يصبح الإنسان قادرًا على إيذاء من يختلف معه.
فما قيمة الإيمان إذا لم يمنع صاحبه من تحويل الاختلاف إلى عداوة؟ وما قيمة الصلاة إذا خرج الإنسان منها أكثر كراهيةً للآخر؟ وما معنى الدفاع عن الحقيقة إذا كان الثمن هو إنكار حقّ الآخرين في الحياة والكرامة؟
إنّ المحبّة التي تحدّث عنها المسيح ليست ضعفًا أمام الظلم، ولا تنازلًا عن العدالة، ولا دعوة إلى ترك المجرم بلا محاسبة. إنّها رفضٌ لتحويل الكراهية إلى عقيدة، والانتقام إلى فضيلة، والاختلاف إلى مبرّر للإلغاء.
وهنا يجب أن نكون واضحين: ليس كلّ مؤمن متعصّبًا، وليس كلّ اختلاف ديني مصدرًا للعنف. لكنّ أيّ إنسان، مهما كانت عقيدته أو مكانته، يفقد حقّه في الاحتماء بشعارات الإيمان لتبرير الاعتداء على الأبرياء.
فلا العقيدة تمنح صاحبها حقّ القتل، ولا القناعة الشخصية تحوّل الجريمة إلى فضيلة، ولا ادّعاء امتلاك الحقيقة يعفي الإنسان من مسؤوليته عن نتائج أفعاله.
ويلٌ للتديّن الذي يتقدّم فيه المظهر ويتراجع فيه الضمير
لم تكن مواجهة المسيح للنفاق الديني هامشًا في تعاليمه، بل كانت من أبرز مواقفه الأخلاقية.
وفي إنجيل متّى، الإصحاح الثالث والعشرين، يواجه المسيح الكتبة والفريسيين المرائين، وينتقد التناقض بين مظاهر التديّن وإهمال جوهر الشريعة، ولا سيّما العدل والرحمة والأمانة.
ويقول:
«تركتم أثقل الناموس: الحق والرحمة والإيمان».
إنجيل متّى 23:23
تكمن أهمية هذا التوبيخ في أنّه يعيد ترتيب الأولويات: ليست العبرة بكثرة الشعارات، ولا بارتفاع الصوت، ولا بالمظهر الذي يراه الناس، بل بما ينعكس من إيمان على سلوك الإنسان ومواقفه.
قد يتحدّث المرء عن الفضيلة، ثم يصمت أمام الظلم إذا كان مرتكبه من جماعته. وقد يطالب الآخرين بالطهارة الأخلاقية، ثم يبحث لنفسه عن الأعذار حين تتعارض الحقيقة مع مصالحه. وقد يدافع عن المقدّسات في العلن، بينما يتجاهل كرامة الإنسان في الممارسة.
وهنا يتحوّل السؤال من مجرّد سؤال عن التدين إلى مساءلة أخلاقية أعمق: هل نريد إيمانًا يحرّر الإنسان من أنانيته، أم تديّنًا يمنحه شعورًا بالتفوّق على الآخرين؟ هل نريد ضميرًا يراجع نفسه، أم سلطةً معنوية متوهّمة تحاكم الجميع وتستثني أصحابها؟
إنّ النفاق الأخلاقي يبلغ ذروته عندما لا يكتفي الإنسان بارتكاب الخطأ، بل يعيد تسميته حتى يبدو فضيلة. وعندما لا يكتفي بتبرير الظلم، بل يطالب الآخرين باحترامه لأنّه ارتُكب تحت شعار مقدّس.
فالمشكلة ليست في أن يتحدّث الإنسان عن الله، بل في أن يستخدم اسم الله كي لا يُسأل عمّا يفعله بالإنسان.
حين تتحوّل المقدّسات إلى أدوات للنفوذ
لم يقف المسيح موقف المتفرّج عندما رأى استغلال الهيكل. ففي إنجيل متّى، الإصحاح الحادي والعشرين، نقرأ قوله:
«بيتي بيت الصلاة يُدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص».
إنجيل متّى 21:13
إنّ هذا الموقف يذكّرنا بأنّ احترام المقدّسات لا يعني منح كلّ من يتحدّث باسمها حصانةً من النقد، ولا يقتضي الصمت أمام استغلال الدين لتحقيق المصالح أو السيطرة على الناس.
فالمكان المقدّس لا يفقد معناه لأنّ جدرانه تغيّرت، بل حين تُفرَّغ رسالته من مضمونها. وكذلك الخطاب الديني: لا تكفيه لغته الروحية إذا كان يُستخدم لتضليل الناس أو ابتزازهم أو إسكات المظلومين.
ولا يقتصر هذا الخطر على مؤسسة بعينها أو طائفة دون أخرى؛ فكلّ سلطة تستطيع أن توظّف ثقة الناس لتحقيق مصالحها، وكلّ خطاب يستطيع أن يستغلّ خوفهم أو إيمانهم لإعفاء نفسه من المساءلة، ينبغي أن يخضع للنقد المسؤول.
ليس المقدّس ملكًا خاصًّا لمن يحتكر تفسيره، ولا الإيمان تفويضًا مفتوحًا لمن يدّعي تمثيله.
إنّ الدفاع الحقيقي عن كرامة الدين يبدأ برفض استخدامه ستارًا للفساد أو العنف أو الظلم. فاحترام المقدّسات لا يتعارض مع محاسبة من يستغلّها، بل إنّ هذه المحاسبة قد تكون ضرورة لحماية رسالتها من التشويه.
بين العدالة وإدانة الآخرين
وفي إنجيل متّى، يضع المسيح الإنسان أمام مسؤوليته في أحكامه على الآخرين:
«لا تدينوا لكي لا تُدانوا».
إنجيل متّى 7:1
ليس معنى هذه الكلمات إلغاء التمييز بين الحق والباطل، أو منع المجتمع من محاسبة المجرمين، أو مساواة المظلوم بالظالم. إنّما هي تحذير من الغرور الذي يجعل الإنسان يرى أخطاء الآخرين بوضوح، فيما يعجز عن رؤية تناقضاته هو.
فالعدالة شيء، والتشفّي شيء آخر. والمحاسبة شيء، واحتقار الإنسان شيء آخر. والدفاع عن الحقيقة شيء، وادّعاء امتلاكها بصورة مطلقة شيء آخر.
إنّ المجتمعات لا تستقيم إذا صمتت عن الجرائم، لكنها لا تستقيم أيضًا إذا تحوّلت المحاسبة إلى انتقام، أو أصبح الحكم على الناس وسيلةً لإرضاء التعصّب والانحياز.
ولهذا ينبغي أن يكون المعيار واحدًا: لا حصانة للظالم بسبب انتمائه، ولا إدانة للإنسان لمجرّد اختلافه، ولا تبرير للجريمة لأنّ مرتكبها يرفع شعارًا يحظى باحترام الناس.
إنّ احترام الإنسان لا يعني إعفاءه من المسؤولية، بل يعني إخضاعه لمعيار عادل لا يتبدّل بحسب هويته أو موقعه أو نفوذه.
عظمة الإنسان في الخدمة، لا في الهيمنة
لم يربط المسيح العظمة بقدرة الإنسان على إخضاع الآخرين، بل بالخدمة والتواضع.
وقال:
«فمَنْ أراد أن يصير فيكم عظيمًا، يكون لكم خادمًا».
إنجيل متّى 20:26
هذا المبدأ لا يخصّ القيادة الدينية وحدها، بل يشمل كلّ من يتولّى مسؤولية عامة، أو يتحدّث باسم جماعة، أو يدّعي الدفاع عن قضية أخلاقية أو مقدّسة.
فالسلطة ليست امتيازًا خارج المحاسبة، والقيادة ليست حقًّا في فرض الإرادة، والمكانة الدينية أو الاجتماعية ليست دليلًا تلقائيًا على سلامة الموقف.
إنّ قيمة المسؤول تُقاس بقدرته على حماية كرامة الناس، وقيمة القائد بمدى استعداده لتحمّل المسؤولية، وقيمة صاحب الرسالة بشجاعته في قول الحقّ حتى عندما يكون الحقّ على حساب مصالحه أو مصالح جماعته.
وحين يُطلب من الناس الخضوع المطلق، بينما يُرفض أيّ نقد أو مساءلة، يصبح من الضروري التمييز بين الخدمة التي دعا إليها المسيح والهيمنة التي قد تتستّر بلغة الفضيلة.
فالعظمة التي تحتاج إلى إذلال الآخرين كي تثبت وجودها ليست عظمة، والسلطة التي تخشى المساءلة ليست دليلًا على قوّتها الأخلاقية.
السؤال الذي يجب أن يواجهه كلّ ضمير
بعد هذه الأقوال، لا يعود ممكنًا اختزال المسألة في خلاف بين جماعات دينية، أو في اتهام طرف دون آخر. نحن أمام سؤال يتعلّق بالإنسان نفسه: ماذا يحدث عندما تتحوّل القناعة إلى تعصّب، والتعصّب إلى تبرير للعنف، وتبرير العنف إلى اعتقاد بأنّ صاحبه يؤدّي واجبًا مقدّسًا؟
إنّ التحذير الذي ورد في يوحنا 16:2 لا يسمح لنا بأن نكتفي بإدانة القاتل بعد وقوع الجريمة. إنّه يدعونا أيضًا إلى فحص الأفكار والخطابات التي قد تمنح العنف شرعيةً زائفة، وإلى مساءلة كلّ محاولة لتقديم الكراهية على أنّها غيرة على الدين، أو تقديم الاعتداء على أنّه دفاع عن الحقيقة.
وهنا تبرز مسؤولية رجال الدين والمفكّرين والمربّين وأصحاب المسؤولية العامة: أن يميّزوا بوضوح بين الإيمان والتعصّب، وبين الدعوة إلى الحقّ وتبرير الاعتداء، وبين حماية الجماعة وإلغاء كرامة المختلف.
فالكلمة الدينية تحمل مسؤولية مضاعفة حين يتلقّاها الناس بوصفها مرجعًا أخلاقيًا. ومن هنا تأتي أهمية أن تكون الدعوة إلى الإيمان مرتبطةً بالعدل والرحمة، وأن يكون الدفاع عن المقدّسات مترافقًا مع رفض الظلم، وأن تُواجَه كلّ محاولة لتبرير العنف باسم الله بموقف واضح لا لبس فيه.
إنّ المجتمع الذي يسمح بتحويل الدين إلى حصانة من النقد يعرّض الدين نفسه لخطر التوظيف، ويعرّض الإنسان لخطر أن يصبح ضحيةً لشعارات لا يستطيع الاعتراض عليها.
أمّا المجتمع الذي يحترم الإيمان ويصون حرية الضمير، فهو المجتمع الذي يستطيع أن يقول بوضوح إنّ قداسة المبدأ لا تمنح مرتكبه حصانةً من المحاسبة.
الكلمة الأخيرة: لا تجعلوا اسم الله غطاءً للظلم
إنّ أخطر ما تكشفه كلمات المسيح ليس وجود أشخاص يضطهدون الآخرين فحسب، بل قدرة الإنسان على إقناع نفسه بأنّ ما يفعله شرًّا هو خير، وأنّ ما يرتكبه ظلمًا هو عدل، وأنّ العنف الذي يمارسه يمكن أن يصبح، في نظره، خدمةً مقدّسة.
وهنا يجب أن نقف بحزم أمام كلّ محاولة لتجميل الجريمة باللغة الدينية.
لا يجوز أن تتحوّل القداسة إلى ستار، ولا أن يصبح الإيمان سلاحًا ضدّ الإنسان، ولا أن يُمنح الظالم براءةً أخلاقية لأنّه يعتقد أنّه يدافع عن الحقيقة.
إنّ الدم لا يصبح مبرّرًا لأنّ القاتل رفع صلاة، والظلم لا يصبح عدلًا لأنّ مرتكبه استشهد بنصّ ديني، والجريمة لا تتحوّل إلى فضيلة لأنّ صاحبها أقنع نفسه بأنّه يؤدي واجبًا مقدّسًا.
إنّ احترام الإيمان لا يعني إعفاء من يتحدّث باسمه من المساءلة، بل يعني حماية جوهره من التزييف. كما أنّ مواجهة التعصّب لا تكون بتعصّب مضادّ، بل بالعدل والمعرفة والشجاعة في تسمية الأشياء بأسمائها.
ولذلك، فإنّ الرسالة التي ينبغي أن تبقى من هذا التأمّل الإنجيلي ليست إدانة جماعة دينية أو التشكيك في إيمان الناس، بل الدفاع عن المبدأ الذي لا يجوز التنازل عنه: لا أحد يملك أن يحوّل قناعته الشخصية إلى رخصة للاعتداء على حياة الآخرين وكرامتهم.
فالإيمان الذي يُعلن المحبة لا ينبغي أن يتحوّل إلى ذريعة للكراهية، والرسالة التي تتحدّث عن الحقّ لا ينبغي أن تصبح غطاءً للظلم، والمقدّسات التي تحظى باحترام الناس لا ينبغي أن تُستغلّ لإسكات ضمائرهم.
إنّ السؤال الذي يضعه المسيح أمام البشرية ليس ما إذا كان القاتل مقتنعًا بأنّه يخدم الله، بل ما إذا كان اقتناعه هذا يغيّر حقيقة الجريمة التي ارتكبها.
وهذا هو جوهر المساءلة الأخلاقية: أن نرفض أن يصبح الوهم حقيقةً لمجرّد أنّ صاحبه يؤمن به، وأن نرفض أن تتحوّل القناعة إلى سلطة فوق حياة الإنسان، وأن نرفض أن يُستخدم اسم الله لإسكات الحقّ بدلًا من أن يكون دافعًا إلى نصرة المظلوم.
وفي النهاية، لا يكفي أن نسأل كم مرّة رفع الإنسان اسم الله على لسانه؛ علينا أن نسأل أيضًا كيف تعامل مع الإنسان الذي أمامه، وكيف تصرّف حين امتلك القدرة على ظلمه، وهل امتلك الشجاعة لمحاسبة نفسه قبل أن يحاكم الآخرين.
فحين يُرتكَب القتل باسم الله، لا يجوز أن تنتهي المساءلة عند يد القاتل وحدها؛ بل ينبغي أن تمتدّ إلى كلّ خطاب يبرّر العنف، وكلّ فكر يجرّد المختلف من إنسانيته، وكلّ صمت يمنح الظلم فرصةً للاستمرار.
لأنّ أخطر الأوهام ليس أن يجهل الإنسان الحقيقة، بل أن يعتقد أنّه يمتلكها إلى درجة تسمح له بأن يسلب الآخرين حقّهم في الحياة والكرامة باسمها.
د. جيلبير المجبر

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development